إخوان ليبيا والدفع نحو إنهاء الهدنة

يدفع الإخوان إلى الحرب مجددا، هدفهم ضمان البقاء في مراكز السلطة والقرار، ولا يمكن لهذا الهدف أن يتحقق إلا باستبعاد الجيش الوطني من تمركزه الحالي.
الخميس 2020/02/06
أمّ المشاكل.. تيارات الإسلام السياسي

تواصل ميليشيات حكومة فايز السراج التحشيد على مختلف المحاور، في الوقت الذي يتحدث فيه المبعوث الأممي، غسان سلامة، عن تحويل الهدنة إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا. الضباط الأتراك يشرفون على الاستعداد لاستئناف المعارك انطلاقا من مصراتة وطرابلس، وآلاف المرتزقة الذين تم جلبهم من شمال سوريا أخذوا مواقعهم لمقاتلة الليبيين من منطلقات عدة: بعضهم من المدججين عقائديا يتحدث عن نصرة الإسلام الإخواني بنكهة التوسع العثماني، والبعض الآخر من المندفعين مصلحيا لا يعرف من البلاد إلا راتبه الذي سيقبضه بالدولار والذي سيساعده على ركوب أحد قوارب الهجرة السرية في اتجاه الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

ما قاله الإرهابي صلاح بادي مهندس فجر ليبيا وحارق المطار والطائرات في 2014 وقائد ميليشيا لواء الصمود بمصراتة عن انتهاء الهدنة وعودة المواجهات في جنوب وشرق مصراتة، يؤكد أن الأتراك الذين يخطون مساراته، لا يريدون لوقف إطلاق النار أن يمنح للجيش الوطني مواقع تمركزاته الحالية، وإنما هناك إصرار على إعادته إلى ما قبل 4 أبريل الماضي. هذا الإصرار عبّر عنه المجلس الرئاسي ومجلس الدولة وجماعة الإخوان وأمراء الحرب وقادة الميليشيات وأبواق الفتنة ممن يرون أن بقاء القوات المسلحة في مناطق نفوذها حتى 12 يناير، يعتبر نصرا لها ولقائدها العام المشير خليفة حفتر، وهزيمة مدوية لحكومة السراج وحلفائه الأتراك والقطريين والإخوان.

وصلاح بادي المدرج في قائمة العقوبات الأممية لا ينطق من فراغ، فهو قريب من مراكز القرار في أنقرة، وصاحب علاقة قوية بالمخابرات التركية، ولديه أوامر بخرق الهدنة حتى وإن تحوّلت في مشاورات جنيف بين المتدخلين في اللجنة الأمنية المشتركة، أحد مخرجات مؤتمر برلين، إلى وقف لإطلاق النار، وهذه الأوامر صادرة عن الحاكم بأمره التركي الذي أصبح يجاهر بتحدي العالم والأمم المتحدة، وباستفزاز العرب وأوروبا، ويقوم يوميا بخرق قرارات مجلس الأمن، وبدوس اتفاق مؤتمر برلين الذي وقّع عليه رجب طيب أردوغان في 19 يناير الماضي، سواء من خلال الإمعان في إرسال المرتزقة، أو في إنزال السلاح والجنود عبر الجو والبحر إلى سواحل غرب ليبيا، منطلقا من قناعته بأن العالم دخل بالفعل مرحلة ترهّل الشرعيات بما فيها الشرعية الدولية.

الجيش الوطني بدوره، يستعد للمواجهة ولديه القدرة على ذلك، وهو من باب المجاملة لحلفائه، ينتظر ما سيفرزه اجتماع 5 + 5 في جنيف، خصوصا ما يتعلّق بما ورد في اتفاق برلين، وقبله في اتفاق الصخيرات، حول موضوع حل الميليشيات التي لا تزال تحول منذ 2011 دون التوصّل إلى حلّ سياسي ينبني على المصالحة والانتخابات، وبسط نفوذ المؤسستين العسكرية والأمنية على مختلف أرجاء البلاد.

