أيمن رضا نجم من طراز خاص يثير الجدل بانتقاد الجميع

كوميديان عراقي سوري يرتكز على شعبيته الجارفة.
الأحد 2021/02/28
حالة مختلفة

يواجه الممثل الكوميدي العراقي السوري أيمن رضا سخط الصحافة اللبنانية بعد تصريحاته التي اعتبرتها وسائل الإعلام والصحافة اللبنانية مسيئة وعنصرية تجاه الشعب اللبناني الذي احتضن مليون ونصف المليون سوري في بلده المنهك اقتصاديا وسياسيا، ليُفاجأ بأن تصريحاته تلك إزاء تعامل اللبنانيين مع النازحين السوريين باتت ”تريند“ على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام وأن صداها الإعلامي أصبح كبيرا جدا.

والشرارة بدأت من سؤال استفزازي طرحه ضابط الحدود اللبنانية على رضا خلال زيارته إلى لبنان، ولم تخمد دون اندلاع تراشق بين أطراف عديدة في الوسط الفني بين البلدين. سأل الضابط رضا ”ماذا تفعلون في بلادنا؟“، فأجابه الفنان الكوميدي ساخرا من السؤال: تأتون كل أحد إلى دمشق، تفرغون الأسواق من كل محتوياتها بما فيها البهارات، وتعودون إلى لبنان، وتسألني لماذا أنا هنا؟

 قاد ردّه ذاك المذيع اللبناني الشهير طوني خليفة إلى تحدي رضا، بالصوت والصورة، طالبا منه ذكر اسم الضابط اللبناني وفتح تحقيق في الأمر سواء في سوريا أو لبنان، منهيا كلامه بالقول ”لا يحق لك أن تغضب“. ثم أضاف ”ضبّو اللي عندكم“ قاصدا حثّ النازحين السوريين على العودة إلى بلادهم، محرّضا السلطات الأمنية اللبنانية على التحقيق مع رضا.

أهم أعمال رضا لوحات مسلسل "بقعة ضوء"، الذي كان هو صاحب فكرته وكتبه بنفسه، وشارك في معظم أجزائه الـ14، بكل ما فيها من تراجيديا وكوميديا وميلودراما

يقول رضا مدافعا عن موقفه ”إذا اعتبروني عراقيا أو سوريا، ففي الحالتين نحن لدينا كرامة“. ويضيف ”خرجتُ عن طوري بعد أن شاهدت الفاجعة التي حلّت بالسوريين بعد حرق مخيماتهم، والتعامل القاسي على الحدود مع من يذهبون إلى لبنان ويعودون إلى دمشق”. واتهم فصيلا عنصريا لبنانيا معينا، دون أن يفصح عمّن يقصده، بإساءة معاملة السوريين وبأن أفراده نظروا إليهم بفوقية وسرقوهم من خلال رفع أسعار السلع وإيجارات المنازل. ليعود ويعتذر عمّا قاله من خلال صفحته الشخصية على الفيسبوك، بعد تفسير كلامه على أنه موجه للشعب اللبناني، موضحا أن اعتذاره موجه إلى الشعب اللبناني الذي يحترمه وليس إلى أولئك العنصريين.

ما دفع بالصحافية نضال الأحمدية رئيسة تحرير مجلة ”الجرس“ اللبنانية إلى مواصلة هجومها على السوريين والتركيز على شخص رضا، ووصفه بأنه ”وقح“، ما استدعى ردا قاسيا من رضا الذي نعتها بأنها مثل الساحرات، وأنها بعد كل تصريح لها أو منشور على السوشيال ميديا ”تركب على مكنستها وتطير“.

وتلك اللغة اللاذعة المتهكمة ليست بعيدة عن أسلوب رضا الذي يتميز بالكوميديا الساخرة في معظم أعماله، ومن أبرزها سلسلة ”بقعة ضوء“، ”مرزوق على جميع الجبهات“، ”أبوجانتي“ والذي قدّم فيه رضا شخصية أبوليلى التي اكتسحت الشارع، وكذلك في مسلسل “جميل وهناء” و“عيلة 7 نجوم“ وغيرها.

