أيمن بعلبكي فنان يقاتل بالرسم صنّاع الحرب الجاهزين

التشكيلي اللبناني لا يرسم مشاهد مستلهمة من الحرب، فالحرب التي لم تنته بعد هي اللغة التي تضم الجرح إلى الأثر. لذلك تقع خارطته تحت السطح كما لو أنه يضع على المكان قناعا.
الأحد 2021/05/23
المُهجّر الذي صار رساما

أن يولد رسام في السنة التي تبدأ فيها حرب أهلية ذلك لن يكون فألاً حسنا. ولكنّ هناك رسامين ولدوا في السنة التي انتهت فيها حرب عالمية غير أن تلك الحرب ظلت عالقة بثيابهم. الألماني أنسليم كيفر مثلا الذي ولد عام 1945 كانت الحرب التي لم يعش ذعرها موضوعه الأثير.

اللبناني أيمن بعلبكي هو تلميذ الحرب الصغير. تدحرج إلى مصيره الإنساني معها. تعلم أبجديتها قبل أن يتعلم أبجدية اللغة. قُدمت له الصور الفجائعية بطريقة استثنائية. لم يكن في حاجة إلى خيال لكي يتخيل. لم يكن في حاجة إلى ذاكرة لكي يتذكر.

فن الحواس المتشابكة

خياله وذاكرته أقاما عند حدود التماس بين الجزأين المتحاربين من المدينة التي تعرضت للنسف التدريجي. لقد رأى عبر سنوات عمره كيف تُمحى المدينة، بيتا بعد بيت، زقاقا بعد آخر. تشكلت لغته من حجارة الأبنية ومن خفتها الجارحة ومن وقعها المؤلم الذي هو بمثابة عصابة للعينين.

رأى وسمع ولمس وتذوق وشم ما لا تتسع له الحواس في حياة واحدة. فهل سيرسم الأصوات أم الروائح أم الملمس أم الطعم أم يكتفي بالصور التي صارت مزيجا لكل ما تحتفي به الحواس؟

بعلبكي هو نموذج نادر من الرسامين. مع سني عمره كانت الحرب تكبر معه. لقد استنفدت أغراضها حين بلغ الفتى سن الخامسة عشرة. انتهت الحرب غير أنها لم تنته بالنسبة إلى الفتى الذي لم يفهم شيئا من حياته سوى الخوف.

بعلبكي تلميذ صغير للحرب، تدحرج إلى مصيره الإنساني معها. وتعلم أبجديتها قبل أن يتعلم أبجدية اللغة. قُدمت له الصور الفجائعية، ولم يكن في حاجة إلى خيال لكي يتخيل

صارت الحرب بالنسبة إليه شأنا شخصيا. لن يمكنه الرسم من التواطؤ مع الصمت الذي هو شرط حياة لا يرغب الرسام في أن يغمرها النسيان. ولأن الحرب هي عنوانه الجوال فقد صار ينقب فيها بحثا عما يقود إلى ما خفي من شخصيتيه الواقعية والخيالية. إنه يمارس من خلال الرسم نوعا من التحدي المزدوج. يتحدى الصمت الجمعي ويتحدى في الوقت نفسه العاطفة الفردية.

لا يرسم بعلبكي مشاهد مستلهمة من الحرب. فالحرب التي لم تنته بعد هي اللغة التي تضم الجرح إلى الأثر. لذلك تقع خارطته تحت السطح كما لو أنه يضع على المكان قناعا.

ولد بعلبكي عام 1975 في قرية عديسة بمحافظة النبطية جنوب لبنان. كان ذلك هو العام الذي بدأت فيه الحرب الأهلية. درس الفن في الجامعة اللبنانية وفي المدرسة العليا للفنون الزخرفية بباريس.

أقام معرضه الشخصي الأول عام 2008 في بيروت وكان بعنوان “نهاية العالم” أو “تحولات قيامية”. بعد ذلك أقام معرضين في لندن ومعرضا في بيروت. غير أن مشاركاته في التظاهرات الفنية العالمية جلبت له شهرة على مستوى عالمي، دفعت المزادات الفنية إلى الاهتمام بأعماله. 

على وقع طبول الحرب جرت حياته فكأن ذلك الخيط السري الذي يربطه بوقائع الجنون يأبى أن ينقطع في أية لحظة من لحظات حياته. طاردته الحرب فصار عليه أن يشعر مضطرا أنه جُبل من مادتها. في سنته الأولى صار مهجرا. تلك صفة لم تفارقه بحيث تسلل بسببها شعور عميق بالفقدان والحيرة والاستفهام إلى نفسه ومن ثم إلى رسومه، وهو شعور يعبّر عن تضامن شقي مع الضحايا مجهولي الهوية الذين تتداخل ملامح وجوههم بحيث لا يمكن التمييز بين وجه وآخر. وذلك ما دفعه إلى رسم رجال مقنعين. ذلك ما يمكن أن يشكل معادلا موضوعيا للمباني المهدمة الخالية من أي أثر إنساني.