أمّ المشاكل هنا أن تيارات الإسلام السياسي الفاقدة لشرعية الشارع، تتخفى وراء تلك الميليشيات، وتستقوي اليوم بالتدخل التركي والمرتزقة، وتنظر للجيش وقيادته على أنهما عدواها العقائديان اللذان لا يمكن أن تجتمع معهما على أرض واحدة، وهذا أساس الصراع الحالي. فإخوان ليبيا يخشون من أن يكون مصيرهم كمصير إخوان مصر، ولا يريدون أن يدفعوا ثمن ما ارتكبوا وميليشياتهم من جرائم طيلة تسع سنوات، كما لا يريدون التخلّي عن تموقعهم في التحالف الإقليمي الذي أسسوا عليه خياراتهم السياسية والاقتصادية، والمرتبط أساسا بتركيا وقطر والأحزاب والتيارات الإسلامية في عدد من الدول الأخرى.

كل ما دار ويدور من مفاوضات ومشاورات واجتماعات وصفقات ووساطات هدفه الاتفاق على منح إخوان ليبيا وتنظيم القاعدة جزءا من كعكة السلطة والثروة في البلاد، وجميع النتائج تصطدم بفقدان الجماعة الثقة في خليفة حفتر، وفي الجيش الوطني. والأهم من ذلك أن الجماعة تدرك أن رصيدها الانتخابي ضعيف وأن أيّ مراهنة على الصندوق لن تكون لفائدتها، لذلك لعبت على وتر آخر، هو وتر الشوفينية الجهوية في مصراتة التي ينتمي إليها أغلب قيادات الإخوان، وعززته بوتر الأقليات من أصول عثمانية أو تركية كما يقول أردوغان، وبوتر الأقليات الأخرى وخاصة الأمازيغية أو التباوية، لتتجه لاحقا إلى محاولة إعادة الجغرافيا السياسية إلى ما قبل عام 1951 تاريخ استقلال ليبيا، بتشكيل هيئات إقليمية لطرابلس وبرقة وفزان، هدفها إعادة التقسيم بما يعيد كل قوة عسكرية أو سياسية أو اجتماعية إلى موقعها الجغرافي الأصلي، وهو ما يتضح بالخصوص من خلال ترويج مقولة إن الجيش الموجود في 90 بالمئة من مساحة ليبيا هو جيش برقة وليس جيشا وطنيا، وأن لطرابلس جيشها الذي يقاتل من أجلها، في إشارة إلى الميليشيات التي ترفع شعارات ثورة فبراير بغطاء إسلامي مدعوم بالمرتزقة وبالحليف التركي.

ومن منطلقات جهوية بحتة ركب السراج سفينة الإخوان، فهو كذلك يتحدث عن غزو من المنطقة الشرقية، ناسيا أو متناسيا أن الأغلبية الساحقة من المنطقتين الغربية والجنوبية تدعم القوات المسلحة، وأن ترهونة والزنتان والرجبان وصرمان والصيعان وصبراتة وبني وليد وغيرها توجد في إقليم طرابلس التاريخي وليس في برقة، وأنه لو لا بطش الميليشيات والمرتزقة، لخرج أهالي طرابلس مرحبين بجيشهم الذي يضم في صفوفه أعدادا كبيرة من أبنائهم.

واليوم يدفع الإخوان إلى الحرب من جديد، فهدفهم هو ضمان البقاء في مراكز السلطة والقرار وعلى خزائن الثروة في مؤسسة النفط والمصرف المركزي، ولا يمكن لهذا الهدف أن يتحقق إلا باستعباد الجيش من تمركزه الحالي، حتى وإن كانت النتيجة الدفع نحو تقسيم البلاد وإعادتها إلى ما كانت عليه عند إعلان الاستقلال في 1951 أو أيام المملكة المتحدة قبل 1963، فالجماعة قبل ليبيا، ومشروع الإخوان قبل مشروع الدولة الديمقراطية المدنية.الحديثة الجامعة لكل أبنائها.

9