"إذا حبوك ارتاح"

نعم، تدمع عينا الفقير ضحكا أمام نكتة سمجة قالها سيد نعمته، لكن قلبه يدمع حزنا على ما وصل إليه من “نفاق”، بفعل واجب تأمين لقمة العيش له ولأطفاله في هذا الزمن الصعب.
الثلاثاء 2021/01/26
يمشي الفقير وكل شيء ضده.. حتى عوامل الطبيعة وحفر الطريق

إن عطست في مجلس لا يستلطفك فيه أحد فلن تجد من يقول لك “رحمك الله”، وإن رويت نكتة بينهم فلن يبتسم أو يضحك أحد، ويشعرونك أنك تمتلك كما هائلا من السماجة وثقل الظل. وإن كنت شاعرا دون أحبة فلن يعجب بقصيدتك أحد، أمّا إذا كان لديك رصيد هائل في البنوك فسوف يكون لديك مثله في القلوب.

الفقير عليه أن يبذل دائما، جهدا مضاعفا كي يحظى ببعض القبول وينعم بشيء من الراحة، مقارنة بميسور الحال، وصاحب السلطة الذي إذا نظم شعرا اعتبروه متنبي زمانه، إذا لعب كرة صنفوه مارادونا عصره، وصفق له جمهور خصمه إن سجل هدفا في مرماه، وإذا حكى نكتة مهما كانت سمجة، قهقه الحضور حتى “تطق خواصره” من الضحك وتدمع عيونه.

نعم، تدمع عينا الفقير ضحكا أمام نكتة سمجة قالها سيد نعمته، لكن قلبه يدمع حزنا على ما وصل إليه من “نفاق”، بفعل واجب تأمين لقمة العيش له ولأطفاله في هذا الزمن الصعب.

قديما، قالت العامة إن أمرين اثنين لا يعلم بهما الناس، هما فضيحة الغني وميتة الفقير.. الفقير الذي تترصده كاميرات الإعلام في التبرعات وتوزيع المساعدات، التي يقيمها الأغنياء في حملاتهم الانتخابية، لكنها تغيب في موته البطيء ولا تمشي في جنازته كما تفعل مع الغني وصاحب الجاه والسلطة.

يمشي الفقير وكل شيء ضده، حتى عوامل الطبيعة وحفر الطريق وكلابه الضالة. وفي هذا الصدد يقول الإمام الشافعي، في قصيدة لمّاحة “حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة، خضعت لديه وحركت أذنابها، وإذا رأت يوما فقيرا عابرا، نبحت عليه وكشرت أنيابها”.

أكتب هذه السطور وأنا أستمع للمطربة التونسية نبيهة كراولي، وهي تغني “إذا حبوك ارتاح،لا تتعب ولا تشقى”. أغنية قد تزرع الطمأنينة لدى كل من لديه شخص أو شخوص يحبونه ويحيطونه بالرعاية والتبجيل، لكنها تبطن فزعا مريرا وتنذر بخيبة مسعى لمن ليس في محيطهم من يحبهم. عندئذ، لن تجد من يقول لك مجرد كلمة شكر، حتى وإن أشعلت له أصابعك العشرة بل يستمر في لومك وتقريعك، واتهامك بالتقصير. كلمات الأغنية لم تغفل عن هذا الاستدراك فجاء في المقطع التالي “إذا كرهوك ماعادش يحبوك بلّلي (مهما) تكثّر من النفقة”.

علينا الاعتراف بأن راحتنا أو شقاءنا مرتبطان بحضور الحب أو غيابه في محيطنا الأسري والمهني والاجتماعي.. وهذا الرفض والقبول يخضعان، بدورهما،  لمؤشر الغنى والفقر، مع هامش يتسع ويضيق من استثناءات تتعلق بالحب لأجل الحب وحده.

24