احتفاء أنقرة بسيد قطب يؤكد منهجها في دعم التكفيريين

محاولات إحياء ونشر الفكر القطبي عبر تبني النظام التركي رسميا لتلك النسخة من الإسلام تعد إعادة إنتاج لكيانات مسلحة تخدم المشروع التوسعي لأردوغان.
الجمعة 2020/02/14
النظام التركي يروج لفكر إخواني قطبي تكفيري

القاهرة- أصدر ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومنسق أنشطة جماعة الإخوان في الشرق الأوسط، كتابا جديدا يمجد فيه سيد قطب.

وقدم أقطاي لكتابه في احتفالية لافتة أثارت جدلا وأسئلة حول دوافع هذا الإصدار في هذا الوقت، وإحياء تاريخ المنظر الإخواني الذي يعد الأب الروحي لتنظيمي القاعدة وداعش ومعتنقي الفكر التكفيري من جماعات مسلحة.

وجاء في مقدمة الكتاب أن «سيد قطب أحد الرموز التي أثرت بعمق في العديد من مجالات الفكر الإسلامي المعاصر، من الأدب إلى السياسة، من التفسير إلى التصور الغربي”.

وقال أقطاي «السؤال الصعب عن ماهية الإسلام في رأينا لم يعد الإسلام. السؤال الرئيسي المطروح هو: ماذا يقدم المسلمون للعالم؟ إن معالجة هذا الأمر بجدية ستجعل من الضروري على المسلمين إعادة النظر في افتراضاتهم السابقة حول ما هو غير إسلامي. ومما لا شك فيه أن النقاش المنفتح لسيد قطب وتراثه النظري العملي أمر أساسي للإجابة على هذين السؤالين».

مرجعية متشددة

كتاب يمجد سيد قطب المنظر الإخواني الذي يعد الأب الروحي لتنظيمي القاعدة وداعش
كتاب يمجد سيد قطب الذي يعد الأب الروحي لتنظيمي القاعدة وداعش 

يرجع احتفاء الساسة الأتراك بأفكار سيد قطب إلى حرصهم على تمكين مرجعية دينية متشددة محرفة لا تنتمي إلى الإسلام العقلاني التشاركي، هدفها فقط تحريك جيوش من المتطرفين للقتال بالوكالة عن دول وقعت في فخ الهزيمة سابقا خارج حدودها، وصارت لديها حساسية من إرسال جنودها إلى ساحات الحروب.

يقتضي مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تثبيت مرجعية دينية تكفيرية حربية تصنف العالم إلى مؤمنين أتقياء وأنقياء، وكفار يجب قتالهم، لضمان بقاء خزانه البشري الحربي مليئا لخوض حروب متعددة خارج حدود بلده.

تم في هذا السياق، تدريب عشرات الآلاف من حاملي الجنسيات العربية ومعتنقي أفكار سيد قطب التكفيرية، كي يتحركوا على مسطرة أهداف النظام التركي. تلك معضلة ينبغي أن يفهمها الغرب. فترجمة أفكار قطب بجهود النظام التركي وجماعات الإسلام السياسي لا تقل خطرا عن تطبيق أفكار دمرت سابقا القارة الأوروبية ومزقتها، وبسببها ذبح الأوروبيون بعضهم بعضا على الهوية والمذهب.

تعد محاولات إحياء ونشر الفكر القطبي عبر تبني النظام التركي رسميا لتلك النسخة من الإسلام، إعادة إنتاج لكيانات مسلحة تخدم المشروع التوسعي لأردوغان. ويستند هذا التوجه على القابلية خاصة لدى الشباب داخل تيار الإسلام السياسي لتبني أفكار المواجهة مع الدول والأنظمة والحكومات التي صاغها قطب في حقبة الستينات، واعتبروا أن هذا الخط الفكري أصيل في مسيرة الإخوان.

كما أنه منهج من شأنه حشد مختلف فصائل الإسلام السياسي والجهادي خلف تصورات مشتركة؛ لأن الفكر القطبي يعتز به شباب الإخوان، ويمثل في نفس الوقت إحدى المرجعيات الرئيسية لمعتنقي منهج القاعدة، الذي يُعد امتدادا لتنظيم الجهاد المصري الذي أسسه أيمن الظواهري ورفاقه كردة فعل ثأرية على إعدام سيد قطب.

الإسلام التركي الذي يروج له ياسين أقطاي وتعتنقه جماعة الإخوان لم يدخل المرحلة التنويرية ولم يتفكك بنيويا، لتحل الفكرة الديمقراطية والتعايش الإنساني وتكامل الحضارات وفلسفة الدولة المدنية وحقوق الإنسان ودولة العقد الاجتماعي محل الحاكمية الإلهية والحروب الدينية والدولة العقائدية وولاية الفقيه. إذا كانت الحالة الدينية الأوروبية مرت بتفكيك بنيوي قبل التركيب والبناء والنهضة، فجهود الدول العربية والمفكرين والعلماء العرب ساعية للانتصار للفهم المستنير للإسلام ليس فقط حرصا على السير في الطريق الأوحد المؤدي للنهضة وترسيخ التعايش الحضاري السلمي بين البشر، إنما لإنقاذ الإسلام ذاته من مناهج دخيلة عليه توشك أن تدمره. تواجه النسخة التركية الإخوانية للإسلام نسخة عربية، هي تلك التي تشبث بها مفكرون كبار ينتمون إلى الجذور العربية والهوية الإسلامية من منطلق إدراك ووعي كامل بعد أن درسوا الحضارة والتاريخ والواقع الغربي وتشربوا من ثقافته.

