إلياذة العرب وتغريبتهم من مصر إلى تطوان

السيرة الهلالية.. ملحمة غنائية تحتفي بالشعر والفروسية وتمجّد المرأة.
السبت 2021/01/30
السيرة الهلالية (لوحة للفنان حسن الشرق)

رغم انقطاع الجمهور عن حضور العروض المسرحية، امتثالا للتباعد الاجتماعي المفروض، يستعد مسرح البالون بالقاهرة لإطلاق العرض الغنائي “التغريبة.. بنت الزناتي”، على خشبة قاعة صلاح جاهين بمسرح البالون. والعرض مستوحى من السيرة الهلالية التي عشقها العرب، من الحجاز إلى تطوان، وإن دارت أهم فصولها في القيروان. لكن ترى ما الذي جعل من التغريبة الهلالية معينا ينهل منه الشعراء والرسامون وكتاب الدراما، فتعددت الرؤى والاقتباسات وتلوّنت السرديات؟

من قال إن العرب يفتقدون في تاريخهم إلى ملاحم كما هو الشأن بالنسبة إلى الإغريق والرومان وبقية الشعوب التي تتباهى بإرثها في هذا الجنس الأدبي والغنائي الذي يخلّد بطولاتها وسيرها الشعبية، ولديهم في موروثهم الشعبي ملحمة من مليون بيت شعر يتباهون بها وتخلد بطولاتهم؟

إنها السيرة الهلالية، أشهر السير الشعبية العربية، ملحمة طويلة تصف هجرة بني هلال وخروجهم من ديارهم الخرمة في عالية نجد. وهي السيرة الأكثر رسوخا في الذاكرة الجمعية. وإن أضفى عليها الخيال الشعبي ثوبا فضفاضا باعد بين الأحداث وبين واقعها، وبالغ في رسم الشخصيات.

رواية شفاهية

تلقي المسرحية الضوء على عدد من أبطال التغريبة الهلالية لتدور أحداثها حول الصراع بين “دياب بن غانم” و”سعدي بنت الزناتي”، التي سلّمت مفاتيح بلادها لبني هلال وكانت سببا في مقتل والدها “الزناتي خليفة”، وذلك برؤية معاصرة لسيرة اعتبرها النقاد والدارسون والمؤرخون أهم ملحمة في تاريخ العرب وشمال أفريقيا. بدأت أحداثها في منتصف القرن الثاني عشر، وتوالت على مدى بضعة قرون، لتشمل مساحة جغرافية تنطلق من الحجاز مرورا بصعيد مصر ومنه إلى بلاد المغرب العربي، تُنقل بالتواتر والرواية الشفاهية، مُؤسّسة لأهم الملاحم الغنائية في تاريخ المنطقة.

تُعرف السيرة الهلالية أيضا بالهجرة القيسية، نظرا إلى أن أغلب القبائل المهاجرة، آنذاك، كانت تندرج تحت الفرع القيسي من العرب العدنانية، حسب مقدمة عبدالرحمن بن خلدون (1332 ـ 1406) الذي أطنب في الحديث عنهم، وخصص لتلك الهجرة التي وصفت بالمليونية بابا تحت عنوان “الخبر عن دخول العرب من بني هلال وسليم المغرب”. ولم يتوان مؤسس علم الاجتماع، وصاحب “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” عن وصفهم بـ”الهمجية والبعد عن المدنية والعمران”.

ملحمة طويلة يتفانى الرواة والشعراء الشعبيون المتخصصون ويتفننون في إثرائها جيلا بعد جيل

وتتفق بعض المراجع التاريخية على أن الهلاليين قد أحرقوا ودمّروا حظائر بلاد المغرب ومدنها، ويعزى ذلك إلى البيئة الصحراوية التي جاؤوا منها وعدائهم لكل مظاهر التمدن.

كان ذلك عقابا وتأديبا لوالي تونس المعز بن باديس الصنهاجي الذي أوقف الدعاء للخليفة الفاطمي وأعلن التحاقه بالخليفة العبّاسي، إلى درجة أنّ شاعري القيروان ابن رشيق وابن شرف اللذين هربا مع الآلاف من الهاربين إلى صقلية، يصفان هؤلاء الهلاليين بـ”الكفر والتوحّش”.

