إضافة بند في عقد زواج يشترط عدم اعتماد الطلاق الشفوي تثير جدلا في مصر

جرأة الزوجين وحدها تحدد إمكانية تمردهما على الطلاق الشفوي من عدمه.
الاثنين 2021/01/04
في اتجاه الطريق الصحيح

أعادت واقعة اتفاق زوجين على إضافة شرط لعقد الزواج بعدم وقوع الطلاق الشفوي، الجدل حول جمود موقف المؤسسة الدينية في مصر، وعدم اعترافها بأن يكون الطلاق الموثق بديلا عن الشفهي حتى لو كان الغرض حماية الكيان الأسري من الانهيار بسبب عبارة “أنت طالق”.

القاهرة - أقدم زوجان مصريان في واقعة تعتبر الأولى من نوعها على عدم الاعتراف بالطلاق الشفوي وذلك من خلال إضافة بند إلى عقد زواجهما يشترط عدم الاعتداد به، وتمت إضافة هذا البند بناء على رغبتهما، حتى لا تنهار علاقتهما مستقبلا جراء لفظ متسرع، أو يتم اللجوء للاستفتاء في وقوع الطلاق أو لا، كما أن الانفصال يجب أن يكون باتفاق ثنائي وبشكل هادئ دون صراعات عائلية أو تدخل القضاء.

وسارعت مؤسستا الأزهر ودار الإفتاء إلى استنكار صيغة عقد الزواج، وقالتا إن الطلاق الشفوي يقع، بغض النظر عن وجود اتفاق بين الزوجين على عدم الاعتراف به أو لا، وردت أصوات معتدلة بتأكيدها أن العقد صحيح شرعا، ووسيلة عصرية لتجاوز عقبة التمسك بالتراث الذي صار تطويره ضرورة إنسانية.

وفي مقابل ذلك ركز بعض رجال الدين المعارضين لرأي الأزهر على هذه الواقعة، وتسويقها على أنها الحل الأمثل لتجاوز عقبة النهج المتشدد الذي تسير عليه المؤسسة الدينية وتمسكها بتقاليد وتعاليم تجاوزها الزمن، ولم يعد يصلح تطبيقها بشكل حرفي بسبب خطورتها على استقرار الأسرة.

وقال أحمد صابر، وهو مأذون شرعي بمحافظة البحيرة شمال القاهرة، إن الرجل والمرأة يحق لهما إضافة أي بنود يتفقان عليها بعقد الزواج، لأن العقيدة تنص على أن “العقد شريعة المتعاقدين”، بالتالي فالنص على الاعتراف بالطلاق الموثق فقط حق مكتسب للزوجين، باعتبارهما من يديران حياتهما ويرسما مستقبلهما.

وأضاف لـ”العرب” أن هناك زوجة تشترط في العقد عدم ارتباط زوجها بامرأة ثانية وهذا حقها، وأخرى تتفق مع الزوج على مرحلة ما بعد الطلاق، مثل النفقة والسكن والولاية التعليمية للأبناء، وكلها أمور لا يجب للرأي الديني أن يعارضها أو يطعن فيها، طالما يتم تحديدها لأغراض سليمة وصحية وإنسانية، والإسلام لا يرفض ذلك، بل يدعم تجاوز النزاعات الأسرية.

ومعضلة المؤسسة الدينية في مصر، أنها اعتادت التدخل في حياة الناس وعلاقاتهم وتصرفاتهم بشكل مفرط، دون أن تضع لنفسها مساحة معينة لا تتجاوزها، أو تترك العائلات تدير شؤونها بعيدا عن رأي الدين، بل تسارع لترهيب من يخالفها الرأي والتوجه بتصويره على أنه ارتكب فعلا مشينا، وتتحدث عنه كأنه يتحدى الدين.

وأمام هذا التدخل المفرط، تتراجع الكثير من الأسر عن التغريد خارج السرب، وتخشى الإقدام على أي خطوة من شأنها التعرض للوصمة الدينية والمجتمعية، حتى لو كانت متحضرة ومثقفة، لكنها تفكر أكثر من مرة في تبعات التمرد على رأي الدين في ما يرتبط بطقوس الزواج، ومع الوقت صار معدل الخلافات الأسرية مرعبا.

ورأت منظمات نسائية معنية بحقوق المرأة، أن الخطوة التي أقدم عليها الزوجان مثالية لحفظ حقوق السيدات ووقف التعامل معهن باعتبارهن أداة في يد الرجال يتلاعبون بهن، ويستغلون الصلاحيات الممنوحة لهم، للتحكم في مصائر النساء، مثل التعجيل في الطلاق لأي سبب، وتهديدهن بعبارة “أنتِ طالق” إذا خالفن أزواجهن تحت أي ظرف.

