أردوغان يحاول ترميم صورته باستمالة الأقلية العلوية

تأييد العلويين لحزب العدالة والتنمية يتضاءل قبل الانتخابات.
الجمعة 2021/11/26
أردوغان يبحث عن أصوات أكبر الأقليات

وجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مغازلة الأقلية العلوية الكبيرة سبيلا لترميم شعبيته المتآكلة قبل الاستحقاق الانتخابي في 2023 حيث قيل الكثير عن اختلاف نتائجه عما سبق، إلا أن العلويين يقابلون هذه الخطوة بتوجس لاسيما أن أردوغان نكث بوعوده في محطات انتخابية سابقة.

إسطنبول - يواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مهمة شاقة في محاولة استمالة الأقلية العلوية الكبيرة التي تمثل ما بين 15 و20 في المئة من سكان تركيا البالغ عددهم 84 مليون نسمة وتميل في الغالب إلى تيار يسار الوسط وترتاب في أهداف حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية بعد انهيار محاولات سابقة لعلاج هموم العلويين.

وتظهر استطلاعات الرأي قبل الانتخابات التركية المزمع إجراؤها في 2023 تضاؤل التأييد لحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه أردوغان.

وأوفد الرئيس التركي مبعوثين إلى 1585 بيتا من بيوت الجمع ( مصلى) للاستماع إلى قائمة المظالم الطويلة من الطائفة، في مسعى لاجترار مواقف سابقة بالاستجابة لمطالب العلويين التي تختفي بعد كل انتخابات.

وتطالب الجماعات العلوية بالاعتراف الرسمي ببيوت الجمع وتنفيذ أحكام قضائية في هذا الصدد ووضع حد لمساعي تذويب الطائفة من خلال التعليم الديني الإلزامي والتمييز ضدها في الحياة العامة.

تقديم الوعود الانتخابية للعلويين ثم النكث بها جزء من اتجاه أوسع لدى حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم

ويستمد العلويون شعائرهم من الشيعة والمتصوفة والتراث الشعبي في الأناضول ويؤدون طقوسا تجعل منهم مخالفين في الدين في نظر الأغلبية السنية. وهم ينتسبون للشيعة بسبب تبجيلهم للإمام علي بن أبي طالب الذي يعتقد الشيعة أنه صاحب الحق في خلافة رسول الإسلام.

وفي العام 1993 لقي 37 شخصا أغلبهم من المثقفين والمفكرين العلويين مصرعهم في حريق بفندق في إقليم سيواس التركي خلال احتجاج للسنة على وجودهم في احتفال علوي.

وقبل نحو عشر سنوات أطلق أردوغان تعهدا بمساعدة العلويين، لكن هذا المسعى سرعان ما انهار وسط اضطرابات تسببت فيها مظاهرات احتجاج معادية للحكومة تركزت على منتزه غيزي في إسطنبول عام 2013. غير أنه وسط مؤشرات على تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية عادت القضية للظهور في اجتماع لمجلس الوزراء مؤخرا تعهد أردوغان بعده ببذل المزيد من الجهد لتمكين جميع الأتراك من “التنفس بسلاسة”.

وقال علي يوروميز، وهو ممثل جمعية علوية في بيت الجمع في إسطنبول، إن مسؤولين زاروا المبنى المقام بمواد سابقة التجهيز وعرضوا إعادة بنائه، لكنه رفض ذلك قائلا إن مثل هذه العروض بالمساعدة المادية توحي بأن الحكومة لا تحرص على إجراء تغييرات قانونية.

وأضاف يوروميز وهو يجلس تحت صور لضحايا حريق سيواس “كانوا يتساءلون ’هل يمكننا إحداث انقسام بين العلويين’، مع اقتراب الانتخابات. لكني لا أعتقد أن العلويين سينجرون لتلك اللعبة”.

وأكد أنه تم استهداف العلويين مؤخرا بعبارات كراهية، مشيرا إلى إعلان أحد أئمة السنة أنه لا يمكن لعلوي يؤمن بدين يخالف دين الإسلام أن يتزوج امرأة سنية.

إلا أن مسؤولين أتراكا تحدثوا عن وجود إرادة حقيقية للتغيير في أحدث مسعى للتقارب مع العلويين.

وقال مسؤول كبير بحزب الحرية والعدالة “الرئيس يريد تسوية هذه المسألة… ربما تتم الاستجابة هذه المرة لوضعية مكان العبادة التي يطالبون بها منذ فترة طويلة”.

