آدم شيف حامل الملف القانوني في الحرب على ترامب

الأميركيون لا يقبلون أن يتعرض موقع الرئاسة إلى زلزال سياسي يتعلق بعزل سيد المكتب البيضاوي عن منصبه.
السبت 2019/11/09
رجل الظل الذي يقف خلف مشروع عزل الرئيس

من هو الرجل القوي والنافذ الذي يقف وراء نانسي بيلوسي، المتحدثة باسم الكونغرس الأميركي ورئيسة كتلة الأغلبية الديمقراطية، للمضي في الإجراءات القانونية الخاصة بمشروع عزل الرئيس دونالد ترامب؟ وما هي حجم المعلومات التي يملكها والتي ستدعم موقف الديمقراطيين في الكونغرس الذين يؤيدون بشدة عزل الرئيس؟ ولماذا اتهمه الرئيس ترامب بالخيانة وطالب بإقالته من موقعه كرئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس؟

إنه آدم شيف عضو الكونغرس الأميركي منذ العام 2001 عن ولاية كاليفورنيا ورئيس لجنة الاستخبارات فيه، وقد ولد ونشأ في عائلة يهودية في ماساتشوستس، ثم انتقل إلى دانفيل في ولاية كاليفورنيا خلال مرحلة الدراسة الثانوية حيث تخرج من مدرسة مونتي كك الثانوية؛ تابع آدم شيف دراساته الجامعية في الولاية نفسها وحصل على درجة العلوم السياسية من جامعة ستانفورد، ومن ثم حاز على شهادة الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة هارفارد.

إثر تخرّج شيف من كلية الحقوق بجامعة هارفارد، بدأ العمل كمدع عام في فرع لوس أنجلس لمكتب المدعي العام الأميركي. لفت شيف الانتباه إليه لأدائه المميز كمساعد للمدعي العام من خلال دوره في قضية ريتشارد ميلر، وهو عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي أدين بتسريب وثائق سرية إلى الاتحاد السوفيتي في مقابل الحصول على وعد بمبلغ 65.000 دولار من الذهب والنقد.

أن يُعزل رئيس أميركي

الأغلبية الجمهورية تتهم بايدن بأنه استغل موقعه السياسي في الضغط على أوكرانيا لإيقاف تحقيق قد يكون ابنه هانتر من الأسماء المدرجة فيه
الأغلبية الجمهورية تتهم بايدن بأنه استغل موقعه السياسي في الضغط على أوكرانيا لإيقاف تحقيق قد يكون ابنه هانتر من الأسماء المدرجة فيه.

عزل الرئيس الأميركي عملية قانونية أقرها الدستور الأميركي، لها حيثياتها وشروطها وتعقيداتها أيضاً. ولم يحدث في تاريخ أميركا الذي مضى عليه ما يقارب القرنين ونصف القرن أن عزل رئيس عن موقعه في البيت الأبيض. إلا أن هناك ثلاثة أحداث سجلها التاريخ الأميركي وضعت ثلاثة رؤساء في موضع قريب جداً من تنفيذ حكم العزل عليهم. والرؤساء الثلاثة هم: أندرو جونسون، وبيل كلينتون، وكلاهما تم التحقيق معهما في مجلس النواب لكنهما تمكنا من النجاة من تثبيت التهم عليهما وإقرار عزلهما في مجلس الشيوخ، والرئيس الثالث هو ريتشارد نيكسون، الذي قدم استقالته طوعًا بعد أن أصبحت إجراءات عزله قاب قوسين أو أدنى.

يبدو أن هناك حالة رابعة سيسجلها التاريخ الأميركي تجري أحداثها الآن من خلال إجراءات تدور تحت قبة الكونغرس، وتحقيقات غاية في الإرباك والتعقيد يقودها عضو مجلس النواب الديمقراطي، شيف، بصفته رئيساً للجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي، من أجل عزل ترامب.

