أمينة شفيق أم الصحافيين المصريين تتنبأ بتعافي الصحافة العربية

الكاتبة المخضرمة ترى أن هناك ضرورة ملحة لتصحيح مسيرة المجتمعات وإرساء مبادئ حرية الفكر، وهو ما لن يتم إلا عبر الصحافة.
السبت 2020/08/08
أمينة شفيق وحرب الـ60 سنة من أجل المرأة والفقراء

تكتب النساء بإلحاح ذاتي يمتزج بروح الأنثى، يدفعهن نحو فعل البوح، الجهر، وتسجيل المواقف، وليس الثرثرة كما يردد المتنمرون ضد المرأة. ولأن الكتابة أنثى، كما يقول الشاعر نزار قباني، فإن تجارب النساء في الكتابة في عالمنا العربي بدت أكثر جرأة، وأوسع اشتباكا، وأشدّ حرصا على الحرية منها لدى الرجال. ولاشك أن تجربة الكاتبة المخضرمة المصرية أمينة شفيق، على مدى أكثر من ستة عقود تؤكد ذلك. لذا، كانت محل احتفاء واحتفال جمهور من الصحافيين مؤخرا على صفحات التواصل الاجتماعي بعد بلوغها سن الخامسة والثمانين، ومازالت تكتب وتعمل وتُعلّق وتجتهد وتقترح وتُدلي بآرائها.

حازت صاحبة الرحلة الثرية الشاهدة على تطورات وتحولات مهنة الصحافة والإعلام والعمل النقابي المرتبط بهما على لقب جديد لها هو “أم الصحافيين” على غرار مصطلح “أم المصريين” الذي حازته من قبل صفية زغلول حرم الزعيم الوطني سعد زغلول.

 والأمومة هُنا محبة وحنان وتواجد واهتمام بكافة قضايا المهنة، وليست أمومة سنّ كما يتصور البعض، فأمينة شفيق كانت ومازالت رمزا للاستقلالية في الرأي، ونموذجا يُحتذى في الدفاع عن الحريات، وراية تحدّ في وجه القهر السلطوي، ومنبر دعوة للتأكيد على أحقية المرأة في المشاركة المجتمعية، والمقاسمة للرجل في فرص العمل والمناصب القيادية.

نظرة تفاؤل

هي قبل كل ذلك مثال عظيم للعمل النقابي الجاد، غير المسيس، المنتصر لجموع الصحافيين، بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم الأيديولوجية. فعلى مدى ثمانية وعشرين عاما بدءا من عام 1971 ظلت الكاتبة تفوز باكتساح بعضوية مجلس نقابة الصحافيين المصريين، لتكون أول امرأة عضوا بمجلس النقابة، وأكثر الأعضاء استمرارا في المجلس. وهي بمثابة المُرشد والمُعلّم والمرجع لكثير من الصحافيين من جيلي الوسط والشباب، لثقافتها المتنوعة، وخبرتها المعرفية الناتجة عن معايشة ومواكبة ضربات قاصمة تعرضت لها الصحافة المصرية في تاريخها.

وفي ظل حالة تردّي واضحة تُهيمن على مهنة المتاعب في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي ومصر بشكل أكثر خصوصية، تبقى أمينة شفيق طاقة لبث الأمل للأجيال الجديدة تحضّهم على المثابرة والتجديد والتطور وعدم الاستسلام لفكرة انقراض الصحافة، أو موت الصحف.

أزمة الصحف في العالم العربي ومصر، ترى شفيق أنها ليست وليدة اليوم ولا تمكن قراءتها بعين الاستسهال ووصم الصحافة بالتردي والسطحية، فهناك نماذج عديدة جيدة ومتميزة

وبعد تعافيها من أزمة صحية طارئة أدّت لغيابها قليلا عن مجتمع الصحافة والكتابة لقراءها، أكدت أنها مازالت تتابع قضايا حرية الصحافة والرأي، وتعتبر الصحافة ضرورة بناء وتنمية وتحديث أي مجتمع عربي.