حزن الكوميديان

حضور رضا في "باب الحارة" و"أولاد القيمرية" مميز جداً، وبالرغم من أن دراما البيئة الشامية لا تستهويه، إلا أنه من أكثر الممثلين معرفة بدمشق القديمة وحاراتها
حضور رضا في "باب الحارة" و"أولاد القيمرية" مميز جداً، وبالرغم من أن دراما البيئة الشامية لا تستهويه، إلا أنه من أكثر الممثلين معرفة بدمشق القديمة وحاراتها

في العقد الأخير افتقد جمهور الكوميديا نجمه المفضّل، فلم يعد هذا الفن يبرز كثيرا في أعمال رضا، وهو يعلّل ذلك بالقول ”لا يمكن أن نقدّم كوميديا لمشاهدة، ربما تكون أم شهيد أو زوجة فقيد أو أمّا لأطفال فقدوا حياتهم في الحرب الدائرة في سوريا منذ مارس 2011“.

رضا يعتبر نفسه شديد الصراحة في تعاطيه مع الأحداث الدائرة في بلده سوريا، ما يضطره في الكثير من الأحيان إلى أن يتكلم عوضا عن الجمهور ويكون صوتا للناس الصامتين.

ولد رضا عراقي الجنسية لأم سورية في دمشق القديمة، وفي حي الشاغور الشهير، وهذا سبب كاف لأن تكون عائلته محافظة بعيدة عن الوسط الفني. فبعد أن كان والده من سائقي الشاحنات العابرة ما بين سوريا والعراق، أصرّت أمه على البقاء في دمشق، بينما عاد الأب إلى العراق. وبقي ابنه مع أشقائه ووالدتهم في سوريا.

قاده شغفه بالفن إلى الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، مستهلا حياته المهنية عام 1982 في دبلجة الرسوم المتحركة الكرتونية، مثل ”النمر المقنع” و“روبن هود“. ليكمل مسيرته الفنية في أعمال متنوّعة، بعضُها يأخذ الطابع الشعبي الشامي كمسلسل ”أسعد الوراق“، ”الخشخاش“، “أبوكامل“ و”حمام القيشاني“، والبعض الآخر يتناول الحياة الاجتماعية والمعيشية السورية، لكن أهمها والتي كانت بداية لظهوره على الساحة الفنية، هي لوحات من مسلسل ”بقعة ضوء“، الذي كان رضا صاحب فكرته وكتبه بنفسه، وشارك في معظم أجزائه الـ14، بكل ما فيها من تراجيديا وكوميديا وميلودراما، لأن الكوميديا عشق رضا الذي لا ينضب، جسدها في العديد من الشخصيات، في مشروعه ذاك إلى جانب باسم ياخور والمخرج الليث حجو.

وقد شارك في هذه الورشة أكثر من 70 ممثلا سوريا وعربيا، ظنا من الثلاثي القائم على المشروع أنه سيدحض فكرة البطل الأوحد الذي يتصدر الشاشة بشكل دائم بلا منازع. وبالتالي، عمل مشروع “بقعة ضوء” على توليد ممثلين ونجوم جدد يرفدون الدراما السورية باستمرار. ومع ذلك، سرعان ما نشبت الخلافات بين ثلاثي ”بقعة ضوء“ وتفككت الشراكة.

مع وضد البيئة الشامية

أهم أعمال رضا لوحات مسلسل "بقعة ضوء"، الذي كان هو صاحب فكرته وكتبه بنفسه، وشارك في معظم أجزائه الـ14، بكل ما فيها من تراجيديا وكوميديا وميلودراما
أبوليلى بائع الخيطان والأزرار، بتسريحة شعره المضحكة ولكنته المميزة، شخصية خلقها رضا من الحياة، لتبقى الأفيهات والعبارات التي ألّفها مثل ”أحمد آخد إختي“ و“مين سمير؟“ وغيرها تتردّد بين الناس.