طرح توفيقي وآخر تخليقي

ياسين أقطاي: سيد قطب أحد الرموز التي أثرت في الفكر الإسلامي المعاصر
ياسين أقطاي: سيد قطب أحد الرموز التي أثرت في الفكر الإسلامي المعاصر

يخلق هذا الطرح التوفيقي صيغة تصالحية بين التمسك بالعقيدة ومواكبة العصر الحديث، وبينما يرفض رموزه ومناضلوه من رفاعة الطهطاوي إلى محمد عبده ومن تبعهم التسلط الغربي، يدعون بحماسة للاستفادة من قيم المدنية الحديثة وضرورة الانفتاح على الغرب وتملك سبل الترقي والقوة والتقدم.

وضع مفكرون ومجددون من العرب مشروعا تنويريا يضاهي مشروع التنوير الغربي، عبر العودة للفهم الأصلي للإسلام وإطلاق قواه الاجتماعية والروحية والأخلاقية الكامنة والخروج برؤية متوازنة تجمع بين الإسلام والعروبة والإسلام والغرب.

يحرص الإسلام العربي على دعائم الدولة الوطنية من منطلق كونها الوحيدة القادرة على احتواء التنوعات الطائفية والإثنية والعقائدية تحت عنوان المساواة والمواطنة، وعدم السماح باختراقها أو استهدافها بمشاريع أيديولوجية أو تكفيرية أحادية من شأنها تفجير كيان الدولة ومحو هويتها وتفتيتها إلى كيانات متصارعة.

لم يكن المواطن العربي، يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، ليحصل على كامل مواطنته في ظل سيطرة أفكار وجماعات تميز هذا عن ذاك بحسب درجة الإيمان وبهويته الدينية، وفي ظل وجود من يسعى للسلطة انطلاقا من مذهبه وانتمائه الديني لا من كفاءته وخبراته.

الصراع الحقيقي الحالي ليس بين إسلام وعلمانية ولا بين إسلام وغرب، بل بين هاتين النسختين من الإسلام. بين إسلام عربي تنويري وآخر إخواني قطبي تكفيري يروج له النظام التركي الحالي.

والصراع اليوم بين إسلام العصر الذهبي الذي صنع أعظم حضارة للمسلمين والعرب وإسلام عصر الانحطاط والتخلف والهمجية والحروب المذهبية والدينية، الذي تستدعيه جماعة الإخوان وزعماؤها ليظل المسلمون في صراع مع الغرب، ولنظل في تيه دائم يتقدم غيرنا ويقتل بعضنا بناء على فتاوى التكفير والتحريض على القتل.

الإسلام كباقي الأديان السماوية جاء لنشر الرحمة والسلام والتسامح والمحبة بين البشر وما يقتضيه من الاعتراف بالآخر واحترام معتقداته وأفكاره والحرص على حياته وممتلكاته. ومن غير المنطقي أن يُسمح بالترويج لإسلام يعادي البشرية ويدعو للعنف والإقصاء لأهداف سياسية وتوسعية كالتي وضعها سيد قطب في تأسيسه النظري لمنهج الإسلام الحربي، في وقت تزخر تعاليم ومفاهيم الإسلام بالعشرات من الأوامر باتجاه التسامح والإحسان والخير والمعروف والحوار الراقي المؤدب.

أفكار سيد قطب التي يمجدها الساسة الأتراك لم تنتج سوى أشخاص مُدعين يصدرون أحكاما تكفيرية حادة تنم عن جهل وسطحية في التصورات
أفكار سيد قطب التي يمجدها الساسة الأتراك لم تنتج سوى أشخاص مُدعين يصدرون أحكاما تكفيرية حادة تنم عن جهل وسطحية في التصورات

لم تنتج أفكار سيد قطب التي يمجدها الساسة الأتراك سوى أشخاص مُدعين يصدرون أحكاما تكفيرية حادة تنم عن جهل وسطحية في التصورات، أما لدى الاختبار العملي وعند الوقوف أمام أسئلة الدولة وقيادتها ومشكلاتها وبرامج ومشاريع حكمها ووجهة تحالفاتها فهم عاجزون عن النطق بأجوبة شافية.

روج صالح سرية، وهو أردني من أصل فلسطيني سعى لتنفيذ أفكار سيد قطب، ونشط منتصف السبعينات في بعض الجامعات المصرية، لأفكار جاهلية المجتمعات ومخالفة القوانين المعمول بها للإسلام ومن أعدها كافر وتحية العلم والسلام الجمهوري والجندي المجهول شرك وكفر، والجهاد سبيل تغيير الحاكم الكافر، واضعها على طريقة أستاذه سيد قطب تحت عنوان براق لمن لديه قابلية لأن يُخدع وهو “رسالة الإيمان”.

13