لكنّ كتابا ومؤرخين كثيرين يدينون لقبائل بني هلال بنشر العربية، ويرون في ما ذهب إليه العلاّمة التونسي، مبالغة وتجنّيا على هذه السيرة وأبطالها الذين يُشهد لهم بالفروسية والروح الشعرية، والشهامة والذود عن قيم إنسانية تشترك في تمجيدها البشرية وتقدّر خصالها، على غرار ما يروى عن قبائل النورماند والفايكينغ في الشمال الأوروبي، رغم ما لصق بهم من صفات كالبربرية والوحشية، وذلك في انطباعات فوقية، وتعسفية أحيانا.. أليس التاريخ هو ما يكتبه المتفوقون ويقتدي فيه المغلوب بالغالب، وفق نظرية ابن خلدون نفسه؟

ومهما يكن من أمر، فإنه، وحين ثارت بلاد المغرب على الحكم الفاطمي، وخلع ملك صنهاجة المعز بن باديس (1008   – 1062) طاعة الفاطميين متحولا إلى الخليفة العباسي، استشاط هؤلاء في مصر غضبا، واستقروا على رأي مفاده ضرورة الانتقام من الحكم السني الصنهاجي عبر تسليط قبائل بني سليم وبني هلال عليهم، فإنْ انتصرت الدولة الصنهاجية تكون الدولة العبيدية قد تخلصت من هذه القبائل المتعبة، وإن انتصر بنو سليم وبنو هلال، فإنهم يكونون بذلك قد انتقموا من عدوّهم اللدود المعز بن باديس.

الأسباب والنوايا

محمد المرزوقي: الجازية حكيمة تبقى أقوالها عِبراً على مدى الزمان؟
محمد المرزوقي: الجازية حكيمة تبقى أقوالها عِبراً على مدى الزمان؟

يذكر المؤرخون أنه قد شُرع في إغراء القبائل المقيمة على ضفاف النيل وتم مدها بالمال والسلاح، وأبيحت لها منطقتا برقة والقيروان. لتبدأ حلقة الصراع العنيف بين المعز بن باديس والقبائل العربية المدعومة من الفاطميين. وهكذا هزمت هاتان القبيلتان المعروفتان بالعناد والشدة ابن باديس، ووصلتا تونس وحاصرتا القيروان واقتسمتا بلاد أفريقيا، فأخذت سُليم صحراء طرابلس بينما أخذ بنو هلال تونس وغربها.

هنا تتوقف السرديات التاريخية حول حيثيات تحرك قبائل بني هلال وخلفياته السياسية لتبدأ الرواية الأدبية الملحمية فتشغل الأذهان وتسلب الألباب أكثر من الجدال القائم حول الأسباب والغايات والنوايا.

روت السيرة الهلالية مراحل تغريبة بني هلال وانتقالهم من نجد في الجزيرة العربية إلى صعيد مصر، ومنه إلى بلدان شماليّ أفريقيا، وحوادث هذا الانتقال ووقائع الحروب بين الهلاليين ومن دخل معهم إلى بلاد المغرب ومن كان في هذه البلاد من قبائل صنهاجة وزناتة الأمازيغيتين.

هي ملحمة طويلة قيل إنها تقارب مليون بيت من الشعر، وهو رقم مبالغ فيه بالتأكيد، لكنها تتفرّع وتتناسل عن قصص جانبية يتفانى الرواة والشعراء الشعبيون المتخصصون ويتفننون في إثرائها جيلا بعد جيل، فغدت على مر العصور أشبه بكرة ثلج متدحرجة شأنها شأن بقية الملاحم الشعبية، إذ تبدأ جذورها عند سيرة الزير سالم جد الهلالية ثم تمتد لتشمل تغريبة بني هلال وخروجهم إلى تونس.

ومن بين القصص والحكايات التي خرجت من رحم السيرة على شاكلة ألف ليلة وليلة، نذكر قصة الأمير أبوزيد الهلالي وقصص أخته شيحة المشهورة بالدهاء والاحتيال، وسيرة الأمير دياب بن غانم الهلالي، وقصة زهرة ومرعي، وغيرها من السير التي تتداولها المجتمعات العربية من الحجاز إلى المغرب.

رواة السيرة وموثقوها، شفهيا وكتابيا، لا يقلون بدورهم غرابة عن أبطالها من حيث عشق تلك الأحداث والإضافة إليها ومقاربتها بمستجدات راهنة وصلت حد الهوس، إلى درجة أن الواحد منهم يلقّب في صعيد مصر وأرياف تونس بـ”المضروب في السيرة”.

حكاية الجازية

أروع وأدق من وثّق السيرة الهلالية في العالم العربي هما اثنان: التونسي محمد المرزوقي (1916 – 1981) والمصري عبدالرحمن الأبنودي (1938 – 2015).

