أطفال عراقيون ينتشرون في شوارع كربلاء بحثا عن الرزق

الظروف الراهنة في كربلاء دفعت جمعيات خيرية إلى تقديم المساعدة لأطفال الشوارع من خلال العمل على توفير فرص لتعليمهم والترفيه عنهم ومساعدة أهلهم.
الأربعاء 2020/10/28
طفولة مهمّشة ومستقبل غامض

كربلاء (العراق)- فاقمت جائحة فايروس كورونا معاناة الأطفال العراقيين الذين يجوبون شوارع مدينة كربلاء لبيع مناديل ورقية أو أشياء صغيرة أخرى، بعد أن أصبحوا مشهدا عاما يتزايد في الشوارع الرئيسية، في إطار محاولاتهم لتوفير بعض احتياجات أُسرهم التي ينخر الفقر في عظامها.

وهؤلاء الأطفال، الذين يعملون في الأماكن العامة والأسواق وعند إشارات المرور من بداية الصباح حتى وقت متأخر من الليل، ربما يكونون أسعد حظا من أولئك الصغار الذين يجمعون النفايات لغرض بيعها أو أولئك الذين يعملون في المخابز والأفران والمعمار.

ورغم أن وباء كورونا غير قاتل بالنسبة إلى الأطفال أو أقل ضررا عليهم حسبما ذكر بعض العلماء المختصين، إلا أنهم لم يستبعدوا تأثيره السلبي وكونه يجعل منهم مصدرا لنقل الوباء لذويهم والمحتكين بهم.

تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب جائحة كورونا دفع العديد من الأطفال للعمل في الشوارع في بيع المحارم وتنظيف واجهات السيارات

وقبل جائحة كورونا قدّرت المنظمات الدولية عمالة الأطفال في العالم بنحو 152 مليون طفلا، والجائحة قد تدفع بالمزيد منهم إلى سوق العمل أو التسوّل نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية وخفض الرواتب وتسريح البعض من العمالة اليومية المؤقتة .

ورصدت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، ارتفاعا ملحوظا لنسبة عمالة الأطفال في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب جائحة كورونا. وأكد عضو المفوضية فاضل الغراوي في بيان، أن “توقف الأعمال وعدم وجود مصادر للمعيشة وتردي الوضع الاقتصادي وخصوصا للعائلات الفقيرة، كلها عوامل اضطرت العديد من الأطفال إلى العمل مع وجود مخاطر تهدد حياتهم بسبب الجائحة والأحوال الجوية علما وأن أغلب أعمار الأطفال يتراوح بين 6 و12 عاما”.

ودفعت الظروف الراهنة جمعيات خيرية في كربلاء لمساعدة أطفال الشوارع من خلال العمل على توفير فرص لتعليمهم والترفيه عنهم ومساعدة أهلهم في آن واحد. وقال أمير حسن، المتطوع في جمعية “رحماء بينهم” الخيرية العراقية، إن الكثير من الأُسر تُضطر إلى الدفع بأطفالها للعمل في سن مبكرة بسبب الضغوط الاقتصادية.

وأضاف “نحن كشباب متطوعين حملنا على عاتقنا أن نتصدى لقضية تهم المجتمع بأكمله، وهي قضية الأطفال الذين يعانون ويتعرضون لعدة مظالم جراء عملهم في تقاطع الطرقات والأماكن العامة”. وأردف حسن “قبل أزمة كورونا كان الأطفال موجودين في الأحياء العشوائية، لكن بعد تفاقم الوضع الاقتصادي في كل العراق بسبب الوباء، انقطعت المعونات على العائلات الفقيرة، فألقت بأبنائها إلى الشوارع للعمل وتحصيل لقمة العيش التي صارت صعبة في ظل موجة الغلاء”.

صغار يجمعون النفايات بهدف بيعها لتوفير بعض احتياجات أُسرهم
صغار يجمعون النفايات بهدف بيعها لتوفير بعض احتياجات أُسرهم 

وتحاول جمعية “رحماء بينهم” الأهلية والتي تأسست عام 2017، مكافحة هذه الظاهرة بالعمل على توفير أماكن آمنة لهؤلاء الأطفال يتسنى لهم فيها الحصول على قسط من التعليم وممارسة أنشطة وتعلّم مهارات مفيدة.