وسلّم مسؤول تركي كبير بالمنافع الانتخابية المحتملة لمثل هذه التحركات المتعلقة بحقوق الأقليات، غير أنه نفى أن هذا هو الدافع وراء الخطوات التي تخص العلويين.

استمالة الأقلية العلوية ورقة أردوغان الانتخابية
استمالة الأقلية العلوية ورقة أردوغان الانتخابية

ويبدو أن تقديم الوعود الانتخابية للعلويين ثم النكث بها جزء من اتجاه أوسع لدى حزب العدالة والتنمية الذي تمكن من الحفاظ على مقاليد السلطة على مدار الأعوام الستة عشر الماضية، إذ نظم الحزب على مدار الفترة الماضية العديد من ورش العمل التي تركز على وضع العلويين في إطار ما أطلق عليه اسم مبادرة “الانفتاح العلوي”، لكن على أرض الواقع لم يتم اتخاذ أي خطوات ملموسة لحل قضايا أبناء الطائفة.

وفي 2016 قضت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية بأن العلويين حُرموا من حقهم في الحرية الدينية وأنهم يواجهون تمييزا. وأصدرت محكمة استئناف تركية في 2018 حكما بأن بيوت الجمع دور للعبادة. غير أن الحكومة لم تتحرك لتنفيذ هذه الأحكام وبدا أن هناك اختلافا في وجهات النظر داخل الحكومة في ما يتعلق بوضع بيوت الجمع.

وقال المسؤول الكبير بحزب العدالة والتنمية إنه ربما يتقرر تصنيفها على أنها مراكز ثقافية، مما يعفيها من الإيجار وسداد نفقات المرافق.

وربما لا ترقى مثل هذه الخطوة إلى مستوى تلبية مطالب العلويين بالاعتراف بدور عبادتهم، حتى إذا كانت هناك مزايا مالية لبيوت الجمع التي تعتمد على التبرعات الخاصة في تمويل إقامة الشعائر الدينية في غياب دعم الدولة.

وعلى النقيض، تحصل مساجد تركيا التي يقارب عددها 90 ألفا والعاملون فيها على تمويل من إدارة الشؤون الدينية التي تقترب موازنتها من ملياري دولار. غير أن العلويين أكدوا مرارا أن المساعدة المالية ليست هي ما يسعون له.

الجماعات العلوية تطالب بالاعتراف الرسمي ببيوت الجمع وتنفيذ أحكام قضائية في هذا الصدد ووضع حد لمساعي تذويب الطائفة

وتراجعت شعبية أردوغان جراء فشله في إدارة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد وتراجع منسوب الحريات بعد الانقلاب الفاشل سنة 2016، وهو ما جعله يغازل الأقليات الدينية علّها ترمم شعبية حزبه المتهالكة.

ووفقا لمسح أجرته شركة “ميتروبول” لاستطلاعات الرأي في تركيا، ابتعد أكثر من نصف الأتراك عن أردوغان، أكثر فأكثر.

وكشف المسح الذي أجري مؤخرا في الثالث والعشرين من نوفمبر قبل الارتفاع القياسي لسعر صرف الليرة التركية أنّ 54.5 في المئة من الناخبين لا يوافقون على الطريقة التي يؤدي بها الرئيس التركي ورئيس حزب العدالة والتنمية مهامه.

وسُئل الناخبون الذين شاركوا في الاستطلاع “هل توافقون على الطريقة التي يتولى بها أردوغان رئاسته؟”.

وبينما قال 39.3 في المئة من المستجوبين لاستطلاع آرائهم أنهم وافقوا، قال 54.5 في المئة إنهم لم يوافقوا، فيما 6.2 في المئة قالوا إنه ليست لديهم فكرة إجابة.

وتفجرت في الأيام القليلة الماضية خلافات داخل التحالف الحاكم في تركيا الذي يضم حزب العدالة والتنمية والحركة القومية بعد تصريح رئيس الأخيرة دولت بهجتلي بتأييده لمقترح انتخاب الرئيس بأغلبية 50 في المئة من الأصوات زائدا واحدا وهو ما قد يفضي إلى سقوط أردوغان الذي يواجه وحزبه تراجعا في استطلاعات الرأي.

وتبذل المعارضة التركية جهودا للعودة بالبلاد إلى النظام البرلماني في البداية وليس فقط إثارة قضية طريقة انتخاب الرئيس، علاوة على ضرورة إدخال تغييرات واسعة في مواد دستورية أخرى وهو ما قد يفاقم الخلافات السياسية في المرحلة المقبلة سواء داخل التحالف الحاكم أو خارجه.

5