ينظر رضا إلى الحياة بنظارة ساخرة، لا يفعل هذا على الشاشة فقط بل على مسرح الحياة أيضا، وعلى صعيد المتابعة التلفزيونية، يقول إنه يحرص على متابعة برامج الحيوانات البرية لوجود قواعد تحكم علاقتها في البراري والغابات، مشبّها نفسه بالحمار، فتكون لهذا الحيوان قوة تحمل تماثل تلك القوة الموجودة عند الإنسان.

ما يميزه، وهو الذي تجاوز الخمسين عاما، أن أدواره تتناسب مع جميع الفئات العمرية والمجتمعية، إذ تارة ما نراه يقوم بدور سائق تاكسي أو شاب يعاكس الفتيات في الشارع وتارة نراه يلعب دور الزعيم، كالذي قدمه في شخصيتي “أبوعرب“ أو “الزعيم رسلان”.

وبالرغم من عدم توافقه مع مسلسلات البيئة الشامية، إلا أن تجربة رضا في مسلسل ”باب الحارة“ و“أولاد القيمرية“ كانت مميزة لكونه من أكثر الممثلين السوريين اهتماما بتاريخ دمشق وأصالتها وذلك يعود لإتقانه اللهجة الشامية العتيقة.

وفي عام 2016 قامت مجلة “سيدتي” باستفتاء على موقع أفضل ممثل كوميدي لتذهب نتيجة تصويت الجمهور العربي لصالح رضا الذي يبقى يؤكد أن المثابرة والصبر هما سبيل تحقيق النجاح حتى وإن طال انتظاره.

إمكانات مهدورة

رضا يقول عن نفسه إنه مجرد هاو للتمثيل يواكب كل تغير يطرأ على حياة الناس، حتى كتب ولحن وغنى أغنية جائحة العام 2020 فلم يسلم منه حتى فايروس كورونا
رضا يقول عن نفسه إنه مجرد هاو للتمثيل يواكب كل تغير يطرأ على حياة الناس، حتى كتب ولحن وغنى أغنية جائحة العام 2020 فلم يسلم منه حتى فايروس كورونا

ثلاثون عاما في مهنة التمثيل ولم يُقدّم أيُّ دور سينمائي يتناسب وإمكانات رضا الفنية والكوميدية، ربما يعود الأمر لأن الممثل السوري طبيعته درامية أكثر منها سينمائية، أو بسبب الطلب المتزايد قبل عام 2011 على الدراما السورية التي غزت الشاشات العربية، مستفيدة من تراجع الدراما الأردنية وتفرغ الممثلين المصريين للأعمال السينمائية وتقديم البرامج الترفيهية.

ومنذ العام 2000 برزت مهنة التمثيل من بين أكثر المهن التي تدرّ المال، حيث كان رضا يتقاضى ما يقرب من مئة ألف دولار عن دوره في أي مسلسل يوقع عقده.

ومع كل الدخل المادي والمكانة الاجتماعية التي يكسبها الفنانون السوريون، فإن مشاكلهم تكاد لا تنتهي، ونادرا ما يكون رضا بعيدا عنها، لاسيما في الفترة الأخيرة وتوتر علاقته مع زملائه كالفنانين الفلسطينيين السوريين عبدالمنعم عمايري ونسرين طافش، حيث استطاع الإعلامي اللبناني هشام حداد مقدم برنامج “راحت علينا” انتزاع تصريحات كثيرة من رضا حين استضافه في برنامجه، موجها له أسئلة في العمق حول علاقته بزملاء المهنة، ليأتي رد عمايري على الفيسبوك على شكل إهانة متعمدة دون أن يذكر اسم رضا، “مارس هوايتك بجمع الأقزام من حولك لتبدو قامتك أطول”.