أما القاعدة القانونية التي ستبنى عليها التحقيقات العلنية التي أعلن عنها شيف والتي ستنطلق الأسبوع القادم، أي في منتصف شهر نوفمبر، فهي قيام ترامب بممارسة ضغوط على رئيس دولة أجنبية، وهي في هذه الحالة أوكرانيا ورئيسها فلوديمير زيلينسكي، وذلك بهدف التأثير على سير الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة وإضعاف منافسه جو بايدن.

وفِي نهاية الأسبوع الماضي صرح شيف، حسب ما نقلت عنه وكالة رويترز بأن لجنة الاستخبارات قد تبدأ عقد جلسات الأسبوع القادم في إطار التحقيق لمساءلة الرئيس ترامب تمهيدا لعزله. وقال شيف “سنتحرك بأسرع ما يمكن. لكن علينا أن ننتظر لنرى أي الشهود سيكون متاحاً للحضور وإدلاء الشهادة بشكل طوعي، وأيهم سيتطلب الأمر إجباره على ذلك”. وأضاف شيف “إن مذكرات الاستدعاء قد تصدر وقد يتم أخذ شهادات بحلول الأسبوع القادم”.

تتشابه قضية ترامب وطبيعة الحوار الذي دار بينه وبين الرئيس الأوكراني إلى حد بعيد مع القضية التي أثيرت في العام 2016 عن مزاعم لتدخل روسي في الانتخابات الأميركية للدفع بترامب ومساعدته على الفوز فيها مقابل إلحاق الخسارة بمنافسته آنذاك هيلاري كلينتون؛ إلا أن هذه القضية قد حملت وجوهاً جديدة إلى منصتها وبلدا جديدا هو أوكرانيا، لكن محور القضية بقي بطبيعة الحال الرئيس ترامب.

ترامب في قلب العاصفة مجددًا

شيف يحذر فريق ترامب علنا، لاسيما وزير الخارجية مايك بومبيو، من محاولة منع أي مسؤول حكومي في وزارته يتم استدعاؤه للإدلاء بشهادته أمام لجنة الاستخبارات الأميركية في الكونغرس في قضية عزل الرئيس
شيف يحذر فريق ترامب علنا، لاسيما وزير الخارجية مايك بومبيو، من محاولة منع أي مسؤول حكومي في وزارته يتم استدعاؤه للإدلاء بشهادته أمام لجنة الاستخبارات الأميركية في الكونغرس في قضية عزل الرئيس

بنى الديمقراطيون من مناوئي ترامب والمعارضين بشدة لأسلوبه في حكم البلاد وطريقة تفكيره السياسي واستراتيجياته، على حقيقة أن الرئيس ترامب قد استخدم صلاحياته التي منحها له الدستور بهدف الضغط على رئيس أوكرانيا ودفعه إلى الإدلاء بمعلومات ستؤثر على منافسه السياسي الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بايدن، وهو المرشح الأكثر حظاً في نيل ترشيح حزبه لخوض غمار المعركة الانتخابية للوصول إلى سدة البيت الأبيض العام القادم واسترجاع الديمقراطيين لبيت الحكم الأميركي ومكتبه البيضاوي.

أما ترامب وأنصاره من الأغلبية الجمهورية فهم يسجلون نقطة نظام على الديمقراطيين مفادها أن بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق أوباما، قد استغل موقعه السياسي في الضغط على حكومة أوكرانيا لإيقاف تحقيق جنائي قد يكون ابنه هانتر بايدن من الأسماء المدرجة ضمن قائمة الاتهام فيه، ما بإمكانه أن يؤثر على حظوظ والده في كسب ثقة حزبه ونيل الأصوات اللازمة للترشح لخوض الانتخابات الأميركية العام القادم مقابل الرئيس الحالي دونالد ترامب.