وقال أمير حسن “توضع برامج عدة منها دعم مادي لهذا الطفل وعائلته التي كانت تدفعه إلى الشوارع بسبب الفقر والعوز، وتحاول أيضا أن تقدم  أنشطة وبرامج تُشعر الطفل بالطفولة وتحسّسه بالأمان”. ويحضر 34 متطوعا وزهاء 40 طفلا بشكل منتظم أنشطة الجمعية التي تستهدف هؤلاء الأطفال، وبينهم أزهر صلاح (16 عاما).

ويقول أزهر صلاح إن الجمعية أنقذته من حياة “الجحيم” قبل ثلاث سنوات. وأضاف “توفي والدي وأنا في المرحلة الثانية ابتدائي والثامنة من عمري، فبدأت أجول الشوارع، وتحملت مسؤولية عائلتي في توفير لقمة العيش لها رغم صغر عمري”. وقال أمير حسن “نحاول أن نجعل الأطفال يعيشون حياة آمنة وأن نعتني بهم لكي يصبحوا أناسا فاعلين في المجتمع”. ويتمنى صلاح الآن أن يردّ الجميل عندما يكبر للجمعية والمجتمع بمساعدة أطفال الشوارع على تفادي التعرض لما عاشه من معاناة.

وقال “أمنيتي حين أكبر أن أحاول قدر الإمكان مساعدة الأطفال الذين يمرون بما مررت به، فأنقذهم مثلما أنقذوني من الجحيم”. وتتلقى جمعية “رحماء بينهم” دعما من صندوق العتبة العباسية الدينية ومقره العراق إضافة إلى متبرّعين من المجتمع العراقي.

ويقول أبووائل “ليس سهلا على الأولياء دفع أبنائهم إلى العمل في الشوارع مع ما يعنيه العمل من إرهاق وما يتخلله من مخاطر، ولكن الحاجة هي التي أرغمتهم على ذلك، فأولياء الأمور مضطرين لتشغيل أبنائهم بسبب غلاء المعيشة وبسبب سياسة الدولة الاقتصادية والتي رفعت من أجور الخدمات التي تقدمها للمواطنين”.

توقف الأعمال وعدم وجود مصادر للمعيشة وتردي الوضع الاقتصادي وخصوصا للعائلات الفقيرة، كلها عوامل اضطرت العديد من الأطفال إلى العمل

وإذا كان أبووائل يرفض تشغيل أبنائه تحت أي أزمة اقتصادية، فإن أصحاب المحلات في الأسواق يشاهدون كيف يتم يوميا نشر هؤلاء الأطفال في الأسواق والشوارع. وعن ذلك يقول أحد التجار “هؤلاء يأتي بهم والدهم ويتركهم هنا ويذهب إلى ذلك المقهى يحتسي الشاي ويدخّن النرجيلة ثم في المساء يأخذ من الأطفال ما جنوه من مال ويعيدوهم إلى بيوتهم”.

ومع غلق الكثير من المحلات التي كانت تشغل الأطفال كالمطاعم والمقاهي، اضطر الطفل عباس للنزول إلى إشارات المرور ينتهز فرصة توقف السيارات حتى يسرع راكضا نحو زجاج أحدها ليقوم بتنظيفه مقابل بعض المال.

ويقول عباس، الذي يعيل والده المقعد وإخوته الثلاثة، إن هناك من يعطف عليه فيدفع له وهناك من ينهره، لكنه يتحمل الإهانة حتى لا ينام إخوته وهم جائعون.

وكشفت لجنة حقوق الإنسان بمجلس محافظة كربلاء، أن عمالة الأطفال وظاهرة التسول في العراق عامة، وكربلاء خاصة تشكل خطرا كبيرا على المجتمع، خاصة في ظل تزايد النسبة السكانية للمدينة بسبب أعمال العنف والحروب التي مر بها العراق.

20