أطياف بيكيت المتجهمة تتحوّل إلى شخصيات بمزاج تونسي

"عذرا بيكيت" مسرحية تتوّج الأسعد بن حسين على رأس الدراماتورجيا العربية.
الأربعاء 2021/01/20
المسرحية نقلت الملل دون الشعور بالملل

احتضن فضاء الفن الرابع بتونس العاصمة منذ أسبوع، مسرحية استقبلها الجمهور بحفاوة مميزة رغم الأجواء المتلبّدة التي تجثم على المشهد العام… وربما، بسبب ما حمله العرض من مقاربة عميقة وسخرية قاسية من تلك “الأجواء الجاثمة”، كان فيها صامويل بيكيت، هذه المرة، أقرب إلى قلوب الناس من أي وقت آخر.

تونس – “عذرا بيكيت” هو الإنتاج الأوّل لمركز الفنون الدرامية والركحية بمدينة أريانة (وهي من ضواحي العاصمة تونس)، عن سينوغرافيا وإخراج لرمزي عزيّز، بمساعدة أميمة المجادي وأداء عمار اللطيفي وأيمن السليطي وحمودة بن حسين ومنى بلحاج زكري، والنص كتبه القاص والسيناريست الأسعد بن حسين، عن جملة نصوص منفصلة متصلة، ومتوازية متقاطعة للأيرلندي ذائع الصيت، مؤسّس مسرح العبث صامويل بيكيت، الذي تحيي الأوساط الأدبية والمسرحية هذا العام، الذكرى الحادية والثلاثين لرحيله.

يقول الفنان المسرحي رمزي عزيّز أن الاشتغال على مسرحية “نهاية اللعبة” لصامويل بيكيت، كان طموحا شخصيا رافقه منذ فترة دراسته بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس، لكن هذا الحلم بقي مؤجلا إلى أن وقع تعيينه منذ سنة على رأس مركز الفنون الركحية والدرامية بأريانة، حيث قرّر أن يكون أول عمل ينجزه المركز لبيكيت.

حلم تأخّر

رمزي عزيز: العنوان جاء نتيجة تأجيلي المستمر للاشتغال على مسرح بيكيت
رمزي عزيز: العنوان جاء نتيجة تأجيلي المستمر للاشتغال على مسرح بيكيت

أكّد عزيّز في تصريح لـ”العرب” أنه تلقى محاولتين لاقتباس “نهاية اللعبة” لم تنالا إعجابه، وحين شاهد مسرحية “سوق سوداء” للمخرج علي اليحياوي عن نص اقتبسه الأسعد بن حسين من عمل للفرنسي برنارد ماري كولتاس، بعنوان “عند عزلة حقول القطن”، قرّر أن يتعامل معه في مشروعه، وكان الاتفاق بينهما، واستطاع المخرج أن يحصل على اقتباس أعجبه من حيث الوفاء لأفكار بيكيت ولأطروحات مسرح العبث التي لم يتنكّر لها واقعنا اليوم بل ازداد التصاقا بها وتجسيدا لها أكثر من أي وقت مضى.

وإذ انطلق عزيّز في تنفيذ رؤيته الإخراجية فإنه ارتأى أن يكون هذا العمل عبارة عن لمسة وفاء لمسرحي عظيم هو صامويل بيكيت، وطلب من بن حسين أن يترجم مقاطع نصية من “في انتظار غودو” و”الشريط الأخير” وأضاف المقتبس مقطعا عن “المسرح” ورد في مسرحية أخرى لبيكيت هي “ارتجال في أوهيو”، وقد وافق عليه المخرج وتبناه دونما تردّد، ذلك أنه يتناغم مع جوهر ما يريد الذهاب إليه في “تونسة” بيكيت على الرغم من تعمّده لاستخدام العبارة الإنجليزية “سوري” بدل “عذرا” العربية في ملصق المسرحية التي عرضت في فضاء “الفن الرابع” وسط العاصمة التونسية أمام حشد لافت من الجمهور الذي احترم كل تدابير الوقاية والتباعد فبدا الحضور وكأنه جزء من سينوغرافيا العرض المبني أصلا، على جدلية التفكّك والتواصل.

وأمام المقترح النصي الذي قدّمه بن حسين، صاحب الخبرة اللافتة في الترجمة والإعداد، اضطر المخرج، إلى تغيير عنوان المسرحية من “نهاية اللعبة” إلى “عذرا بيكيت”، وهذا الاعتذار ربما نبع من مزج بعض المقاطع من مسرحيات مختلفة، أو لأن المخرج، كما يؤكّد هو بنفسه، أجّل حلمه بالاشتغال على بيكيت لسنوات طويلة ورأى في الاعتذار عن ذلك ضرورة.

