إذا أردنا فهم الآخر يجب أن نترك الأنانية والخوف جانبا

الغيرية ليست نزوعا فطريا بل هي معيار أخلاقي.
الخميس 2020/10/29
الآخرون ليسوا جحيما (لوحة للفنان فؤاد حمدي)

في حمى ردود الأفعال المتشنّجة على مقتل المدرس الفرنسي، يكثر الحديث الآن في فرنسا عن الآخر، المختلف عرقيا وثقافيا وعقديا، ولكنه ينزاح إلى اختلاف آخر أيديولوجي بين العرق الواحد، لا يقل حدة عن الأول، ما يؤكد أن الآخر يمكن أن يحمل نفس مقوماتنا الحضارية. فهل الجحيم هو الآخر كما قال سارتر؟

الآخر هو المختلف عنا في أي شيء، سواء من حيث جنسه وعرقه ودينه وثقافته ولغته، أو من حيث عاداته ولباسه ونمط عيشه. وإذا كان شخص ما غريبا في عيون فئة أخرى، فإن تلك الفئة غريبة هي أيضا في نظره. ومن ثَم، ينبع الاحتراس والنفور وربما العداء والرغبة في الإقصاء من الجهتين. وهذا متأصل في شتى المجتمعات، المتقدمة أو البدائية.

في كتاب “العرق والتاريخ” يذكر كلود ليفي ستروس أن الإسبان بعد اكتشاف أميركا كانوا يحاولون أن يفهموا هل لأهالي تلك الأرض روح، فيما كان هؤلاء يُخرجون أسراهم البيض بعد إغراقهم ليتأكدوا ما إذا كانت جثثهم يعتريها نفس التحلل الذي يصيب موتاهم هم. ويستخلص أن “المتوحش هو قبل كل شيء الإنسان الذي يؤمن بالتوحش”.

الذات والآخر

لوحة للفنان فؤاد حمدي
لوحة للفنان فؤاد حمدي

إذا كان الآخر يخيف، فلأنه يظل متمنعًا عن المعرفة، أي أننا إذا اختزلناه في ما نلمحه من سلوكه ومظهره الخارجي، فذلك دليل على أننا لا نملك إلا أن نفترض فقط ما هي حقيقته، فنضفي عليه أشياء قد لا تنطبق عليه، ونَصِمه بما ليس فيه، وهو ما لاحظه ميرلو بونتي في “فينومينولوجيا الإدراك” حين وصف الآخر، أيا ما يكن عرقه وجنسه، بأنه قلعة محصّنة، نتوهم عن بعد أنه عنيف وغامض وعصي على الفهم.

ورغم هذه المسافة بين الذات والآخر، فإننا نولي اهتمامنا لنظرة الآخر. في “الكينونة والعدم” مثلا، يبيّن سارتر كيف أن نظرة الآخر ترغمنا على أخذ حضوره بعين الاعتبار، لأن نظرته تلك قد تكيف سلوكنا على نحو ما.

وإذا أظهر الآخر عدوانية ما، فذلك ييسّر الحكم عليه، ولكن دون تعميم سلوكه على سائر بني جنسه. وإذا كان مسالما، يعيش حياته بشكل طبيعي دون أن يختلط بمن خالفه من جهة الثقافة والمعتقد، فإنه قد يغدو أيضا مثيرا للقلق، بالمعنى الفلسفي، أي أنه قد يثير الحيرة والانشغال وربما الخوف، ومن ثم المعاداة، الكامنة أو السافرة.

والطريف أن تلك النظرة التي تخيف هي ضرورية للفرد كي يتثبت من أن العالم الخارجي ليس وهماً وأن حواسه لا تخطئ.

نحن في حاجة إلى الآخر، إما لاستكمال ذواتنا وتحديد هوياتنا أو لتلبية أغراض لا نقدر على إنجازها

يقول ميشيل تورنيي على لسان بطله روبنسون كريزو حين بدأ يقينه بالواقع ينهار “ضد الخداع البصري، والسراب، والهلوسة، وحلم اليقظة، والاستيهام، والهذيان، واضطراب السمع.. فإن السور الأكثر ضمانا لنا هو أخونا، جارنا، صديقنا أو عدونا، ولكن شخصٌ ما أيتها الآلهة، شخص”!