كان الأول ينحدر من قبيلة بني سليم، ووثق للسيرة الهلالية كما لم يوثق لها أحد من قبله، حتى بات يعرف بالمرجع الوحيد لمن يروم التحدث عن التغريبة، لما يتمتع به من ثقافة موسوعية وحس شعري ودرامي هائلين. يكفي أن ابن الجنوب التونسي الذي يتميّز بثقافة موسوعية نادرة، تساءل: كيف يمكن أن تصنف السيرة بين الملحمة والأسطورة، والحكاية الشعبية، والأنشودة، وغيرها من الأجناس السردية، ولكن الجازية لا تصنف أبدا. أليست تشارك الرجال في الفروسية والقتال، وقول الشعر، وقيادة العشيرة؟ أليست هي المضحّية بذاتها وزوجها وأبنائها وسعادتها في سبيل القبيلة؟ أليست هي الحكيمة التي تبقى أقوالها وأبياتها دروسا وعبرا على مدى الزمان؟

وقد سبق، ومنذ ثلاث سنوات، أن احتفل المهرجان الدولي للصحراء بمدينة دوز التونسية بمئوية الأديب الراحل محمد المرزوقي، وذلك من خلال ما وصف بـ”فخر الملاحم العربية وأسطورة التراث الإنساني”، وهي سيرة بني هلال التي جمعها وكتبها المرزوقي وأعدها المخرج التونسي حافظ خليفة.

أما عبدالرحمن الأبنودي، فقد أمضى ردحا من الزمن وهو يقتفي سيرة أجداده الهلاليين في صعيد مصر، وسافر وأقام في تونس فترة طويلة في سبيل تتبع وتوثيق تلك التغريبة التي سكنته وسار على خطاها ثم دوّنها كتابيا ووثقها إذاعيا في ما يقارب التسعين حلقة، وذلك قبل أن يحضر افتتاح متحف السيرة الهلالية في الطاحونة القديمة، ويسكتَ إثرها عن الكلام المباح.

هوميروس العرب

أبوزيد الهلالي أشهر أبطال الملحمة
أبوزيد الهلالي أشهر أبطال الملحمة

تقصّى ابن قرية أبنود الصعيدية حكاية السيرة التي تربى عليها من أفواه الحكّائين العرب، عند طاحونة قديمة ومنسية قيل إنها شهدت أجمل الملاحم الشعرية.

أوغل “الخال” الذي يحلو لبعضهم تلقيبه بـ”هوميروس العرب”، في الذهاب بعيدا صلب السيرة التي فتنته، وعرف كيف يفرق بين ما يروى في المشرق وبلاد المغرب دون مفاضلة وبكثير من الأمانة والتقدير. ففي سردية المغرب الكبير، يظهر بطل السيرة وهو الزناتي خليفة الذي وقف يدافع عن أرضه تونس وبلاده ضد الغزاة الغاصبين المهاجمين من الشرق، والذين جاؤوا ليستولوا على الأخضر واليابس بقيادة “الوحش الأسود” أبوزيد الهلالي، وفي تلك الرواية يظهر الزناتي في أقوى وأروع آيات البطولة، ثم المقاومة، بعد الاحتلال، وهو نموذج البطل الشعبي المناضل في السيرة، وهكذا يختلف منظور السيرة حسب زاوية النظر.

الآن صار كل عشاق السيرة الهلالية و”مدمنيها” ينشدون المتعة ـ ولا شيء غير المتعة ـ بصرف النظر عمّا يمكن أن يؤوّل أو يقال عن الخلاف السني الشيعي وقتها، أو ما يقرأ عن حساسية مشرقية مغربية مستدامة. وفي هذا السياق، ترى الباحثة الجزائرية روزلين ليلى قريش، أن السيرة الهلالية “توافق التاريخ في خطوطها العريضة، لكنها تركت العنان للخيال على مرّ الزمان ليبدع ويخترع، إلى أن أصبحت السيرة تسجل لنا قصصا عجيبة وجذابة في آن واحد”.

وتضيف القريش، التي خاضت تجربة ميدانية في قرى الجزائر تجمع خلالها أخبار السيرة، أنّ هذه الملحمة الأخاذة “تبث في الأنفس الدهشة والإعجاب وتجعلنا نعيش أحداثها ونتفاعل مع أبطالها، كما تبرهن لنا السيرة من خلال مغامرات أبطالها عن أنهم أجداد لأغلب أبناء وطننا، وهم يتحركون في سيرتهم المذهبة بين الأسطورة والتاريخ”.

ووُصف الأدب الشفهي عبر العصور بـ”التاريخ الصغير”، وتمسك به الدارسون وقدّروه أكثر من تدوين السير والوقائع، وفي ذلك يقول الباحث المغربي “إن كان التاريخ رواية وقائع، فإن الرواية تاريخ متوقع”.