تقول شفيق لـ”العرب” إن أزمة الصحف في العالم العربي ومصر ليست وليدة اليوم ولا تمكن قراءتها بعين الاستسهال ووصم الصحافة بالتردي والسطحية، فهناك نماذج عديدة جيدة ومتميزة، وهناك مقالات وموضوعات عديدة تستحق القراءة، غير أن انحدار الأوضاع الاقتصادية بالتزامن مع الارتفاع الكبير في تكلفة الطباعة وأسعار الورق والأحبار أدى إلى انصراف واضح عن شراء الصحف الورقية، لكن مازالت هناك شرائح كبيرة من المجتمع تتابع الصحف عبر مواقعها الإلكترونية.

توقعت أن تجد الصحافة العربية مخرجا للأزمة الآنية، خاصة أن هناك ضرورة ملحة لتصحيح مسيرة المجتمعات وإرساء مبادئ حرية الفكر، وهو ما لن يتم إلا عبر الصحافة.

وأوضحت أن حرية الرأي في الصحافة تمثل جزءا رئيسيا من الحريات العامة السائدة، وهي على أيّ حال أفضل من عصور عديدة مضت، في ظل ثورة التكنولوجيا واتساع فرص التعبير عبر حسابات التواصل الاجتماعي، لكن مع ضرورة مراعاة عدم التحريض ضد أحد أو التجاوز الأخلاقي.

بدت الكاتبة ذات التوجه اليساري رافضة تسييس النقابة وموضحة أنها رغم كونها أحد مؤسسي حزب التجمع الاشتراكي اليساري في مصر سنة 1976 إلا أنها لم تسع إلى ممارسة عمل سياسي يعبر عن الحزب داخل النقابة.

وتؤكد شفيق أن مجلس نقابة الصحافيين عندما رفض اتفاقية كامب ديفيد في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات لم يكن يمارس عملا سياسيا، وإن تصور البعض ذلك، إنما كان ينطلق من حس نقابي يعبر عن مواقف معظم الصحافيين برفض التطبيع مع إسرائيل إلا بعد حل القضية الفلسطينية. وتتابع  قائلة إن نقابة الصحافيين نقابة مهنية من الدرجة الأولى، ولاشك أن تسييسها يؤدي إلى تراجع خدماتها المقدمة للمهنة.

تحقيقات حول الإسلاميين

اتجاهات شفيق تنعكس في أعمالها. فقد أصدرت على مدى رحلتها كتبا عديدة ركزت على قضايا المرأة، أبرزها كتاب “المرأة العربية وتعليم العمال”، وكتاب “المرأة العاملة العربية والتطور الاقتصادي
اتجاهات شفيق تنعكس في أعمالها. فقد أصدرت على مدى رحلتها كتبا عديدة ركزت على قضايا المرأة، أبرزها كتاب “المرأة العربية وتعليم العمال”، وكتاب “المرأة العاملة العربية والتطور الاقتصادي

يروي الكثير من الصحافيين عن الدور الذي لعبته شفيق خلال عضويتها بمجلس النقابة في دعمهم، من مختلف الصحف والتوجهات. ويذكر كرم جبر رئيس المجلس الأعلى للإعلام في مقال نشره بصحيفة أخبار اليوم في الـ29 من فبراير الماضي أن النائب العام أحاله إلى القضاء في منتصف التسعينات على خلفية سلسلة مقالات بشأن شركات توظيف الأموال الإسلامية، حيث اتهم في بعضها أحد رجال النيابة بالسكوت على فساد شركة الريان، وقت التحفظ على أمواله، وذهبت شفيق باعتبارها كعضو بمجلس نقابة الصحافيين لحضور التحقيق، وقالت للمحققين “إننا كنا سنحوّل كرم جبر للتحقيق إن لم يكتب ما كتبه عن فساد الريان لأنه عرف معلومات مهمة وأخفاها عن الرأي العام”. ويوضح جبر أن تاريخ الكاتبة المصرية يشرّف الصحافة، فقد كانت دوما تقف إلى جانب حرية الرأي والتعبير، ورغم كونها عضوا مؤسسا في حزب التجمع المعارض أجادت دبلوماسية المعارضة الشرسة ونالت احترام الجميع.

الصحافية المغامرة

تنتمي شفيق إلى أسرة قاهرية متوسطة. ولدت سنة 1935 بحي مصر الجديدة بالقاهرة، وكان والدها موظفا بمصلحة التليفونات، بينما كانت والدتها ربة منزل، وكانت لها ثلاث شقيقات. أدى انفصال والديها وهي طفلة إلى الانتقال إلى بيت جدتها لأمها التي زرعت فيها ضرورة استقلال المرأة والحرص على استكمال التعليم حتى مراحله النهائية.

