آلة الإعلام التركي تتوهم تلقي رسائل مصرية بناء على مقال

جريدة الأهرام المصرية تتهم تركيا بالتوظيف السياسي لمقال أحد كتّابها مؤكدة على التزامها خطا ثابتا تجاه النظام التركي المعادي لمصر.
السبت 2020/05/23
هل هناك أخبار غير موجهة؟

تصيدت بعض وسائل الإعلام التركية مقالا صحافيا لأحد الكتّاب المعروفين في صحيفة الأهرام المصرية، لبناء نظريات وفرضيات حول مواقف سياسية للدولة المصرية تجاه تركيا، رغم وضوحها وإعلانها من قبل المسؤولين في كل مناسبة، الأمر الذي اعتبره كثيرون إفلاسا سياسيا من جانب أنقرة.

القاهرة - حاولت وسائل إعلام موالية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بناء فرضيات سياسية على مقال لصحافي  مصري نشر بأحد المواقع التركية مؤخرا، للإيحاء بأن القاهرة تتقرب من أنقرة التي تتمنع على خلاف الحقيقة، ما كشف عمق المأزق السياسي الذي يواجهه النظام التركي، حيث يواجه بانتقادات بسبب مغامراته الخارجية وخسارة دولة إقليمية مثل مصر.

وقالت جريدة الأهرام الرسمية، في بيان شديد اللهجة نشرته بعدد الخميس، إن بعض الجهات داخل تركيا استغلت مقالا نشره موقع تركي بالإنجليزية للأستاذ محمد صابرين الصحافي بالأهرام، يفيد بأن مصر، وعبر هذه الجريدة، تغازل النظام التركي رغبة في استعادة العلاقات، لافتة إلى أن السياسة المصرية تجاه تركيا وغيرها تعبر عنها الجهات الرسمية المسؤولة في الدولة، وعلى رأسها مؤسسة رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.

وأكدت الصحيفة المصرية أنها تلتزم خطا ثابتا ومعروفا للجميع تجاه النظام التركي الذي يعادي مصر بشكل سافر عبر استضافته وحمايته لأبواق الجماعة الإرهابية.

وتحتضن الأهرام، بصفتها الجريدة القومية الأولى، الكثير من الكتاب والصحافيين ذوي الأفكار والاتجاهات المتباينة، وحين يكتب هؤلاء وجهات نظرهم الشخصية يأتي ذلك في إطار احترام حرية الرأي والتعبير “التي لا يعرفها النظام التركي”.

وأضافت أن الادعاءات التركية تشير إلى حالة الارتباك والتخبط التي يعاني منها أردوغان إلى درجة “توهمه أن مجرد مقال يكتبه صحافي يعبر عن مغازلة مصرية لاستعادة العلاقات”، مشددة على أن دعوات تطبيع العلاقات مع النظام التركي الحالي مثلها مثل دعوات تطبيع العلاقات مع الجماعة الإرهابية وغيرها ممن يستهدفون المصالح المصرية.

وينطوي بيان جريدة الأهرام على إشارات تحمل رفضا حاسما لأي تغيير في العلاقات مع أنقرة، خاصة أن تصرفاتها في شرق البحر المتوسط والتدخل العسكري في ليبيا ومن قبلُ سوريا، وكذلك الإصرار على توفير المأوى لجماعة الإخوان، لم تعد خافية على كثيرين، واستهدافها الإعلامي لمصالح مصر عموما يمنع أي تفكير في التفاهم معها بأي شكل.

محمد صابرين: المقالة كتبتها بدافع إلقاء الكرة في ملعب الخصم، وتفجير قضية علاقة تركيا بجماعات العنف في عقر دارهم
محمد صابرين: المقالة كتبتها بدافع إلقاء الكرة في ملعب الخصم، وتفجير قضية علاقة تركيا بجماعات العنف في عقر دارهم

ودرجت تركيا على قلب الكثير من الحقائق عبر آلتها الإعلامية التي يجري توريطها سياسيا على نطاق واسع، وتحولها إلى بوق يخدم توجهات وتصرفات أردوغان في المنطقة، وقيامها بليّ أعناق القضايا وحرفها عن مساراتها الصحيحة بلا خجل، والدليل خطابها الموجه في ليبيا، والذي يستخدم مفردات إعلامية غرضها إيجاد صورة ذهنية إيجابية عن فريق حكومة الوفاق في طرابلس، على حساب الجيش الوطني الليبي وقائده المشير خليفة حفتر.