يرسم بعلبكي مباني متداعية لا ليوثق ما حدث على أرض الواقع في الماضي بل ليؤكد أن الحرب لا تزال قائمة. ولكن كيف يمكننا التمييز بين الحالين؟ لا ينطوي الانطباع لدى رؤية رسومه بأي نوع من أنواع الرثاء أو التذكر المفجوع بل يشعر المرء أنه يقف أمام الواقعة التي لا تزال في طريقها إلى التشكل النهائي؛ أي أنها لم تنته بعد. يرسم كما لو أنه يتنبأ بمستقبل الأشياء وهي تتداعى. ذلك ما يعبر عنه سلوك يده التي تتعامل مباشرة مع تقنيات خياله. غير أن الأمر حين يتعلق بالبشر فإنه يعتبر خليطا ملغزا بين الماضي والمستقبل. فالقناع يجمع بين القاتل والقتيل، بين الجلاد والضحية في وجه محتجَب واحد هو وجه مجهول الهوية. 

ذاكرة تضيق وعالم يتسع

Thumbnail

“أنتمي إلى جيل من الفنانين والكتاب الذين عاشوا 20 سنة حرب وليس لديهم حديث آخر سوى الحرب” يقول بعلبكي. وما من أمل في أن ينزع ذلك الجيل ثياب الحرب عن جسده غير المرئي. ذلك الجسد غير المباشر الذي كان من الممكن أن يكون حطبا للحرب، أية حرب بغض النظر عمَّن يشعلها وعن الجهات المستفيدة منها. فالحرب هي الحرب. لذلك لا تتضمن رسوم بعلبكي إشارات لغوية أو صورية تشير إلى عنوان الحرب؛ ذلك لأن نهاية العالم لا تجري في مكان بعينه بل أن القيامة ليست سوى إجراء مجازي يقابله صوريا التداعي الذي تشهده ذاكرة الإنسان التي تضيق كلما اتسع المشهد المرئي أمامها.

يأنس بعلبكي إلى الصورة المتحولة ولا يرتاح إلى ذاكرتها؛ أي أن فنه لا يصلح مادة للتذكير بقدر ما هو نوع من الثناء على قيمة الصور في حياتنا. في الحالة الطبيعية يهمنا دائما أن نرى ما يحيلنا إلى مكان يقع خارج الصورة. أما في عالم بعلبكي فإننا نلزم بأن نعيش داخل الصورة لا بصفتنا أبطالا بل باعتبارنا شهودا على حادث لم يكتمل بعد. فلا البشر الذين يرسمهم ينتمون إلى الواقع المرئي الراهن ولا المباني التي يرسمها يمكن العثور عليها. وهو في ذلك إنما يحيل إلى الفكرة التي تقول إن البشر لا يرغبون في التفكير في الحرب. ذلك هو التحدي الجمالي الذي اختار الرسام الحرب عنوانا له. وهو عنوان يستفز الجميع بِمَن فيهم أبناء جيله الذين أصر البعض منهم على الهرب إلى الطبيعة أو الإنسان.

مخيلة الضحية التي تحلم

فنه لا يصلح مادة للتذكير بقدر ما هو نوع من الثناء على قيمة الصور في حياتنا
فنه لا يصلح مادة للتذكير بقدر ما هو نوع من الثناء على قيمة الصور في حياتنا

بعلبكي ابن جيل هو ابن الحرب بالرغم من أنه لم يساهم بها. كان بطريقة أو بأخرى ضحيتها. لذلك كان عليه أن يستعيد مشهدها العام بغض النظر عن تفاصيلها وصور المشاركين فيها ونتائجها. لقد أخلى بعلبكي الحرب من بطولاتها وانتصاراتها وجنح بها إلى أن تكون هزيمة صامتة. صحيح أنها لم تكن حربه وأنه لم يكن معنيا بها بحكم صغر سنه يومها غير أنه كان في الجزء الكبير منها ملحقا بضحاياها المباشرين فكان بمثابة ضحية متخيلة.

الضحية المتخيلة التي صارت تنظر إلى ماضيها كما لو أنها تتأمل عالما لا يزال قائما. تلك هي الفكرة الأساس التي يستند إليها فن بعلبكي الذي هو محاولة للنبش في مخيلة الضحية التي لا تزال تحلم. تلك محاولة يُراد منها التذكير بأن إدانة الحرب ممكنة في كل وقت وأن الضحية الصامتة هي ليست في حقيقتها كذلك وأن هناك وسائل لفضح الجريمة المبيتة. ذلك ما يقلق في فن بعلبكي ويدفع به إلى مرتبة الاحتجاج. فهو فن يدين الحرب غير أنه في الوقت نفسه يصر على أنها لا تزال قائمة.

بتمرده وغضبه إنما يؤكد بعلبكي أن الرسم لا يزال يملك قوة الاستفزاز إذا لم يكن قادرا على التغيير. فليس الهدف من الحرب نسيانها. لا يزال عرّابو الحرب الأهلية اللبنانية يحكمون. وفن بعلبكي لا يُخطئ هدفه في هذه الحالة. 

Thumbnail
Thumbnail
9