كانت الجدة قد تزوّجت وهي صغيرة جدا، وقامت بتزويج بناتها صغارا فاختبرت كيف يؤثر الزواج المبكر سلبيا على البنات، وأوصت حفيداتها بعدم الزواج إلا بعد استكمال تعليمهن.

أما سنوات الخمسينات في مصر فكانت نقطة فاصلة في تعليم الفتيات خاصة بين عائلات في الطبقات الوسطى والدنيا، لأن مجانية التعليم كانت قاصرة على مرحلة التعليم الابتدائي حتى مجيء طه حسين وزيرا للتعليم في حكومة الوفد سنة 1950 وإقراره مدّ مجانية التعليم حتى نهاية المرحلة الثانوية، لتتمتع أمينة شفيق بفرصة إتمام تعليمها المدرسي مجانا.

شفيق ومع أنها ذات توجه يساري، إلا أنها ترفض تسييس نقابة الصحافيين، موضحة أنها ورغم كونها من مؤسسي حزب التجمع الاشتراكي في مصر، إلا أنها لم تسع إلى ممارسة عمل سياسي يعبر عن الحزب داخل النقابة

الغريب كما تقول إنه كان هناك تمييز تجاه الإناث يتمثل في زيادة سنوات الدراسة الثانوية لهن بسنة عن الذكور تحت تصور ضعف عقلية الأنثى، وهو ما قام طه حسين بإلغائه تماما.

ارتبطت الكاتبة روحيا بالكاتبة سهير القلماوي التي كانت تقرأ لها بانتظام في ذلك الوقت، وتُخبر أقاربها أنها تنوي السير على دربها وتمتهن الكتابة.

ولما لم تكن هناك كلية للصحافة في الجامعات المصرية في ذلك الوقت، التحقت بالجامعة الأميركية لدراسة الصحافة، وانضمت للتدريب في أخبار اليوم وهي مازالت طالبة.

خلال العدوان الثلاثي على مصر عرضت شفيق على موسى صبري رئيس تحرير مجلة “الجيل” وقتها، التسلل في زي الصيادين إلى مدينة بورسعيد لفضح جرائم الاحتلال والكتابة عن فظائعه، ووافق على مهمتها، ما جعلها تلمع سريعا كأول صحافية تتابع حكايات الحرب وتوابعها. ثم تنقلت بين عدة صحف، قبل أن تلتحق سنة 1960 بجريدة الأهرام، وهناك تعلمت واختبرت الحرص الشديد على الدقة والمهنية.

وتقول عن ذلك إن “الأهرام تمثل بالنسبة إليها بيتا كبيرا، ففيه تعرفت على كبار الكتاب وتعلمت من أساتذة الصحافة العظام، مثل محمد حسنين هيكل الذي كان مهتما جدا بتدقيق المعلومات، ويحاسب كل صحافي على كل معلومة ينشرها”.

القضايا الكبرى

حرية الرأي في الصحافة تمثل جزءا رئيسيا من الحريات العامة السائدة، كما تقول الصحافية المخضرمة. وهي على أيّ حال أفضل من عصور عديدة مضت، في ظل ثورة التكنولوجيا واتساع فرص التعبير عبر حسابات التواصل الاجتماعي.
حرية الرأي في الصحافة تمثل جزءا رئيسيا من الحريات العامة السائدة، كما تقول الصحافية المخضرمة. وهي على أيّ حال أفضل من عصور عديدة مضت، في ظل ثورة التكنولوجيا واتساع فرص التعبير عبر حسابات التواصل الاجتماعي.

انشغلت شفيق بقضايا الحريات والسياسة الخارجية، بجانب هموم المرأة المصرية والعربية، لكن ذلك لم يمنعها من الزواج والاقتران بفنان تشكيلي يعمل في الصحافة أنجبت منه ولدا وبنتا. ويبدو أن إيمانها بحق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية كان دافعا لها للترشح في انتخابات مجلس النقابة، فكانت أول امرأة تفوز بعضويته، كما كان دافعا لها أن تختار المشاركة في تأسيس حزب التجمع الاشتراكي عندما قرر الرئيس أنور السادات السماح بإنشاء أحزاب سياسية، في الوقت الذي انضم فيه غالبية الباحثين عن دور سياسي إلى حزب الرئيس، المسمى وقتها بـ “حزب مصر”.