يحذر شيف علنًا وزير الخارجية، مايك بومبيو، من محاولة منع أي مسؤول حكومي في وزارته يتم استدعاؤه للإدلاء بشهادته أمام لجنة الاستخبارات الأميركية في الكونغرس في قضية عزل الرئيس. ويشدد على أن أي تدخل في عمل الكونغرس من طرف الرئيس ترامب أو وزير خارجيته سينظر إليه على أنه عرقلة لمسيرة التحقيقات القضائية بشأن عزل الرئيس.

ومن الجدير بالذكر أن اتهامات عرقلة عمل الكونغرس تعد بموجب الدستور الأميركي من الأسباب التي تستدعي عزل الرئيس. وكان البيت الأبيض قد كشف عن فحوى المكالمة الهاتفية التي دارت بين ترامب ونظيره الأوكراني، لكن حجة الديمقراطيين تستند إلى أن ما جرى في المكالمة يعتبر تهديداً للأمن القومي الأميركي، بينما يحاجج ترامب بقوله إن المكالمة كانت مجرد حديث ودي لتهنئة الرئيس الأوكراني على فوزه في الانتخابات، وأنه سمح بنشر نص المحادثة الهاتفية مكتوبًا لعدم توفّر ما يدينه فيها كما يدعي الديمقراطيون وعلى رأسهم شيف.

وبالرغم من أن الديمقراطيين يحشدون الدعم في الكونغرس الذي يسيطرون عليه بحكم كونهم الأغلبية، فإنه من المستبعد أن يتم تمرير قرار العزل في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

وقد طالب ترامب بإقالة شيف فورًا من منصبه كرئيس للجنة الاستخبارات في الكونغرس، وقال في تغريدة له إن شيف قد احتال على الكونغرس و”لفّق” بيانًا على لسان ترامب وقرأه على أعضاء المجلس بعد قراءة نص المكالمة الهاتفية. واعتبر ترامب هذا التصرّف من قبل آدم شيف خيانة وتشجيعا منه على الانقلاب على إرادة الشعب الأميركي الذي اختاره رئيسًا للبلاد.

ماذا يريد الشعب الأميركي

ترامب يطالب بإقالة شيف فورا من منصبه كرئيس للجنة الاستخبارات في الكونغرس، ويقول في تغريدة له على تويتر إن شيف احتال على الكونغرس و”لفّق” بياناً على لسان ترامب وقرأه على أعضاء المجلس
ترامب يطالب بإقالة شيف فورا من منصبه كرئيس للجنة الاستخبارات في الكونغرس، ويقول في تغريدة له على تويتر إن شيف احتال على الكونغرس و”لفّق” بياناً على لسان ترامب وقرأه على أعضاء المجلس

الشعب الأميركي، بطبيعة الحال، لا يقبل أن يتعرض موقع الرئاسة في البيت الأبيض إلى هكذا زلزال سياسي يتعلق بعزل سيد المكتب البيضاوي عن منصبه. فالأميركيون ينظرون إلى موقع الرئاسة نظرة إجلال وتقدير، كونها تعبّر عن إرادتهم التي جاءت في انتخابات حرة مباشرة لاختيار الشخص الذي يرونه مناسبًا في سدة الحكم. أما على المستوى الرسمي الحكومي فمن المرجح أن يصوت مجلس الشيوخ برفض قضية العزل حين تصل ملفاتها إلى حوزة أعضائه.

الحس الشعبي الأميركي العام هو حُكمًا ضد عزل الرئيس، فلم يحدث أن عزل رئيس أميركي عن موقعه بمن فيهم نيكسون الذي كان الأقرب إلى تثبيت كل التهم عليه والتي توجب تنحيته عن منصبه. وإذا لم يُعزل ترامب فعلاً، وإذا فشل الديمقراطيون في تحقيق مساعيهم من خلال إثارة هذه العاصفة السياسية، فهذا سيعني ببساطة أنهم جهزوا مأتم خسارتهم للانتخابات الرئاسية أمام الجمهوريين في العام 2020 بيدهم المطلقة.

12