الإجهاض في أميركا قضية تخفي الكثير من الصراعات

"روي في ويد" فيلم عن تشريعات الإجهاض التي هزّت المجتمع الأميركي.
الأحد 2021/10/03
صورة واقعية مقربة من قلب الصراع

لا تتوقف الأفلام التي تتناول قضية العنصرية في أميركا عند شكل التصادم الظاهر بين البيض والسود، والممارسات العنصرية المعلنة أو حتى الخفية، فهناك قضايا أخرى تجمع بين الطرفين وتفرقهما في الآراء في نفس الوقت، يمكن من خلالها معالجة العنصرية، مثل قضية الإجهاض التي يعالجها ببراعة فيلم “روي في ويد”.

لا شك أن أية نظرة إلى ما تم توثيقه سينمائيا من أحداث ترتبط بانتفاضات الحريات المدنية في الولايات المتحدة في الستينات والسبعينات بشكل خاص، سوف تحيلنا إلى صورة مجتمع عصفت به توجهات الساسة والمشرعين من جهة، ومن جهة أخرى حركات الحريات المدنية وجماعات الدفاع عن الحقوق الإنسانية الأساسية والمناوئة للتمييز والعنصرية.

ولأن الظاهرة متجسمة ومتفشية على نطاق واسع ولها آثارها المعقدة التي لا تزال ماثلة حتى الساعة فقد تباينت التجارب السينمائية في تجسيدها، ومن ذلك ما نشاهده في فيلم “روي في ويد” للمخرجين وكاتبي السيناريو نك لويب وكاثي ألين اللذين قدما صورة مجتمع تناحرت فيه الأهواء والدوافع وتقاطعت فيه القوانين إلى درجة تأجيج رفض عارم.

قضية الإجهاض

لعل ظاهرة الإجهاض من الظواهر التي كانت ولا تزال إحدى الإشكاليات المعقدة في أميركا، حيث تشير الإحصائيات إلى أنه في كل 30 ثانية هنالك جنين يتم قتله بعملية إجهاض، وأن هنالك أكثر من 60 مليون حالة إجهاض منذ صدور التشريع الذي صدر في مطلع السبعينات والذي يبيح هذه العملية.

الخطوط الدرامية في هذا الفيلم انقسمت إلى قوتين متكافئتين من خلال شخصيات متعارضة فيما بينها

تتجه المعالجة السينمائية في هذا الفيلم إلى ملامسة شتى التيارات الدينية والحزبية والتشريعية وكيف كانت تنظر إلى عملية الإجهاض، وكأننا إزاء نوع من الفيلم الوثائقي/ الدرامي الواقعي، إذ ينطلق من الحياة اليومية للطبيب بيرنارد (وهو نفسه مخرج الفيلم وكاتب السيناريو) الذي ينحدر من أسرة يهودية وهو الذي بسبب عجزه عن إيجاد حل لحمل صديقته منه يلجأ إلى إجهاضها، ومنذ تلك اللحظة يقرر أن يصبح طبيبا وأن يتخصص بعمليات الإجهاض.

وبهذا يلعب دورا في الدفاع عن حق المرأة في التخلص من الجنين من خلال ترؤسه جمعية مختصة، ومن ثم ممارسته عمليات الإجهاض سرّا وعلنا ودفاعه المستميت وجمعه ثروة من عشرات الآلاف من عمليات الإجهاض اليومية التي كان يقوم بها، بل إننا سوف نذهب مع أحداث الفيلم إلى ما هو أبعد من خلال مداهمة عيادات إجهاض بعضها يمارس عمله بشكل سرّي داخل فنادق الدرجة الأولى حيث تلقى الأجنة أكواما من الأنسجة والدماء في حاويات معدنية.

يلاحق المخرجان الظاهرة من زوايا سردية متعددة وبدا واضحا مدى حرصهما على الإحاطة بها من كل جانب، حيث تدخل الجماعات الدينية من يهود ومسيحيين كاثوليك إلى تيارات إلحادية ويسارية وجماعات الحريات الفردية ولكل منها موقفه ووجهة نظره الخاصة في هذه القضية الشائكة والمعقدة.

في إطار التنويع في بناء القصة السينمائية يلجأ المخرج إلى ما يعرف بسينما المرافعات والمحاكم، حيث تجري سجالات بين من هم مع ومن هم ضد، ومنهم المحافظون مثل وارين بيرغر الذي أدى دوره الممثل المخضرم جون فويت الذي يساعده في إنجاز المهمة الممثل كوربن برينسين الذي أدى دور القاضي بلاكمان، بالإضافة إلى روبرت دافي الذي أدى دور روبرت برينان والممثلة ستيسي داش في دور ميلدريد جيفرسون، وهي أول طبيبة أميركية جرّاحة من أصول أفريقية تتخرج من جامعة هارفارد وهي من أشد المعارضين لتشريع قانون يبيح عمليات الإجهاض.

في قلب الصراع

في ذروة المواجهة في مقاربة الظاهرة يصف الطبيب بيرنارد خطوات عمليات الإجهاض، بما في ذلك تهشيم جمجمة الجنين واستخراجه من الرحم قطعة قطعة، وفي مقابل تلك الصورة البشعة التي تهز الوجدان هنالك الصورة التبسيطية وهي عجز الأمهات عن توفير فرص حياة سليمة لأولئك الأطفال، ثم وجهة نظر أخرى وهي النظرة الفلسفية والإنسانية التي تفند مقولة أن المرأة لها الحرية الكاملة في التحكم بجسدها بينما الذي تهشمه حياته في جسد آخر.

لا تكاد تلمس أن الخطوط الدرامية في هذا الفيلم قد انقسمت إلى قوتين متكافئتين من خلال شخصيات متعارضة فيما بينها، بل إن الظاهرة تتسع إلى ما هو أبعد، إلى مساحة بشرية عريضة اشتغل عليها المخرجان من منطلق أنها ليست قضية فردية بل قضية رأي عام، ولهذا يتجه المخرجان إلى التنقل بين مستويات متعددة للرأي العام، مما مهد لمجمل ردود الأفعال بما في ذلك مواقف الرئيس ريتشارد نيكسون الذي شهد عهده ذروة ذلك الجدل والصراعات بين المؤيدين والمعارضين.

أما من ناحية الشكل الصوري فقد نجحت المعالجة الفيلمية في تقريبنا من شخصيات وأحداث ومتغيرات شهدتها تلك الحقبة، وعشنا مع الشخصيات أهواءها وتقلباتها وأنانيتها، في الوقت الذي كانت فيه الخلافات والصراعات تعصف بالمشهد كله وتقود إلى جدل لا ينتهي، وخاصة مع تباين مواقف الولايات وقوانينها الخاصة بها وهي قضية أخرى تم تسليط الضوء عليها.

الفيلم برمته ما هو إلا صورة مقربة واقعية نجح في رسمها ثلة من الممثلين المتميزين الذين نقلونا إلى قلب الصراع المتفجر الذي كان سائدا في ذلك الحين، والذي قاد إلى تظاهرات حاشدة وتكريس وسائل لكل طرف للتعبير عن مواقفه ضد الطرف الآخر، فضلا عن بروز تيار خطير وشديد التطرف والعنصرية وهو الذي كان ينادي بحق الإجهاض للنساء، ولكن وسط مجتمعات السود وذلك للحد من إنجابهم في مقابل تشجيع الإنجاب في صفوف البيض.

15