فحتى وهو وحيد في جزيرة خالية، كان روبنسون يدرك أنه لا يستطيع أن يعيش دون حضور إنسان آخر، ما جعله يهرب إلى ذاكرته ليؤثث حاضره بالوجوه التي اختزنتها ذكرياته منذ سن الطفولة. أي أن الآخر ضروري، فإن كان غير موجود، استحضرناه وأعدناه إلى الحياة، وجعلناه يشاطرنا ولو لحظة من يومنا أو ليلنا، درءًا للوحدة.

ينطبق ذلك على الفرد، مثلما ينطبق على الجماعة، فنحن في حاجة إلى الآخر، إما لاستكمال ذواتنا وتحديد هوياتنا، وإما لتلبية أغراض ما كنا لنقدر على إنجازها من دونه. كذلك الشأن مع الدول التي تستقدم الأجانب، فهي تحتاج إليهم لتنشيط دورتها الاقتصادية، وتأمين سيرها ونموها، ولكنها في الوقت نفسه تواجههم بعداء مضمر يتبدّى من خلال التمييز في التعامل معهم، في شتى مجالات الحياة، أو بعداء سافر تنهض به فئات مجتمعية تدّعي رفض الآخر.

صراعات الاعتراف

Thumbnail

لئن كان صحيحا أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فإن ذلك لا يعني أن العلاقات بين البشر سليمة لا تشوبها شائبة، فالإنسان بطبعه ذئب للإنسان على رأي هوبز، ما يجعل قيام سلطة سياسية تفرض السلم والأمن، حتى يتمكن الأفراد من إقامة مجموعة يعيش داخلها الأفراد والفئات في ظل قانون واحد يوحّدهم برغم الاختلافات التي تميزهم منذ الولادة.

ولكن قد يكون الآخر خارج تلك الفئات وتلك المجموعة البشرية، ما يجعل الشك والنفور ثم العداء ممكنا تجاه من كان خارج تلك المجموعة، على رأي فرويد الذي يقول في “ضيق الحضارة” إن الروابط الودية التي تنشأ داخل فئة اجتماعية قد تولد عدوانية أكبر تجاه الأجانب، ولذلك ينصح بضرورة إيجاد حلول لدمج أولئك الأجانب، إذا راموا الانخراط في المجموعة، والاعتراف بهم.

صراعات الاعتراف تلك هي التي تحدث عنها أكسيل هونيت، مدير مدرسة فرانكفورت الحالي، بوصفها صراعات فئات اجتماعية لم تتوصل السلطات إلى إدماجها داخل المجتمع بشكل إيجابي، إما عن أنانية، أو خوف، أو رفض منحها نفس الحقوق القانونية والاجتماعية التي يتمتع بها الآخرون، بسبب الاسم أو الهندام أو لون البشرة، فالمختلف حضاريا قد يغدو مختلفا في المطلق بصرف النظر عن اعتناقه جنسية البلد المضيف، فيأخذ المهاجرون وأبناؤهم وجه الآخر، وهو الوجه الذي يُستغل لشيطنة الاختلاف في الخطاب العنصري.

ومن ثم وجب على الدولة الراعية مقاومة الإقصاء، كوجه سلبي للاعتراف الاجتماعي، لإدماج الأفراد في المجتمع بطريقة تراعي اختلافهم، دون أن تجعله محددا لهم لا ينظر إليهم إلا من خلاله. على أن يكون الاعتراف مشفوعا بحقهم في الحياة كسائر مكونات المجتمع، والتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية، في نطاق القانون.

أما على المستوى الفردي، فيمكن أن ننظر إلى الغيرية لا كنزوع فطري، بل كمعيار أخلاقي، فالواجب الأخلاقي كما يرى كانْت هو ثمرة اختيار فردي عقلاني، وليس قاعدة مفروضة. لأن المشكلة الإنسانية الأساسية كما بيّن أوغست كونت، مبتكر مصطلح الغيرية، هي أن يسعى الفرد تدريجيا لجعل اجتماعيته مقدمة على المصلحة الأنانية.

14