الأشعة الكهرومغناطيسية تضرب الأرض وتربك استقرارها

"التردّد الأخير".. فيلم خيال علمي يبعث برسائل سياسية عبر سيرة الفيزيائي نيكولا تسلا.
الاثنين 2021/09/20
مطاردات وحرب عصابات لمنع زلزال مدمّر

بناء قصة خيالية على وقائع وشخصيات حقيقية أمر درجت سينما الخيال العلمي على الاشتغال عليه بكثافة ما يمنحها مساحة أوسع لتقديم أحداث وشخصيات إضافية، وبالتالي منح كاتب السيناريو والمخرج المرونة الكافية لكي يضيفا المزيد من التفاصيل التي وإن كان فيها الكثير من الخيال إلاّ أنها مبنية على وقائع حقيقية. وهو ما ينطبق على فيلم “التردّد الأخير” للمخرج تيم لوري.

ينطلق فيلم الخيال العلمي “التردّد الأخير” للمخرج تيم لوري من وقائع حقيقية، حيث تسرد المشاهد الأولى منه جانبا من سيرة العالم الأميركي اللامع نيكولا تسلا (1856-1943) الأب الروحي لتكنولوجيا الطاقة الكهربائية والكهرومغناطيسية، والذي شكّلت حياته بتفاصيلها الغزيرة وإنجازاته وبراءات اختراعاته التي توصل إليها نقطة تحوّل في تاريخ البشرية ما تزال تجني ثمارها حتى الساعة.

وعلى فرضية أن ذلك العالم العبقري كان قد ترك وراءه وثائق لا تقدّر بثمن بالإمكان الاستفادة منها، تمّ بناء قصة الفيلم في تتبّع جانب من سيرة تسلا، وهو الذي عرف بكشوفاته المبكرة للطيف الكهرومغناطيسي وموجات الراديو واللاسلكي وتردّدات التيار المتناوب والطاقة المختزنة في الأشعة.

الفيلم يلمّح إلى أن ما يحدث من زلازل وهزات أرضية وصواعق مدمّرة من الممكن تصنيعها كهرومغناطيسيا لأغراض سياسية

هذه الحصيلة يتحدّث عنها البروفيسور ستيوارت (تشارلز شوغنيسي) لطلابه، ومن بينهم طالبته الشغوفة إيثر (الممثلة كيربي بلانتون)، لكن يبدو أن ذلك الحديث المسهب، والذي يكون البروفيسور ستيوارت قد تعمّق فيه سوف يفضي إلى ما هو أبعد، وذلك من خلال إلمامه العميق بالإرث العلمي للعالم تسلا وصولا إلى حقيقة الاستخدام الشرير من أطراف حكومية لما اخترعه تسلا في ما يخصّ استخدام الطاقة والأشعة الكهرومغناطيسية لغرض التخريب وإحداث متغيّرات في الطبيعة مثل الزلازل والهزات الأرضية والصواعق، وهو ما يريد ستيورات ومن ثم تلميذته إيثر الدفاع عنه.

يبني المخرج دراما قائمة على تقاطع الأهداف بين أطراف عدة ومنها المباحث الفيدرالية الأميركية، حيث تشير معلومات لاحقة إلى أن مؤسسات حكومية سرية فقدت أثر وثائق كان قد تركها تسلا، ويبدو أن المخرج قد بنى تلك السردية على أساس هذه الواقعة التي يصبح الوصول إليها هدفا طموحا للعديد من الأطراف، منها شركات عملاقة تريد أن تستثمر في تلك الاكتشافات والاختراعات.

وأما إذا مضينا مع المزيد من الشخصيات، فقد تشعّبت أحداث الفيلم مع إدخال شخصيات أخرى إضافية، ومنها ذلك الجندي الذي حارب في سوريا والعائد من هناك محطما، والذي سوف يشارك إيثر في مهمتها، والمتمثلة في تقصي حقيقة الوثيقة والمذكّرات التي يُجرى البحث عنها.

لكن التحوّل في مسار الدراما والحبكة الثانوية الأكثر قوة قد تمثلت في اختفاء أثر البروفيسور ستيوارت وعدم معرفة أي أحد لمصيره، ومن الواضح منذ الإعلان عن اختطافه أن الهدف يكمن في الاستيلاء على الوثيقة ودفتر الملاحظات والمذكرّات التي يحتفظ بها ستيوارت، ولهذا فإنه يوصي تلميذته إيثر بالعثور عليها وإخفائها وعدم إعطائها لأيّ شخص.

يدخل المخرج خلال ذلك واحدة من التقنيات الكهرومغناطيسية، وهو سلاح يتم استخدامه لتسليط الأشعة على أيّ شخص كان وتغيير طريقة تفكيره وإجباره على فعل ما، وهو ما يقع في المشاهد الأولى من الفيلم عندما يتم إجبار مستثمر يتولى الإنفاق على مشاريع تتعلق بإرث تسلا العلمي، أن يقفز من أعلى عمارة منتحرا.

Thumbnail

هذه الفبركات وطريقة السرد الفيلمي كلها بدت غير متوافقة مع التأسيس الدرامي القائم على موضوع الأبحاث العلمية المعمّقة، إذ كرّس المخرج مساحة كبيرة للشخصيات للحوار بدل المضي في الأحداث في تصعيد مضطرد، وأما عندما يتعلق الأمر بزجّ شخصية صاحب شركة الأبحاث والمستثمر سيروس (الممثل ريتشارد بورغي)، فإن الأمر سرعان ما ينقلب إلى ما يشبه أفعال العصابات بسبب غموض سيروس وإصراره على العثور على البروفيسور المخطوف، ومن ثم استدراج إيثر وبتأثير الأشعة الكهرومغناطيسية لغرض أن تفصح عن وجود مكان المذكّرات.

على الجانب الآخر، ولكي يرفع المخرج من مساحة المغامرة والتشويق فإنه يأتي بأصدقاء إيثر الذين يتجوّلون بسيارة رصد وتنصّت، ومن ثم فإنهم ولغرض الوقوف في وجه سيروس يلحقون الضرر بمؤسّسته من خلال نشوب حريق مفتعل، وهو مفتعل بشكل واضح، لأنه مصنوع رقميا وليس حقيقيا، وهي ثغرة لم يكن لها أي مبرّر أو دافع مهم لغرض استخدامها كي تظهر بذاك المستوى التقني الرديء.

في موازاة ذلك تدخل شخصية المحقّق الفيدرالي (الممثل جوش موراي) الذي يفترض أن حضوره كان لغرض إعمال القانون في العثور على البروفيسور المخطوف، لكن التحوّل الدرامي سوف يقودنا إلى منع البروفيسور من المضي في مهمته لغرض إيقاف عمليات بث كهرومغناطيسية قد تفضي إلى زلزال مدمّر من الممكن أن يضرب إحدى المدن الأميركية.

ومن تلك الحصيلة يلمّح الفيلم إلى ما يحدث من زلازل وهزات أرضية وحتى صواعق مدمّرة من الممكن تصنيعها كهرومغناطيسيا، وعلى هذا الأساس تتّجه الأحداث باتجاه آخر متّخذة منحى سياسيا، مبرزا أن تلك الوقائع تجري على مسافة ساعات من انعقاد قمة الدول الصناعية الكبرى، كما أن الأحداث تقع في حقبة حكم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وبذلك انتقلنا من فيلم خيال علمي إلى فيلم ذي أبعاد سياسية ليس من الواضح ما هو هدف المخرج من المضي فيها وتعميقها.

Thumbnail
16