إبراهيم رئيسي سادن العتبة المتشدّد الخيار المفضّل لخامنئي

المرشح الأساسي للفوز بالانتخابات الرئاسية الإيرانية إبراهيم رئيسي يعتبر شخصية غير عادية ضمن الفريق الخاص الذي يقود مسار الحكم ويوجهه منذ قيام الثورة في إيران.
السبت 2021/06/19
كل شيء بات محسوما

فاز في الانتخابات الرئاسية الـ13 التي جرت الجمعة، على غرار فوز بشار الأسد، وحتى قبل انتهاء فرز الأصوات، انتخابات لم يمنع من تنظيمها أعداد ما يفوق الملايين الثلاثة المصابين بكورونا وغياب التباعد الاجتماعي، في مهرجانات التحضّر لها، بما أن النهج ذاته والعقلية نفسها والمدرسة الإخراجية واحدة، وإن بدت الفروقات بسيطة من حيث الشكل وليس الجوهر، وإذا كان الأسد الممثل الوحيد على خشبة المسرح مع كومبارس لا دور له سوى التحرك كالدمى خلال العرض، إلا المسرحية الجديدة كانت هذه المرة، أمام أربعة ممثلين بعد انسحاب ثلاثة من أصل سبعة، مع منح دور البطولة في اللحظة الأخيرة فيها، لرجل الدين المتشدد ورئيس اللجنة القضائية الحالية إبراهيم رئيسي، كي لا يكون له أي منافس.

أصبح رئيسي المرشح الأساسي للفوز قبل أن تبدأ بحسب الأكاديمي والباحث السياسي الإيراني المقيم في واشنطن حسن هاشميان، والمرشحون الأربعة هم من ضمن الـ590 مرشحاً الذين وافقت عليهم وتمت تزكيتهم من قبل ما يعرف بلجنة مكونة من رجال دين وحقوقيين يشرف عليها المرشد علي خامنئي، والمصادقة عليهم تمت من قبل مجلس صيانة الدستور الذي يهمين عليه المحافظون ويتألف من 12 عضواً.

استمرار النهج

الحرس الثوري الإيراني وبتوجيه من خامنئي يدعم رئيسي ويقف خلفه، كونه الأكثر قرباً من المرشد الذي قال إن عملية الانتخاب هذه ليست مجرد انتخاب رئيس، بل استفتاء على استمرار نهج الثورة بحسب تعبيره

ورغم أن استطلاعات للرأي كانت توقعت أن تصل نسبة المشاركة في العملية إلى ما بين 53 و40 في المئة من أصوات الناخبين، إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن ضعف كبير في الإقبال بين المواطنين الإيرانيين، بنسبة لم تصل سوى إلى 23 في المئة، بعد أكثر من 10 ساعات على بدء العملية التي أطلقها خامنئي إثر إدلائه بصوته في حسينية الخميني في الساعة السابعة وثلاث دقائق من صباح الجمعة، ولم تنفع معها دعوته لمواطنيه للمشاركة بكثافة.

وكان الحرس الثوري الإيراني وبتوجيه من خامنئي قد دعّم رئيسي وبكل قوة ويقف خلفه كونه الأشد والأكثر قرباً من المرشد الذي رأى في عملية الانتخاب هذه ليست مجرد انتخاب رئيس للبلاد، بل بمثابة استفتاء على استمرار نهج الثورة بحسب تعبيره، الأمر الذي دفع بالصحافة الإصلاحية الإيرانية إلى وصف رئيسي بـ”المرشح الذي لا يملك أيّ منازع“.

 كل ذلك ليس بفضل برنامجه الانتخابي الذي ينتظره الإيرانيون، ولا شعاراته التي رفعها في محاربة الفقر والفساد والفاسدين، بل لأنه تمت إزاحة جميع المنافسين له، ما دفع أحد المستبعدين للقول ”إننا أمام عملية تعيين أكثر منها انتخابا حتى لو كان صورياً“.

رئيس ببرنامج مستحيل

بدا البرنامج الذي قدّمه رئيسي متركزاً على الاقتصاد وكيفية معالجة الواقع الذي نجم عن العقوبات المفروضة على إيران، وطرح الخطط الإنقاذية، وتقديم وعود بتقديم الملايين من فرص العمل، بالطبع مكافحة الفساد. ويصحّ السؤال عن الكيفية التي يرى رئيسي أن بوسعه تطبيق برنامجه ذاك من خلالها، فكيف يمكن للخطاب المتشدد والمزيد منه أن يجعل من إمكانية رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران أمراً يسيراً؟ وكيف يمكن للفساد أن يتقلص بوجود مراكز قوى على رأسها الحرس الثوري والمنظمات الفرعية التي تعمل خارج سياق الدولة وهياكلها؟

ظهوره واقفاً يصلي قرب خامنئي في جنازة قاسم سليماني ترجمه كثيرون بأنه رغبة من أركان الدولة بأن يروا رئيسي مرشداً مستقبلياً لهم

