أسود وأبيض

العنصرية حقيقة مؤسفة من الصعب تخيل أن التطور الأخلاقي للبشرية سيزيلها.
الأربعاء 2021/03/10
عنصرية متكتمة

أواخر عام 2017، وزع قصر كينسينغتون صورا بالأسود والأبيض لخطوبة الأمير هاري على الممثلة الأميركية ميغان ماركل. القصر كان السكن الرسمي للأميرة الراحلة ديانا قبل وبعد طلاقها، واليوم هو محل الإقامة لولي ولي العهد (إذا جاز التعبير) الأمير وليام. طاقم القصر من الحاشية الملكية مسؤول عن العلاقات العامة للأميرين الأخوين.

كانت الصورة لافتة. كانت مقصودة. أسود وأبيض في الوقت الذي يسبح فيه العالم بالألوان. لا شك أنها صورة فنية بارعة. لكنّ ثمة بعدا عنصريا فيها، أو ربما بعد يتجاوز العنصرية. الأمير الأشقر (أكثر من اللازم) والخطيبة السمراء توحدهما صورة بالأسود والأبيض. نعرف الآن أن البعد كان عنصريا أكثر من أن يتجاوز العنصرية. على الأقل هذا الذي فهمناه من المقابلة المتفجرة التي أجرتها المحاورة الأميركية الأشهر أوبرا وينفري مع الزوجين هاري وميغان.

الأسرة المالكة البريطانية غير بعيدة عن الهزات. أعتقد أنها أسرة طبيعية تواجه المشاكل مثل أي أسرة. الفرق أن الأعين عليها، وكل قضية تخصها تُضخم إعلاميا. لم يقل أحد إنّ الأسر المالكة يجب أن تكون من نسل الملائكة. وفاة الأميرة ديانا في الحادث المعروف أعطى الأمر بعدا إضافيا وروّج لنظريات المؤامرة. قبل الحادث كانت القضية علاقات وتحاسدا وحساسيات.

الآن يدخل البعد العنصري في الصورة. هو المشكلة الآن. المجتمع البريطاني لا يستطيع أن يهضم هذه المسألة، رغم أنه يمارسها كل يوم. العنصرية القائمة على اللون من أكثر الممارسات العنصرية رواجا عبر التاريخ. حتى الأديان لم تنجُ منها. ولا يمكن أن تتوقع أن جيلا أو جيلين من الناشطين ممن يروّجون لأفكار ضدّ العنصرية يمكن أن يفلحوا في تغيير طبيعة البشر. ربما لن يفلحوا أبدا.

العنصرية في بريطانيا متكتمة. ليست فاقعة مثل الولايات المتحدة. المشجع الإنجليزي الأبيض يهتف بحياة اللاعب البريطاني الأسود في فريقه الوطني. ثم يخرج من الملعب ويمكن أن يطلق كلمات عنصرية على شخص أسود. تناقضات تخفف منها أشياء مثل الرياضة، لكنها لا تزيلها. أنا إنجليزي (أي مؤصل) وأنت بريطاني (مجنّس أو مولود من أسرة متجنسة).

الأسرة المالكة البريطانية والحاشية المحيطة بها جزء من التركيبة الاجتماعية ومنسجمة معها. مثلما كنا نسمع عن حكاوي المؤامرات في سبب وفاة الأميرة ديانا وأنها بصدد الزواج من دودي الفايد وأنها ستنجب ابنا مسلما يكون أخا للأمير وليام، الملك القادم ورئيس الكنيسة الإنجليكانية، اليوم نسمع شهادات من أمير ومن زوجته عن صعوبة تقبل الأسرة المالكة لفكرة أن يكون ابنهما حاملا للقب أمير وهو أسمر البشرة. الحكاية الأولى إن صحت عنصرية دينية. الثانية عنصرية لونية.

العنصرية اللونية الآن خطيرة لأنها تذكر بوجه قبيح للتاريخ البشري هو تاريخ العبودية. لكن العبودية بدورها لم تكن دائما أبيض يستعبد أسود. اقرأ تاريخ الصقالبة الأوروبيين الذين كانوا يؤسَرون من قبل القراصنة ويباعون عبيدا بيضا في أسواق القاهرة. هناك كتب كثيرة تروي رعب الصيادين والمزارعين الأيرلنديين من غارات تجار العبيد وخطفهم للنساء والرجال البيض وبيعهم في شمال أفريقيا.

تتراكم أشكال العنصرية. تستطيع أن تكون عنصريا في كل شيء تقريبا. شمالي وجنوبي. شرقاوي وغرباوي. عربي وكردي. لاحم وخضري. خضري وفيغان. مسلم ومسيحي. غني وفقير. ابن الست وابن الجارية.

العنصرية حقيقة مؤسفة من الصعب تخيل أن التطور الأخلاقي للبشرية سيزيلها. ربما نمارسها حتى ونحن نقول إننا نسعى لإزالتها. علينا الاستعداد دائما لمواجهة صدماتها وما تذكرنا به من مآس.

لندن لندن لندن
لندن لندن

 

24