أفارقة في تونس في مراكب الموت من أجل أوروبا

البطالة والملاحقة والعنصرية تدفع المهاجرين إلى الضفة الأخرى.
الثلاثاء 2021/05/04
أوروبا أو الموت

بدل أن يثنيهم تفشي وباء كورونا عن مغامرة السفر عبر البحر إلى أوروبا، يندفع مهاجرون قدموا من دول جنوب الصحراء إلى تونس إلى تجديد مغامرة الإبحار إلى إيطاليا كلما فشلوا. ويرفع هؤلاء شعار "أوروبا أو الموت" رغم ما يواجهون من أهوال في كل مغامرة يعيشونها.

صفاقس (تونس) - نجت أميناتا تراوري من حادث غرق في مارس قبالة السواحل التونسية بينما كانت تسعى مع مجموعة من المهاجرين غير القانونيين للوصول إلى أوروبا، لكنها فقدت طفلتها وشقيقتها وابنتها. رغم ذلك تنتظر المرأة القادمة من ساحل العاج فرصة أخرى للإبحار والعبور إلى الضفة الأخرى.

وسجلت أعداد غير مسبوقة من المهاجرين من تونس نحو السواحل الأوروبية منذ العام 2011، ووقعت أحداث غرق مأساوية في عرض المتوسط كان ضحيتها للمرة الأولى مهاجرون بغالبيتهم غير تونسيين.

وتبيّن إحصاءات “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” أن 53 في المئة من المهاجرين القادمين من تونس والذين وصلوا إلى إيطاليا خلال الفصل الأول من 2021 هم من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

ووقعت سلسلة حوادث غرق خلال شهرين قبالة صفاقس في وسط شرق تونس، نقطة الانطلاق الرئيسية وفق الأمم المتحدة للمهاجرين من تونس، أوقعت حوالي مئة قتيل من ساحل العاج وغينيا وبوركينا.

وفي التاسع من مارس فقدت أميناتا طفلتها (15 شهرا) في حادث غرق المركب الذي كان يقلهما مع حوالي مئتي شخص آخرين. ولقي 38 آخرون مصرعهم في الحادث أيضا.

وتقول أميناتا (28 عاما) بحزن “قد تخفف مغادرة تونس من الألم الذي أشعر به”.

ووجدت المهاجرة نفسها دون عمل بعد الحادث.

وتؤكد أنها مستعدة للعودة إلى ساحل العاج، لكن ثمن تذكرة الطائرة والغرامة المالية التي يفترض أن تدفعها لأنها بقيت ثلاث سنوات بطريقة غير قانونية على الأراضي التونسية باهظ. وتقول “أجد نفسي مضطرة للقيام بمحاولة جديدة”.

20 ألف مهاجر من جنوب الصحراء في تونس، ستّون في المئة منهم من ساحل العاج

وتجلس إلى جانبها بريستا كوني (28 عاما) التي قدمت هي الأخرى من ساحل العاجل وتم اعتراض المركب الذي كانت فيه في يناير 2020 من قوات خفر السواحل. وتقول بريستا “بالرغم من خطر الغرق وحزن عائلاتنا على مصيرنا المجهول، نحن على استعداد دائم للمخاطرة بحياتنا”.

ووصلت بريستا إلى تونس في العام 2014، وحاولت الشابة مواصلة دراستها وكانت تحمل شهادة في التجارة والموارد البشرية من بلادها، لكنها لم تتمكن من العبور إلى القارة الأوروبية بسبب ضعف مواردها المالية.

واضطرت في تونس للعمل كخادمة منزلية “وهناك اكتشفت هول العنصرية في هذه البلاد”، وفق قولها.

وتروي أن “صاحبة المنزل كانت تطلب مني ألا ألمس أبناءها لأنني سوداء البشرة. ولم يكن لي الحق في العلاج عندما أمرض. عندما يفقدون شيئا في البيت كانوا يتهمونني مباشرة بالسرقة”.

تستشيط الشابة غضبا وتصرخ “في الشارع ينادونني كحلوشة (سوداء) وحصل أن رجموني بالحجارة”.

