احتكار الله، باسمه

​​​​​​​القرآن لا تُقتفى أجزاء منه إلا في إطارها هي ذاتها، ومن أجل غايتها هي دون سواها لا من أجل غاياتك، ولا تطابق عليها إلا بما يطابقها هي وليس بما يطابق أهواءك.
الاثنين 2019/02/11
​​​​​​​كلمة حق يراد بها باطل

هل لديك حجة ضعيفة وترغب في جعلها حجة لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها؟ بسيطة، أمسك بالقرآن الكريم وانتقِ آية تقارب المعنى الذي تريد إفحام الناس به، ولسوف تبدو حجتك ساطعة، ولن يستطيع أن يجادلك فيها أحد.

هل وجدت نفسك على باطل وتريد أن تقوم بتسويقه على أنه هو الحق المبين؟ بسيطة أيضا، “قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا”. وهكذا، فإنك تستطيع على أن تبدو على حق دائما، وتضفي مقدارا من القدسية عليه. وإذا صادفت رعاعا أو أنصاف أميين لإقناعهم به، فتكفي آية أو آيتين، وكل شيء سيكون عال العال.

أكثر من ذلك، فإنك تستطيع أن تصبح نائبا. والطريق سهل. أطلق لحيتك قليلا، واحمل مسبحة، وردد بعض الآيات التي تصلح لكل استخدام ولمعالجة كل القضايا، وسوف ترى الناخبين يصطفون لانتخابك.

كل ما يجب أن تفعله، بعد ذلك، هو أن تتصرف وكأنك تملك الله، وأنك تمثله شخصيا. ولن يطول الوقت حتى تشعر بأنك تملك الحق في توظيف القرآن الكريم لتدعم به كل قول تقوله.

وإذا كان لديك أعداء، فبكل بساطة، تستطيع تكفيرهم. وأن تنفحهم بسلسلة من الآيات التي تعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور. فيصغي الرعاع إليك، وقد يذهبون لقتلهم بالفعل.

أن تُقدّس القرآن، يعني أن تقدّسه بما فيه، لا أن تُدنّسه بما فيك أو بما لديك
أن تُقدّس القرآن، يعني أن تقدّسه بما فيه، لا أن تُدنّسه بما فيك أو بما لديك

هذا سلوك همجي للغاية. كما أنه وضيع للغاية أيضا. ولكنه متداول بشدة، حتى لا تكاد تقرأ كتابا أو مقالا من كاتب يستعمل الإسلام في أغراضه السياسية، كما لا تسمع حديثا أو خطابا من أمثاله، إلا وتجده مزدحما بالآيات التي توزع الرحمة والبركة على من يشاء، وتلقي في النار بمن يشاء. وإذ أن الإيمان حكر على من يدعيه، فإنه يستطيع أن ينكره على من يشاء أيضا.

بطريقة أو بأخرى، ستجد نفسك أمام شخص يمثل الله. وبالطريقة التي يلقي بها الناس في النار، ويرسل غيرهم إلى الجنة، فلا تستغرب ما هو أكثر من ذلك. هذا التوظيف سائد إلى درجة أنه تحوّل إلى أمر بديهي يمارسه كل ذي قول وحجة. حتى ليتم دس القرآن في الكلام دسا تعسفيا وكأنه ختم صدق لا سبيل إلى دحضه. وبات من البداهة، والاستسهال حتى أنك لا تسمع خطبة غير عصماء، إلا وقد تلبست بآيات من القرآن.

نحن نفعل ذلك لتعضيد الحجة التي لا تعضد نفسها بنفسها. ونجرد القول من موضوعه وغاياته فنلبسه تجريدا آخر بغايات لا صلة لها بغايات النص المقدس. هذا التلبيس عمل من أعمال الشر. وقد ظل يسوق الناس في مهاو كارثية في السياسة وفي مشاغل الحياة. وهو نوع من عمى البصر والبصيرة. لأنه يعمد إلى حرف الأنظار عما يتعين النظر إليه من الحقائق. ويوجز فيها القول، ويرفعه إلى السماء، حتى لا يعود استبصارها ممكنا.

الذين يتمسحون بالقرآن الكريم، في كل شأن من شؤون الحياة العابرة، إنما يهينوه ويسيئون إليه كنص وكغاية وكمعنى. لقد كنا، ولا نزال بحاجة إلى أن نستكشف السبل لكي نناقش الحجة بالحجة، والنسبي بالنسبي، والبشري بالبشري، والفلسفي بالفلسفي، والعلمي بالعلمي. لا بالقرآن، لأنه مطلق.

القرآن الكريم كلّ واحد. فإن تستخدم أجزاء منه لغرض نسبي وشخصنيّ، تجد نفسك إزاء أجزاء أخرى تدحض نسبية الغرض، وتدحض شخصنته. الأمر الذي يضع القرآن موضع حيرة وتساؤل وشك، بل وتناقض أيضا، حاشاه الله عن ذلك.

لا ترى نفسك في آيات، ثم ترى غيرك في غيرها. وتجرؤ على أن تباهي بما تراه، وكأن الله أنزلها عليك من أجل خدمة أغراضك الخاصة؛ فهذا توظيف دنيء. القرآن لا يُقرأ إلا كقرآن. ولا تُقتفى أجزاء منه، إلا في إطارها هي ذاتها. ومن أجل غايتها هي دون سواها. لا من أجل غاياتك. ولا تطابق عليها إلا بما يطابقها هي، وليس بما يطابق أهواءك.

ولأنه مطلق. فلا يليق بالمطلق أن يُقرأ إلا كمطلق. ساعتها سوف يُذهلك بكل كلمة فيه، تبارك خالقه. ولسوف ترى أن الله جعله معجزة، وجعل في كل ركن فيه معجزة من نوع مختلف، وجعله متماسكا من أوله إلى آخره، يدل بعضه على بعضه، ولا عوج فيه. لهذا السبب، لا تقل أبدا قل “جاء الحق وزهق الباطل” لأغراضك الخاصة، أو للدلالة على أنك صاحب الحق. فقد تكون أغراضك باطلة، وقد تكون أنت على باطل.

قل للذين يستعملون الإسلام استعمال سياسة، كفّوا عن احتكار الله باسمه. إنه رب كل العالمين. وليس ربا لبشر دون بشر آخر آخرين. وهو أولى بهم وبحسابهم، “وما أنت عليهم بمسيطر. حتى أنك لست بشيرا ولا نذيرا”.

البشير والنذير -بصفته هذه- جاء وأدّى وذهب. وقل للذين يتمسحون بالقرآن تمسح عمى بصر وبصيرة، كفّوا عن استخدامه في جدل. إنه معجزة في الكليّ والمطلق، لا في الطالع والنازل من أغراض البشر.

أن تُقدّس القرآن، يعني أن تقدّسه بما فيه، لا أن تُدنّسه بما فيك أو بما لديك.

13