"أحفاد المعماري حسن فتحي" يقدمون أسرار الفخّار المصري

المعماري حسن فتحي وظف حياته في سبيل الفقراء ليبني لهم قصورا من الطين، والفن التلقائي يلخص حياة أشهر قرية منتجة للخزف في مصر.
السبت 2018/12/08
الحفاظ على روح الأصالة

يجسّد فنانون تلقائيون في قرية “جراجوس” بمحافظة قنا في صعيد مصر عبر صناعاتهم الخزفية، بانوراما واسعة لسائر مفردات الحياة والواقع المعيش في القرية، بإطلالة فطرية على تربة بكر في أقصى جنوب مصر، حيث تكتسب الحياة عمقها الإنساني وتستردّ الكثير من معالمها الطبيعية التي بددتها دوّامات العصر وتقنياته الزائفة.

القاهرة - تقدم مجموعة من الفنانين التلقائيين يطلقون على أنفسهم “أحفاد المعماري حسن فتحي” قراءة شاملة لملامح الحياة في قريتهم وتفاصيلها اليومية في الحاضر والماضي، من خلال معرض مقام حاليًا في القاهرة لفنون الخزف وأسرار الفخّار، خلال الفترة من 6 إلى 15 ديسمبر الجاري.

وينتمي جميع الفنانين إلى قرية “جراجوس” بمحافظة قنا في صعيد مصر (645 كيلومترا جنوب القاهرة)، وهي قرية مصرية شهيرة لها صيت عالمي في صياغة منتجات الخزف اليدوية وتسويقها خارجيّا، خصوصا في فرنسا والدول الأوروبية.

ويعود تفوق القرية في هذا المجال الفني إلى توفر خامات الطين المتنوعة، وعلى رأسها الطين الأسواني الأحمر، ووجود مصنع تاريخي للخزف بالقرية، نادى بإنشائه الرهبان الفرنسيون في منتصف القرن العشرين، بهدف تعليم أبناء القرية الحرف اليدوية، وهي أعمال من الطين الأسويلي، فيما تولى تصميمه  وتشييده رائد العمارة المصري المهندس حسن فتحي (1900-1989).

وانطلق معرض “أبناء جراجوس للفن التلقائي” برعاية القنصلية الفرنسية بالقاهرة وكنيسة جزويت رمسيس، وتستضيفه مدرسة العائلة المقدسة بالقاهرة، وينعقد تحت شعار “الفن.. تاريخ وحياة”.

ويتضمن المعرض كذلك بعض أشغال السجاد التي تشتهر بها القرية كحرفة تقليدية، وتستمد السجادة رسومها وصورها ونقوشها عادة من الرموز والأيقونات التراثية كأوراق الأشجار والنخيل والحيوانات ومفردات البيئة الزراعية الصعيدية.

ويتجلى الإدهاش الحقيقي بمعرض الفن التلقائي في تشكيل الخزف وكشف أسرار الفخار، خصوصا في الوحدات الصغيرة الدقيقة التي تتطلب مهارة يدوية فائقة.

ويعتمد فنانو قرية جراجوس على خامات الطين المحلية الغنية بأكسيد الحديد، وهي التي استخدمها قدماء المصريين منذ آلاف السنين في صناعة الآنية وتشكيل المنتجات الفخارية.

ملامح بدأت تندثر
ملامح بدأت تندثر

وتجسّد تشكيلات الخزف في المعرض بانوراما واسعة لسائر مفردات الحياة والواقع المعيش في القرية، فبالفن يمكن تصوير كل ما يجري على الأرض من تفاصيل وممارسات ومناسبات وعلاقات، كذلك يمكن الحفاظ على روح الأصالة وسمات الهوّية الشعبية، من خلال تصوير أجواء القرية في فترات تاريخية سابقة، لإطلاع الأجيال الجديدة على تراث صناعي وزراعي واجتماعي بدأت ملامحه تندثر.

وبالإضافة إلى ما يقدمه فنانو الخزف من تماثيل وبورتريهات وآنية الطهو والأباريق والصينيات المنحوتة والمزركشة وأطقم الشاي والقهوة وغيرها، فإنهم يرسمون بيوت القرية وأناسها وأسماكها وعصافيرها وحاضرها الراهن وتاريخها بأصابع الفن، إيمانا منهم بأن الإغراق في المحلية ورصد كافة تفاصيل الحياة دون زيف أو تجميل بوابة بلوغ العالمية.