وتثير قصتها غضب مهاجرين آخرين متجمعين في غرفة صغيرة في منطقة الشيشمة، الحيّ الشعبي في ولاية صفاقس لتقاسم عشاء تم إعداده ببقايا عظام ديك رومي فاسد وأرز.

ويقول رئيس “جمعية الإيفواريين” في تونس عمر كوليبالي “لو نجا مهاجرون من حادث غرق مركب منتصف النهار، سيكونون جاهزين للمغادرة مرة أخرى بعد ساعة. بالنسبة إليهم أوروبا أو الموت”.

وتقدّر الجمعية التي يترأسها كوليبالي وتحاول مساعدة المهاجرين، أن هناك حوالي 20 ألف مهاجر من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس، ستون في المئة منهم من ساحل العاج.

وينتمي غالبية المهاجرين إلى أسر فقيرة و”يمثلون أمل العائلة” وفق كوليبالي الذي يضيف أن “البعض منهم جاؤوا لإتمام الدراسة والعمل برواتب جيدة، لكن هذا ليس بالأمر السهل، لا أحد قال لهم الحقيقة” حول السفر إلى تونس.

ويشير كوليبالي إلى أن الحصول على أوراق رسمية للإقامة في تونس يكاد يكون أمرا مستحيلا، ما يدفعهم إلى العمل بطريقة غير قانونية وبرواتب بسيطة ويتعرضون لإيقافات “عشوائية” وتمارس ضدهم العنصرية.

ويؤكد رئيس المنتدى التونسي للحقوق علاء الطالبي أن ازدياد محاولات الهجرة بين الأجانب الذين يعملون في تونس سببه “غياب الإطار القانوني والثقافي لضمان اندماجهم في تونس”.

وفاقمت الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية التي تواجهها تونس في السنوات الأخيرة من تأزم وضع المهاجرين المقيمين بصفة غير شرعية، إذ أثّر التراجع الكبير في عدد الوظائف في القطاع السياحي والمطاعم على موارد رزقهم، ووجدوا أنفسهم مدفوعين أكثر إلى ركوب قوارب ومحاولات متكررة للوصول إلى السواحل الأوروبية.

ويطبق الشيء نفسه على التونسيين وخاصة الشباب منهم مع انسداد الآفاق أمامهم.

وبحسب منظمة “كاريتاس” الخيرية التي ترافق بعض المهاجرين، فإن المهربين يعدونهم بالإقامة والعمل السهل في أوروبا، بحجة أن الوباء أهلك السكان هناك.

ولكن الطالبي يعتبر أن ارتفاع عدد الرحلات من تونس مرده “الاتفاقات بين إيطاليا وميليشيات ليبية عطلت الانطلاق من ليبيا” خلال السنتين الماضيتين.

وترى سوزو أنج (22 عاما) التي وصلت إلى تونس قبل سنتين، أن البقاء في هذه البلاد يعني “العمل كمعينة منزلية واقتسام ثمن أجرة بيت صغير بمساحة أربعين مترا مربعا مع خمسة أشخاص آخرين على الأقل، وأكل حساء بعظام الديك الرومي أو الدجاج الفاسد”.

وتقول بينما ترضع ابنها “سأرحل من هنا مع العائلة”، رغم معرفتها بخطر الموت غرقا.

وتعلّم زوجها إيناو ستيف (34 عاما) صناعة الخبز، ويعمل حاليا في فرن، ويقوم بكل ما يطلب منه بعكس زميله التونسي الذي يتقاضى الراتب نفسه.

ويقول “لا أستطيع ترك ابني يكبر في هذه الأوضاع (…). ندرك المخاطر ولكن ليس لنا خيار. إمّا الموت وإما العيش في أوروبا”.

يذكر أن القناة التلفزية الرسمية في تونس تعرض خلال شهر رمضان مسلسلا عن ظروف “الحرقة” أي الهجرة غير الشرعية والمخاطر التي تواكب هذه الرحلات وما ينتظر المهاجرين غير القانونيين إذا نجوا من الموت ووصلوا إلى الضفة الأخرى، لكن لا الشباب التونسيين اتعظوا من من هذا المسلسل ولا الأفارقة الذين يرون أن لا مصير لهم سوى المغادرة.

20