ويبقى رضا حالة مختلفة، لا يعجبه العجب، ولا يخفض مستوى متطلباته وشروطه على الآخرين. يقدّر الممثلين الكبار الذين عمل معهم مثل الفنانة السورية القديرة سامية الجزائري، ولا يتكبّر على العمل في مهن غير مهنته الأصلية، ولكنها مهنٌ ترضي ميوله، وقد اتضح ذلك حين أسس شركة لترميم البيوت القديمة في دمشق، وإعادة الطرز المعمارية التقليدية إليها ومن يعمل في هذا المجال يبقى على علاقة مع الحجر الأسود ومع العراقة والأصالة ولا تثيره الزوابع العابرة. وهو الذي يقول ”روحي سورية ورأسي عراقي“، وأنه ”لا يكذب ولا يقول إلا الحقائق“، مشيرا إلى عناده وإصراره على ثوابته وأفكاره.

صانع الشخصيات

أدواره تتناسب مع جميع الفئات العمرية والمجتمعية للمشاهدين، فمرة نراه يقوم بدور سائق تاكسي أو شاب يعاكس الفتيات في الشارع، ومرة يلعب دور زعيم الحارة كما في شخصيتي "أبوعرب" أو "الزعيم رسلان"
أدواره تتناسب مع جميع الفئات العمرية والمجتمعية للمشاهدين، فمرة نراه يقوم بدور سائق تاكسي أو شاب يعاكس الفتيات في الشارع، ومرة يلعب دور زعيم الحارة كما في شخصيتي "أبوعرب" أو "الزعيم رسلان"

براعة رضا تكمن في قدرته على خلق الشخصيات، مهما كان شكل الدور في النص الأساسي المكتوب. فمن دون لمسته لا تخرج تلك الكاركترات كما رآها الجمهور. ويعتقد البعض أنه يقتبس ممن سبقوه من كبار الممثلين الكوميديين، لكن رضا غير معجب بما قدّمه هؤلاء بجملته، وإنما يميّز بتدقيق بين المستويات. يقول الفنان ياسر العظمة إنه ممثل عبقري وأنه من الضروري أن يراه المشاهدون في مسلسلات أخرى بشخصيات مختلفة عن مسلسله الأكثر شهرة “مرايا”. أما دريد لحام فيقول عنه رضا إنه ”قامة فنية كبيرة جدا، ولننظر إلى أنّه بعد شخصية (غوار الطوشة) لم تستطع أي شخصية أن تعادلها سوى شخصية (أبوليلى)“.

وأبوليلى بائع خيطان وأزرار في السوق، بتسريحة شعر مضحكة ولكنة مميزة، شخصية ركّبها رضا من الحياة، لذلك كانت حية من لحم ودم، بميولها وحركاتها وبقيت الأفيهات والعبارات التي ألّفها هو تتردّد بين الناس مثل ”أحمد آخد إختي“ و“مين سمير؟“ والعشرات غيرها.

في مسلسل ”الانتظار“ كان رضا يقدّم نمطا آخر. صابر معلّم جلي بلاط بسيط، المتأتئ الذي يعيش مع شقيقه الوحيد بسام بلا أم ولا أب، يتقاتلان طيلة الوقت، ولكنهما يبقيان معا، وفي تلك الشخصية تلاعب رضا بمشاعر المشاهدين بين الحزن والفرح والإضحاك والسذاجة، فقدّم الدهشة والتأثير على طريقته.

يقول عن نفسه إنه مجرد هاو للتمثيل. ويرفض فكرة النجومية ويقول إنه لا يوجد أساسا نجوم في سوريا. عازف عود ومتذوق للطرب، كان ينظّم العراضات الشعبية في الأعراس، يغني ويلحّن. يكتب النصوص الدرامية.

ويجري المقابلات التلفزيونية مع البسطاء في الشوارع مقدّما إياهم على أنهم من كبار المحللين السياسيين. حتى السياسة السورية يتناولها رضا بسخريته المعهودة، يروي أنه خرج يوما بمظاهرة، ولم يشارك بالهتافات ولكن تم توقيفه، فتدخل البعض وخرج  وانتهى الموضوع. غير أنه مواكب لكل تغيّر يطرأ على حياة الناس، كتب ولحّن وغنى أغنية جائحة العام 2020 فلم يسلم منه حتى فايروس كورونا.

8