ويتّسق هذا التوجه مع فلسفة تصميم مصنع الخزف ذاته في قرية جراجوس، إذ شيّده حسن فتحي بالاعتماد الكامل على المكوّنات البيئية المحلية، وبنظام القباب العالية لكي يتحمل الفنانون حرارة الطقس القاسية في أثناء العمل.

وتمثل قرية جراجوس نموذجا فريدا للتربة الطينية من جهة، ولالتقاء الحضارات من جهة أخرى، فقد شهدت تطورات في الفنون اليدوية ومدارسها في ظل الحضارات القبطية والبطلمية والرومانية والإسلامية، وصولا إلى الطفرة الفنية الحديثة منذ منتصف القرن العشرين، التي وجهت الأنظار إليها بقوة، وجعلتها مقصدا لزيارات الملوك والرؤساء وكبار الشخصيات والفنانين في العالم لمطالعة منتجاتها من الخزف.

ويجد المتجوّل في معرض الفن التلقائي ذاته على بعد خطوات قليلة من حياة أهل قرية جراجوس بكل تشعباتها وامتداداتها، الحاضر الآني والماضي غير البعيد.

وهناك تكوينات تجسّد حرث الفلاحين للأرض وزرعها بمعدات تقليدية، وتشكيلات تشخّص النساء وهن قابعات أمام الأفران المنزلية يخبزن الأرغفة الساخنة، وأخرى تصوّر طقوس “أسبوع المولود” في الثقافة الإسلامية، وتعميده لدى الأقباط، ونماذج للاحتفال بالكريسماس بحضور السيد المسيح طفلا والسيدة مريم العذراء، وغيرها.

تراث ديني
تراث ديني

وتتسع الأعمال كذلك لتشمل المجالس العائلية في بيوت الفلاحين التقليدية، والبيوت ذاتها بغرفها وساحاتها وكامل تصميماتها من الطوب النيء وألواح الخشب، وتنقلات البشر فوق الحمير والجمال في الطرقات غير الممهدة والأراضي الزراعية، والأعراس والاحتفالات الشعبية بما فيها من دق الطبول والعزف على المزامير والآلات الموسيقية، وانطلاق الصيادين بالمراكب النيلية لصيد الأسماك، إلى آخر هذه المشاهد التي تلخص الحياة بكاملها في القرية.

ومعرض أبناء جراجوس للفن التلقائي، إطلالة فطرية على تربة بكر في أقصى جنوب مصر، حيث تكتسب الحياة عمقها الإنساني وتسترد الكثير من معالمها الطبيعية التي بددتها دوّامات العصر وتقنياته الزائفة. وعرف المعماري حسن فتحي، باسم “مهندس الفقراء”، واستمد مصادره من العمارة الريفية النوبية المبنية بالطوب واللبن، ومن الحضارة المدنية لبيوت وقصور القاهرة القديمة في العصرين المملوكي والعثماني، ويعتبر رمزا للعمارة العربية الكبرى في القرن العشرين، وهو مبدع فن العمارة المصرية الأصلية.

وشغل حياته في سبيل الفقراء ليبني لهم قصورا من الطين، وكانت أولى أعماله مدرسة طلخا الابتدائية بريف مصر، ومنها بدأ يفكر في العمل والاهتمام بالعمارة الريفية.

وتعد قرية القرنة غرب مدينة الأقصر في صعيد مصر، التي بناها لتقطنها 3200 أسرة، جزءا من تاريخ البناء الشعبي الذي أسّسه بما يعرف بعمارة الفقراء، حتى لُقّب بـ”فيلسوف العمارة ومهندس الفقراء”.

وطيلة حياته (1900-1989) ظل المهندس المصري مواجها للعمارة والتقنيات الصناعية المستوردة، التي رأى أنها “غير ملائمة، ودخيلة على ثقافة مصر وعاداتها”، غير أن أفكاره اصطدمت بتوجّه الدولة في سبعينات القرن الماضي لإنشاء “بلوكات” متراصّة لحل مشكلة الإسكان.

وخدمت خبرات مهندس الفقراء عمليات البناء والعمارة بالسعودية والكويت وسلطنة عمان، وكان كتابه “عمارة الفقراء”، الذي ألّفه عام 1970 وتمت ترجمته إلى الإنكليزية عام 1973، بمثابة ترسيخ لمكانته الدولية، وقد وصف فيه قصة بناء قرية القرنة الجديدة وكأنها ملحمة أسطورية نموذجية.

ومن أشهر أقواله “هناك 800 مليون نسمة من فقراء العالم الثالث محكوم عليهم بالموت المبكّر بسبب سوء السكن، هؤلاء هم زبائني”.

17