الأدبُ وقلّته

لم تعد قلّة الأدب عيباً، باتت فلسفة عالمية لها منظّروها.
الجمعة 2021/06/11
رحل الأجداد وتباعد الأحفاد عن آدابهم

حين كان جدي يغضب كان يتلفظ بمقولة شهيرة ورثها جيلُه عن العهد العثماني الذي برمج الكثيرين وفق نظامه الصارم، فكان يقول لزجر من يخرج عن الأصول “أدب سيز”، أي “قلّة أدب”. تباعدت تلك الأيام الآن، ورحل الأجداد، وتباعد الأحفاد عن آدابهم، لكن يقال اليوم إنه وبتباعد الناس اجتماعياً، فإن مؤشر الاهتمام بالأدب عاد إلى الصعود مجدداً. أي أدب وكيف ولماذا وما السبب؟ سنرى.

نشأنا على أن الحياة آداب، وأن أدب الكلام وأدب التعبير متوازيان مع آداب المائدة وآداب العمل والمهنة والدراسة واللبس والتعامل. وقرأنا أن الآداب عشرة؛ ضربُ العود ولعبُ الشطرنج والمبارزة بالعصي والسيوف، والطب والهندسة والفروسية، والشعر والنسب وأيام الناس، إضافة إلى مقَطَّعات الحديث والسَـمَر وما يتلقّاه الناس بينهم في المجالس.

وكان أن شكّكنا بذلك مع نمو ظاهرة “الهدم” الجمالي التي انطلقت من أدب الكتابة والرسم والموسيقى، فطالت جميع الآداب حتى ضاعت الطاسة. والطاسة هي وعاء نحاسي نصف كروي لسكب الماء يستعمل في حمام السوق العتيق الذي تلفّه غلالة بخار الماء، فلا يكاد المرء يرى يده، فإن ضاعت الطاسة علق الناس بعيونهم الغارقة في الصابون، مثل العميان، وربما تزحلقوا وعمّت الفوضى.

ظنّ البشر أن الحياة يمكن أن تسير هكذا، بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها، وهذا لم يصنع سوى عولمة الآداب الخفيفة التي سترتدّ علينا عبر هُزال المنتجات، فلا نعود نرى قصصاً ذات ثقل، ولا قصائد وأغانيَ لها ذلك الوقع الذي ألفناه، وهكذا.

لم تعد قلّة الأدب عيباً، باتت فلسفة عالمية لها منظّروها. منظومة متكاملة، لا تقف عند حدود الوقاحة أو نشر خطاب الكراهية والتحريض، بل تذهب إلى تبرير ذلك وجعله هو الطبيعي.

من الأمثلة بروز المظاهر القبيحة المرتبطة بالتديّن، وعدم شعور أصحابها بالخجل منها، كالكذب والمراوغة والغش والغدر والعنف و”دناوة النفس”، رغم أن الدين، أيّ دين، ينهى عن الفحشاء والبغي وما ينكره المجتمع. ومن ذلك أيضاً تدهور وانحطاط مدارس السياسة حول العالم، واعتبار أن دولة مثل الولايات المتحدة لا مشكلة أخلاقية لديها بالتجسس على دول حليفة لها في أوروبا. وأنك حين تشنّ حربا عالمية جديدة مثل نشر فايروس كورونا الذي قلب الدنيا، فليس عليك أن تتحمّل المسؤولية، وها هي الصين لم تعتذر، وكان الالتزام بآداب العلم ليمنع الأمور من الوصول إلى ما وصلت إليه.

غير أن الخط البياني للبشرية لا يسير هكذا، فلو كان من الممكن الرجوع إلى الوراء، لتدهورت العلوم والتكنولوجيا، والآداب جزء من الحقيبة الحضارية، ولن تلبث أن تستعيد توازنها وقدرتها الكبرى على التأثير في حياة الناس.

24
مقالات ذات صلة