واخترعت وكالة الأناضول الرسمية، قسما بعنوان “مرصد تفنيد الأكاذيب”، خصصته للرد على وسائل الإعلام العربية التي تنتقد تصرفات أنقرة، ولم تعبأ بأن تصحح أوضاع الإعلام التابع مباشرة لأردوغان، الذي يشوه الحقائق ويجتزئ المعلومات من سياقاتها، بل إنها تتفنن في الهجوم على الكتاب الذين يتناولون الشأن التركي بطريقة لا تعجب نظام أنقرة. ولم يكن مقال محمد صابرين الذي أثار الجدل بداية تعاونه مع موقع “ورلد يونيتد أنترناشونال” التابع لحزب الوطن التركي المعارض، قائلا “ارتبط بعلاقة تعارف مع أحد صحافي الموقع واعتاد أن يلجأ إلي من وقت إلى آخر طلبا لتفسيرات وآراء حول الأحداث في  المنطقة”.

وأوضح صابرين في تصريح لـ”العرب”، أن الصحافي التركي (أونور سنان جوزالتان) كتب مقالة وأرسلها له تنتقد تمسك النظام التركي بعلاقاته مع جماعة الإخوان المسلمين وجماعات العنف في المنطقة ما سبب شبه عزلة للأتراك، وطالب النظام التركي بتغيير سياساته، وهي المقالة التي نالت استحسانه (صابرين) وكتب تعقيبا عليها نشر في جريدة الأهرام في 26 يناير الماضي، وتوقف فيها عند التوجهات المتوترة لأنقرة، والتي يجب تغييرها.

وتابع، أن علاقته بالموقع التركي والجريدة التي تصدر عنه باسم “أيتن ليكا” ظلت مقتصرة على اعتباره مصدرا لتحليل بعض الأحداث حتى كتابته المقال الأخير منذ أسبوع، والتي أثارت الجدل، وكتبها بدافع إلقاء الكرة في ملعب الخصم، وتفجير قضية علاقة تركيا بجماعات العنف في عقر دارهم، لأن المقال ضم شروطا واضحة لتمهيد الطريق لإعادة النظر في العلاقات مع مصر، في مقدمتها التخلي عن الإرهاب وعدم التدخل في شؤون الدول العربية.

وتصيدت بعض وسائل الإعلام التركية المقال، وروجت له على أنه رسالة من القاهرة، في حين لا يتوانى المسؤولون في مصر عن الاعتراض على ممارسات تركيا في ليبيا وشرق المتوسط، ولم تظهر أيّ إشارات تفيد بمراجعة ملف العلاقات مع أنقرة.

حالة ارتباك يعاني منها نظام أردوغان لدرجة توهمه أن مقالا لكاتب يعبر عن محاولة مصرية لاستعادة العلاقات

وعلى العكس، يشن الإعلام المصري يوميا هجوما عنيفا على الإجراءات التركية في المنطقة، بما لا يمكن الاستشفاف من قريب أو بعيد أن هناك غزلا سياسيا، بل تكريس لحالة التباعد ما دامت تركيا تواصل انتهاكاتها لأبسط قواعد القانون الدولي، ويقوم إعلامها بتسويق ممارساتها الإجرامية على أنها في صالح دول المنطقة، وتفاعلت وسائل إعلام عديدة رسمية ومستقلة في مصر مع بيان الأهرام، وتعمدت إبرازه لكشف الأكاذيب التركية.

واعتقد صابرين، أن مقاله قد ينجح في إثارة الرأي العام التركي حول القضية، ويجعل النظام مطالبا أمام شعبه بتوضيح موقفه من التمسك بدعم الإرهاب والعلاقات مع جماعة الإخوان الإرهابية التي تخسرها علاقتها بدولة مثل مصر، وبعد المقال فتحت وسائل إعلام تركية من جديد ملف العلاقة مع القاهرة، وارتباط السياسة الخارجية لأنقرة بالإخوان وجماعات العنف، ولم يهدف إطلاقا إلى توصيل رسائل سياسية.

وشدد على أن من يطلق تصريحات ومبادرات الغزل تجاه مصر هي تركيا الرسمية وغير الرسمية التي فوجئت بتجاهل القاهرة المستمر لرسائلها، وأن القيادة المصرية تحظى بتقدير شعبها ولن تتخلى عن واجبها القومي والحفاظ على وحدة أراضى الدول العربية وكسرت مشروع أنقرة مع الإخوان الإرهابية، وعندما فشلت في الحصول على رد فعل إيجابي “لجأت إلى الكذب والتدليس وقلب الحقائق الواضحة”.

وفضحت هذه الواقعة الطرق الملتوية التي يلجأ إليها الإعلام التركي المحسوب على أردوغان، في إحراج الخصوم وتشويه صورتهم وأن أنقرة في موقف قوي، في إشارة توحي بأن هناك قنوات خلفية مع القاهرة، وما تبديه مصر الرسمية من مواقف صارمة غير دقيق، الأمر الذي حرصت جريدة الأهرام على تفنيده.

18