الأمل الوحيد في تجاوز التشدد الديني تجاه التمسك بالطلاق الشفوي، أن يتم إدخال تعديلات مدنية على عقود الزواج

ولا ينكر الكثير من أرباب الأسر تمسكهم بخطوة التقنين التي أقدمت عليها دول عربية كثيرة في عدم الاعتراف بالطلاق الشفوي، مثل تونس والمغرب والكويت والسعودية، والنأي عن الدخول في معترك ديني واجتماعي مثير للجدل.

وتوصل استطلاع رأي أجراه المركز المصري لبحوث الرأي العام (بصيرة) منذ عامين، إلى أن 63 في المئة من المصريين يرفضون وقوع الطلاق الشفوي دون توثيق، مقابل 16 في المئة فقط دعموا موقف المؤسسة الدينية، وأجاب 21 في المئة بأنهم لا يستطيعون تحديد موقفهم بشكل صحيح.

ويعوّل حقوقيون على تنامي الوعي المجتمعي لاختيار نمط الحياة الأسرية التي تناسب الرجل والمرأة منذ كتابة عقد الزواج، كأن يتم تحديد شكل وطريقة الطلاق والنفقة وغيرها، بعيدا عن الالتزام الحرفي بالرأي الديني المتشدد الذي يخاطب الماضي بكل سوءاته، باعتبار أن الدول العربية التي سلكت نفس النهج إسلامية، لكن أكثر انفتاحا.

ويرى هؤلاء أن جرأة الرجل والمرأة وحدها تحدد إمكانية تمردهما على الطلاق الشفوي من عدمه، فالفتاة التي خرجت من بيئة بسيطة وتنتمي لأب وأم غير متعلمين، لا يمكن لها وضع هذا الشرط في عقد الزواج دون أن تمتلك الشجاعة والاستقلالية على أن تختار مع شريك حياتها طريقة الانفصال مستقبلا، بعبارة “أنتِ طالق”، أو بشكل موثق أمام المحكمة.

وأكدت عبير سليمان الباحثة في شؤون الأسرة والناشطة بقضايا المرأة، أن الأمل الوحيد في تجاوز التشدد الديني تجاه التمسك بوقوع الطلاق الشفوي، أن يتم إدخال تعديلات مدنية بعقود الزواج، مثل شرط وقوع الطلاق الموثق فقط، ويتطلب ذلك جرأة غير عادية وشجاعة استثنائية من الشاب والفتاة، لأن استسلامهما لتعاليم الدين قد يدمر حياتهما في السنوات الأولى.

وأوضحت لـ”العرب” أن الرجل العصبي بطبعه قد يقوم بتطليق زوجته شفويا في اليوم أكثر من مرة، لكن الإسلام لا يرضى بذلك، ولا يقبل أن تنهار أسرة بأكملها لمجرد أن هذه العبارة صارت على ألسنة بعض الأزواج دارجة ومباحة وسهلة، في حين أن الشرع يؤكد مرارا أن الزواج هو الميثاق الغليظ، والطلاق أبغض الحلال عند الله، والحل أن يتم استخدام عقد الزواج للالتفاف على تحجر رأي الدين.

ولفتت إلى أن نشر ثقافة عدم اعتراف الزوجين بالطلاق الشفوي بإضافة هذا البند لوثيقة الزواج كفيل بخفض معدلات الطلاق إلى الحد الأدنى، فلا يُعقل أن تكون هناك حالة طلاق في مصر كل دقيقتين، ومازالت المؤسسات الدينية تتمسك بوجهة نظرها في عدم الاعتداد بالطلاق الموثق فقط، فإن كان عقد الزواج موثقا فلا بد أن يصبح الانفصال بالمثل.

وما يثير الاستغراب، أن بعض الأصوات التي تعترف بالطلاق الشفوي، تبيح تطليق الرجل لزوجته إذا ذهب للمأذون ووافق على الطلاق كتابة دون أن ينطق بذلك شفويا، أي أن الأصل في الطلاق التوثيق وليس اللسان، وهو ما تسبب في صدام بين الرئيس عبدالفتاح السيسي قبل ثلاثة أعوام وهيئة كبار العلماء بالأزهر، عندما طالبها بالبحث عن مخرج ديني.

والأغرب من ذلك، أن دار الإفتاء أعلنت أنه يصلها أسبوعيا حوالي ألفي سؤال للاستفسار عن مدى وقوع الطلاق أم لا، حيث يروي كل رجل تفاصيل الواقعة وأسباب نطقه بعبارة “أنت طالق”، وأغلب الردود على هؤلاء تكون بعدم وقوع الطلاق لأن ظروفه وأركانه ليست مكتملة، أي أن المؤسسة الدينية نفسها في كثير من المواقف لا تعترف بوقوع الطلاق الشفوي.

21