 في تلك السنوات الصاخبة بتحوّلاتها وحراكها انخرطت أمينة شفيق بشكل أكبر في قضايا الوطن، ولامست قضايا حيوية مثل السلام مع إسرائيل وصارت تمثل وجهة نظر مثيرة للقلق لدى السلطة، ما دفع الرئيس السادات إلى اصدار قرار بإنهاء عملها ككاتبة في الأهرام، على خلفية رفض نقابة الصحافيين لاتفاقية كامب ديفيد، ونقلها للعمل في وزارة الشؤون الاجتماعية.

غير أن الإصرار الذي صاحبها منذ سنوت نشأتها الأولى دفعها للجوء إلى القانون مرة واثنتين وثلاثا، وممارسة المعارضة الضاغطة بالوسائل السلمية دون تطاول أو تتجاوز.

عادت إلى عملها بعد اغتيال السادات سنة 1981. وظلت من يومها حريصة على أداء دورها كمسؤولة نقابية عن حرية التعبير لتساهم في إسقاط قانون مشبوه صدر سنة 1996 نص على معاقبة الصحافيين بالحبس في قضايا النشر. كان إيمان شفيق بتواصل الأجيال وضرورة تجديد الدماء وراء قرارها باعتزال العمل النقابي نهائيا سنة 1999 بعد أن بلغت 64 عاما، لتؤكد ضرورة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في العمل العام.

 فوجئت عام 2000 باختيارها كعضو بأول مجلس قومي متخصص للمرأة في مصر لتجوب القرى والمدن والمحافظات مستعرضة ومتابعة ومعاينة لأحوال النساء وساعية إلى التعرف على مشكلاتهن وهمومهن لتكتشف في ذلك الوقت أن قضايا المرأة تستحق كفاحا ونضالا لا يقل عن الصحافة وهموم السياسة. وهي تقول “إحساسي بمعاناة المرأة لم أستشعر به حقًا إلا بعد أن كبرت ونضجت وسافرت جميع محافظات مصر تقريبًا، وطبيعي أن جاءتني الفرصة يومًا لزيارة القري الريفية، حيث ساعدني ذلك في التعرف عن قرب على وضع المرأة هناك، مقارنة بمثيلاتها في المدن، وأيقنت تمامًا وبما لا يحتمل أيّ شك أن المرأة المصرية لازالت في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد حتي يتم تمكينها على كافة المستويات اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا.”

في عام 2018 كرم الرئيس عبدالفتاح السيسي عددا من الأمهات المثاليات، ضمن فعاليات تكريم المرأة، والذي تزامن أيضًا مع عيد الأم، وتم تكريم أمينة شفيق كأم مثالية ونموذجا للمرأة الناجحة المثابرة.

وعلى مدى رحلتها نشرت كتبا عديدة ركزت على قضايا المرأة، أبرزها كتابا “المرأة العربية وتعليم العمال” و”المرأة العاملة العربية والتطور الاقتصادي”. ومن آرائها المبثوثة عبر مقالاتها وأحاديثها الصحافية أن “أيّ إنجاز اقتصادي لا يمكن تحقيقه إن غابت عنه قضية الديمقراطية”، وترى أن الديمقراطية من أصعب القضايا التي يمكن تحقيقها في العالم العربي، لكنها تبقى أفضل نظام يحكم السياسة في العالم.

تعتبر أمينة شفيق الرئيس جمال عبدالناصر زعيما وطنيا وقوميا، لكنه كان بعيدا تماما عن قضية الديمقراطية، أما الرئيس السادات فعلى الرغم من معارضة الكاتبة له واصطدامها به، إلا أنها ترى أنه وضع قواعد قانونية لكيفية التعامل مع المعارضين تستحق الاحترام، وقالت عن الرئيس حسني مبارك، إنه كان يتمتع باستقرار وارتياح شعبي في البداية، لم يستثمره بالشكل المطلوب.

12