عبدالرحمن الأبنودي:  التغريبة التي سكنته تتبعها ووثقها وسار على خطاها
عبدالرحمن الأبنودي:  التغريبة التي سكنته تتبعها ووثقها وسار على خطاها

قصص حب آسرة

التغريبة الهلالية تنتمي إلى ذلك الصنف من الأدب التاريخي الذي ظلت الأجيال تتناقله بالتواتر من صحراء نجد وصعيد مصر شرقا، إلى تونس وأطراف الجزائر غربا، وذلك  عبر مدونات تحتفي بالمآثر والبطولات في قالب شعري ملحمي مازالت تُردّده المحافل الغنائية الريفية في الشريط الممتد طيلة الشمال الأفريقي.

أبطال الملحمة الهلالية كثر، ومختلفون في نزعاتهم وأهوائهم، فمن يقع التغني بأمجاده لدى عرب صحراء سناء، قد يصبح جبانا وعديم المروءة في ملاحم وروايات الشمال الغربي التونسي أو الشرق الجزائري ذي الأصول الأمازيغية.

وعلاوة على ذلك، فإن قبيلتي بني هلال وبني سليم اللتين شدتا الرحال نحو بلاد المغرب بحثاً عن الماء والكلأ، لم تكونا على أشد التوافق والانسجام، وإن كانا من بطون قيسية مشتركة، فالتطاحن والصراع سيكونان سيدا المشهد أثناء التغريبة التي تعج خلافات ودسائس، وكذلك تنضح شعرا وحكايات، وقصص حب آسرة.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث المصري إبراهيم النجار “برزت التغريبة الهلالية من نجد إلى شمال أفريقيا كعلامة فارقة في أشعار البدو القيسيين، وتروي قصة خروج شعب صحراوي بحثا عن الكلأ، لكنها استمرت قرنا أو يزيد، وخلّفت تراثا أدبيا شعبيا من ملاحم وسِير وأشعار وأبطال أسطوريين”.

يكفي أن يرتحل المرء في أرياف وبوادي الشمال الأفريقي من مصر إلى المغرب، حتى يلتقي بأسماء متداولة ومألوفة قد استلهمت من شخصيات وأبطال السيرة الهلالية مثل “أبوزيد الهلالي ويونس ودياب بن غانم”، وكذلك أسماء نساء مثل “الجازية الشريفة وعزيزة الهلالية وخضرة الشريفة والدة أبوزيد وشقيقته شيحة”.

امرأة بألف رجل

اللافت أن المرأة في السيرة الهلالية قد احتلت مكانة اجتماعية مرموقة وصلت حد الحوكمة والقيادة والمنازلة بالسيوف والأشعار، وذلك رغم التركيبة البدوية التي تغفل عن تقدير المرأة والإذعان لحكمها وزعامتها، وهو ما نلحظه إلى اليوم في المجتمع الصعيدي على وجه التحديد.

خاطئ من يظن أن الوسط البدوي في المجتمعات العربية ذكوري النزعة، وينفرد فيه الرجال بالقرار بل الأمر يبدو معكوسا، وتخسر المرأة في المدن والأماكن الحضرية حضورها لصالح الذكور.

وفي هذا الجانب، تقول الباحثة سارة السهيل “تصنع المرأة في السيرة الهلالية أسطورة يخلدها التاريخ وتبقى رمزا للبطولة الإنسانية كما هو الحال مع الجازية الهلالية التي نسجت حياتها أساطير من القوة وفنون الإدارة والحكم والانتماء للقبيلة حتى لقبت بأنها امرأة بألف رجل”. وتضيف السهيل “حملت سيرة الجازية صفحات التاريخ الشعبي العربي والإنساني لتلهم الشعراء ومبدعي القصص والرواية والمسرح والدراما حتى اليوم”.

كما أن نزعات التشدّد في الدين بعيدة كل البعد عن المجتمعات القبلية، والدليل على ما تقدم هو خلو السيرة الهلالية من أي جدال في الدين، وتحتكم كل الصراعات في التغريبة إلى مجموعة من القيم السائدة لدى عرب ما قبل الإسلام، ويبدو ذلك واضحا حتى في أسماء الشخصيات، مما يبيّن أن الوازع الديني في المجتمع البدوي ضعيف ويكاد لا يظهر.

وإلى جانب القيمة الأدبية للسيرة الهلالية من حيث الخيال والتشويق عبر كل ما يتوفر في الحكاية من حبكة وإحالات، فإنها تكتسي قيمة ألسنية شديدة العمق والدلالة، إذ تعد وثيقة لا غنى عنها في دراسة اللهجات المنتشرة في مصر وباقي أقطار المغرب العربي. وتتوزع هذه اللهجات بحسب مساحة وجغرافية انتشار لهجتي بني هلال وبني سليم في المناطق التي سيطروا عليها.

16