يقول مخرج “عذرا بيكيت” إن البروفات على المسرحية انطلقت في أكتوبر الماضي لتستمر حوالي ثلاثة أشهر، إلى أن تمكّن من عرضها جماهيريا في الأسبوع الماضي.

عن تجربته مع مغامرة ترجمة وإعداد عوالم بيكت وما تتطلبه من جهد ذهني مكثف، قال الكاتب الأسعد بن حسين لـ”العرب” إن الاشتغال على نص صار من كلاسيكيات المسرح العالمي كـ”نهاية اللعبة”، شرف كبير له، لكنها مغامرة محفوفة بالمخاطر، ذلك أن المقتبس يجب أن يكون مطلعا على عوالم هذا الكاتب العظيم من جهة، وعلى أهم الاقتباسات السابقة له سواء في اللغة العربية (وأساسا الترجمة المتميزة لبول شاؤول) أو في العامية التونسية التي وقع اعتمادها، علما وأنه سبق لبعض الفرق التونسية الاشتغال على هذا النص بطروحات مختلفة.

تحديات مختلفة

جدلية التفكّك والتواصل
جدلية التفكّك والتواصل

اعتبر الكاتب التونسي أنه يحب مثل هذه التحديات، خاصة أنه وجد نفسه أمام مخرج مطلع على تجربة بيكيت ومالكا لرؤيته الشخصية في إخراج هذا العمل، لذلك تم عقد عدة جلسات حول النص ووقع الاتفاق على أن تكون المسرحية هي “نهاية اللعبة” وأن تحمل في ثناياها مقاطع صوتية مسجلة من مسرحيات أخرى لبيكيت تكون بمثابة التحية له.

وبن حسين، كاتب ومعد هذه المسرحية التي ترويها وتصنع الأحداث فيها – وإن لم تحدث – “شخصيات تونسية جدا” من حيث اللهجة والمزاج، ينتج ويقدّم أجناسا سردية مختلفة كالقصة التي له فيها ثلاث مجموعات، بالإضافة إلى المسرح والسيناريو السينمائي، وهو يحب أن يقع تقديمه أو الحديث عنه كقاص باعتبار عشقه لهذا الجنس الذي يعتبره من أصعب أجناس الكتابة لما يتطلبه من اختزال وتكثيف.

الأسعد بن حسين: الاشتغال على نص من كلاسيكيات المسرح العالمي، مغامرة خطيرة
الأسعد بن حسين: الاشتغال على نص من كلاسيكيات المسرح العالمي، مغامرة خطيرة

وتجدر الإشارة إلى أن بن حسين، يعدّ من أنشط أبناء جيله من الكتاب، ودائم الحركة والتنقل بين ورشات الكتابة والملتقيات، وعكس ما يذهب إليه الكثيرون، يعتبر أن الكتابة للمسرح لا تشهد أزمة سواء في تونس أو في بقية البلدان العربية، وأن الأزمة الحقيقية تتمثل في بعض الخيارات الفنية غير الصائبة كطغيان المسرح الهزلي التجاري، أو المونودراما السطحية المبنية على القفشات والخالية من البناء الدرامي المحكم.

ويعتبر القاص التونسي أن معاهد الفنون الدرامية مطالبة بتخصيص مساحة أكبر للكتابة المسرحية والاقتباس والنقد المسرحي في برامجها حتى تخلق جيلا متميزا من المؤلفين والنقاد، وهو يعتقد جازما أن لا خوف على مستقبل الكتابة الدرامية والمسرحية بالأساس، باعتبار أن المسرح سيبقى من أهم التعبيرات الفنية للإنسانية عامّة ومنها العرب طبعا، وأن التراكم الذي حصل سيجعل القادم أفضل.

ويصرّ الكاتب على رؤيته التفاؤلية إزاء الكتابة الدرامية في العالم العربي، معتبرا أن المؤلفين العرب استطاعوا الكتابة في أصعب الظروف، خاصة تلك المتعلقة بسيطرة بعض الرؤى الظلامية التي تجرّم المسرح والمسرحيين، فما بالك لو تنفرج الأمور أكثر وتكبر مساحة الحرية وتتّسع الرؤية.

وعلى المستوى الشخصي يكشف الأسعد بن حسين عن مشاريع قادمة سواء على مستوى الاقتباس من خلال مسرحية لبرنارد ماري كولتاس وأخرى بعنوان “المهاجران” للمسرحي البولندي سلافومير مروجاك، أو مستوى التأليف الشخصي، وذلك عبر مسرحيتين أيضا واحدة بالعربية الفصحى وأخرى بالعامية التونسية، إلى جانب سيناريو مسلسل تلفزيوني وآخر سينمائي طويل.

16