قال رئيسي إنه ينوي إبقاء الباب مفتوحاً للمفاوضات مع الولايات المتحدة، بشكل غير مباشر، وأشار إلى ضرورة العمل على ”تمتين العلاقات مع دول الجوار والدول الصديقة“. أما دول الجوار فلا أحد يعرف المشروع الإيراني أكثر منها، فغالبيتها دول تحتلها إيران بالكامل أو تحتل أجزاء منها أو تنشر الفوضى والسلاح فيها. فهل يمكن لرئيسي عقلنة توسع النفوذ الإيراني الذي تطبقه إيران عبر شبكاتها وميليشياتها العديدة؟

ورغم أن رئيسي هو رئيس السلطة القضائية في إيران منذ العام 2019، إلا أنه على شاكلة زميله “القاضي الدموي” أحمد زرغر، لم يكن يهتم كثيراً بتحقيق العدالة وتطبيق القانون بل يصبّ جل اهتمامه على الولاء للنظام السياسي الذي يمثله، وهو يعد من أشد الداعين إلى ممارسة القمع لأقصى درجات القسوة في مواجهة من يعتبرهم مثيري الشغب والفتنة، وكل ذلك لم يمنعه من رفع الشعار ذاته الذي رفعه خلال ترشحه للرئاسة عام 2017، وهو مواجهة “الفقر والفساد”.

 نشأ في كنف أسرة متدينة، وكان والده وجدّه لوالدته من علماء المدينة، وأكمل دراسته الابتدائية في مدرسة جوادية بمدينة مشهد، ومن ثم التحق بالحوزة العلمية في المدينة ذاتها، لينتقل بعد ذلك بعد أن أتم مرحلة ما يعرف بالمقدمات إلى العاصمة الدينية قم حيث المقر الرئيس للخميني، وهو في سن الخامسة عشرة، وفيها تتلمذ هذا الفتى القادم من مشهد على أيدي كبار العلماء في الحوزة العلمية، إلى جانب حضوره أبحاثاً ومحاضرات وندوات بالقرب من أوساط خامنئي.

 لم يتوقف رئيسي عند ما ناله من تعليم ديني، بل واصل دراسته الأكاديمية في جامعة مطهري، التي نال منها درجة الماجستير في الحقوق الدولية، ومن ثم درجة الدكتوراه في فرع الفقه والمبادئ قسم الحقوق الخاصة، ليباشر بعدها بإلقاء المحاضرات وإعطاء الدروس في الحوزات الدينية والجامعات الإيرانية.

نحن أمام شخصية غير عادية ضمن الفريق الخاص الذي يقود مسار الحكم ويوجهه منذ قيام الثورة في إيران، فبحسب سجله الوظيفي الحافل بسيرة من المناصب التي تدرج فيها، فقد تبوأ رئيسي عبر هذا المشوار الطويل الممتد منذ أربعين سنة العديد من المهام التي لم تنقطع في السلك القضائي منذ لحظة قيام الثورة في إيران تقريباً.

دول الجوار التي يقول رئيسي إنه يريد تمتين العلاقات معها، لا أحد يعرف المشروع الإيراني أكثر منها، فغالبيتها دول تحتلها إيران بالكامل أو تحتل أجزاء منها أو تنشر الفوضى والسلاح فيها. فهل يمكن لرئيسي عقلنة توسع النفوذ الإيراني الذي تطبقه إيران عبر شبكاتها وميليشياتها العديدة؟

 كان أول تعيين له عام 1980 بمنصب المدعي العام لمدينة كرج الواقعة غرب العاصمة طهران، وبعدها بخمس سنوات، انتقل إلى العاصمة نفسها ليعيّن نائباً  للمدعي العام فيها، ويتضح من خلال عمله خلال تلك السنوات الثماني من بداية مسيرة حياته الوظيفية، أنه لم يخرج عن الإطار المرسوم له، منفذاً كل ما يطلب منه وفق ما تلقّاه على أيدي كبار رجال الدين في الحوزات بدقة عالية وبالحرف، بما ينسجم مع نهج الخميني ورجال الاستخبارات في الثورة، الأمر الذي منحه الحظوة والمكانة لدى الخميني بالذات، فبادر إلى تكليفه بملفات قضائية خطيرة بحسب أجهزته الأمنية، تلك الملفات المتمثلة بحزب توده ”الحزب الشيوعي الإيراني“، وملف ”مجاهدي خلق“ في العديد من المحافظات الإيرانية مثل لرستان وسمنان وكرمنشاه، وتوجه إلى رئيسي اتهامات بإصدار أحكام بالإعدام بحق معارضي الثورة في عام 1988 ضمن “لجنة الموت”  التي تكونت من أربعة أعضاء، بحسب تسجيل صوتي لآية الله حسين علي منتظري سربه ابنه أحمد.

هذا الأداء ذو الالتزام الصارم بتوجيهات معلميه دفع به دوما إلى الأمام، و تابع مشواره بعد رحيل الخميني، ليعين في منصب المدعي العام للعاصمة طهران بأمر مباشر من رئيس السلطة القضائية آنذاك آية الله محمد يزدي، مستمراً في هذا المنصب مدة خمس سنوات أي حتى عام 1994، لينتقل بعد ذلك ليتسلم منصب رئيس دائرة التفتيش العامة لمدة عشر سنوات متواصلة.

واصل رئيسي صعوده في سلك القضاء، إذ لم ينقطع يوماً منذ لحظة انطلاقته في حياته العملية، حيث تسلم منصب النائب الأول لرئيس السلطة القضائية، ثم أصبح مدعياً عاماً للجمهورية الإيرانية، علماً أنه كان قد ترأس إلى جانب مهامه الأخرى، المحكمة الخاصة برجال الدين، إضافة إلى أنه كان عضواً في مجلس خبراء القيادة، وهو يعد واحداً من أحد عشر عضواً يُشكلون لجنة إليها تعود مهمة تعيين المرشد الأعلى للثورة، وهو ما دفع بالإعلام الإيراني إلى طرح اسم رئيسي كخليفة محتمل للمرشد الحالي الذي يقارب الـ82 عاماً، لاسيما وأنه يجمع حوله ويحظى بتأييد مختلف الأجنحة السياسية من المحافظين والمحافظين الأكثر تشدداً والأصوليين.

وفوق ذلك كله، عين رئيسي من قبل خامنئي بمنصب رعاية ”سادن العتبة“ للروضة الرضوية، ليصبح بذلك وصياً على أغنى المنظمات الدينية في العالم الإسلامي، التي تتكفل بإدارة أهم المزارات الدينية في إيران وخارجها، خاتماً حتى اللحظة مشواره المستمر كرئيس منذ عام 2019، وحتى اليوم للسلطة القضائية الإيرانية.

 الصراع يحسم أم يتأجج

رئيسي الذي يجمع بيده سلطات مطلقة في إيران، عضو في مجلس خبراء القيادة، وهو يعد واحداً من أحد عشر عضواً يُشكلون لجنة إليها تعود مهمة تعيين المرشد، وهو ما دفع إلى طرح اسمه كخليفة محتمل لخامنئي

وهذه ليست المرة الأولى التي يترشح فيها رئيسي لمنصب رئاسة الجمهورية، إذ سبق له وأن ترشح في عام 2017، كمنافس للرئيس حسن روحاني، ورغم الدعم الذي تلقاه مما يسمى بـ”الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية”، إلا أنه لم يحصل آنذاك سوى على نحو 38 في المئة، أي ما يقارب الـ16 مليون صوت من أصوات الناخبين.

ويبقى السؤال ومفاده، هل فعلاً سيخلط وصول رئيسي إلى منصب الرئاسة الأوراق، رغم أنه لم يسبق له وأن شغل منصباً سياسياً أو تنفيذيا، وينقذ إيران من الانهيار بحسب ما حذّر منه الرئيس الأسبق أحمدي نجاد؟

 كل شيء بات محسوماً على مستوى الشكل، لكن لا أحد يعرف ما الذي يخفيه خامنئي بتقديم رئيسي بهذا الشكل، بحيث بدا وكأنما يغلق الطريق وإلى الأبد أمام الإصلاحيين، حتى أن شادي صدر المديرة التنفيذية لمنظمة “العدالة لإيران” في لندن، رأت في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية أن “مكان رئيسي الوحيد هو قفص المتهمين وليس الرئاسة“، في الوقت الذي تقود فيها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن سياسة لينة مع إيران، ساعية لتأسيس تفاهم جديد معها، بعد الاتفاق النووي الذي ألغاه الرئيس السابق دونالد ترامب.

ينظر إلى توجه خامنئي ومعه الحرس الثوري إلى خيار رئيسي على أنه مشروع متكامل يهدف إلى إحداث توازن وتناغم بين موقع المرشد والبرلمان الذي يعتبر صوت الشارع، إضافة إلى تقوية موقع القضاء بجلب رجل من قمة الهرم القضائي ليصبح رئيساً للجمهورية. 

وتجدر الإشارة إلى أن البرنامج الانتخابي لرئيسي تضمن تأكيدات أيضاً على ضرورة الاهتمام بالمجتمع واحترام الأقليات والحريات العامة وحل مشاكل الشباب والسكن والزواج عبر القروض الميسّرة والهبات والمنح. ما يعني أنه يقدّم ثورة اجتماعية حقيقية في حال تمكّن من تحقيق استراتيجياته المعلنة، فمن سيقف في وجه رئيسي ما دامت أركان الدولة الإيرانية ونظام الولي الفقيه كلها تدعمه؟

الواقع أن رئيسي لم يأت لتقديم هذا كله، إنما ترجم كثيرون ظهوره واقفاً يصلي قرب خامنئي في جنازة قاسم سليماني بأنه رغبة من جميع أركان الدولة بأن يروا رئيسي مرشداً مستقبلياً لهم وهو يهيمن الآن تحت نظر خامنئي على كل خيوط اللعبة، ما يجعل الصراع مفتوحاً على كل الاحتمالات داخل النظام ذاته.

 

12