الإمارات تشغّل أولى محطات برّاكة.. وإيران تصعّد مع العالم

بينما الإمارات تحصد نتائج برنامجها النووي السلمي الذي ينتج الطاقة النظيفة بشفافية كانت إيران على موعد مع تطور يدفع الأوضاع باتجاه التوتر ويثير القلق من تصميمها على امتلاك قوة نووية.
الأربعاء 2021/04/21
الإمارات حجزت مقعداً لنفسها في النادي النووي

يُسلّط التشغيل التجاري لأولى محطات مشروع برّاكة الإماراتي للطاقة النووية السلمية الذي بدأ في الـ6 من أبريل الحالي الضوء بقوة على مفارقة لافتة في منطقة الخليج العربي، وطبيعي أن تكون منطقة على هذا المستوى من الأهمية حبلى بالمفارقات والمفاجآت.

مع انطلاق عمل المحطة الأولى قطعت دولة الإمارات العربية المتحدة شوطاً مهماً في بناء برنامجها النووي السلمي لتبلغ “محطة تاريخية”، على حدّ تعبير الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على طريق صناعة المستقبل الأفضل حيث ينعم الإنسان بنتائج التنمية المستدامة في مناخ خال من التلوث يسوده السلام والاستقرار. وفي الوقت نفسه، كانت إيران تستعد للبدء بإنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة في الـ14 من أبريل في خطوة تمثل تعزيزاً غير مسبوق لمحاولاتها تطوير قوة نووية تثير أغراضها غير المعلنة القلق إقليمياً وعالمياً.

وكان مشروع برّاكة الواقع في غرب إمارة أبو ظبي قد بدأ في العام 2012، بقيمة إجمالية تبلغ 25 مليار دولار. وهو يضم 4 مفاعلات نووية يُقدر العمر التشغيلي لكل منها 60 عاماً. وإذ انتهت المحطتان الأولى التي بدأت تعمل أخيراً والثانية، فقد أُنجز 94 في المئة من المحطة الثالثة و89 في المئة من الرابعة. واللافت أن بدء التشغيل يعني “انتهاء فترة الاختبارات للمفاعل النووي” الأول، ما يجعله مؤهلاً للعمل “وفق المتطلبات الرقابية المحلية والمعايير العالمية”، حسبما تذكر “مؤسسة الإمارات للطاقة النووية” على موقعها الإلكتروني.

هكذا حجزت الإمارات في الـ6 من أبريل مقعداً لنفسها في النادي النووي، إذ كانت الدولة الأولى عربيا والـ”31 عالميا” التي تستثمر في إنتاج الطاقة الكهربائية بواسطة التكنولوجيا النووية، وسط إعجاب المجتمع الدولي وتقدير هيئاته المختصة، بعد عشر سنوات من العمل الجاد على تنفيذ خطط التطوير بهدوء وشفافية. في هذا السياق يُذكر أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية والرابطة العالمية للمشغلين النوويين للمشروع قامتا بما يزيد على 42 عملية تقييم ومراجعة لجوانب البنية التحتية كافة ومعايير السلامة النووية ومدى استعداد الدولة للتعامل مع حالات الطوارئ وحظر الانتشار النووي.

في هذه الأثناء لا تهدأ جلبة التصريحات والتهديدات والاحتجاجات في إيران، حيث التوتر مستمر منذ بدأت تطور برنامجها النووي الذي تثير أهدافه العسكرية – السياسية المفترضة الجدل وتعتقد أنه سيتيح لها زعزعة الاستقرار وتهديد السلم متى شاءت. وهي تمضي في بنائه متحدية إرادة العالم والجهات الدولية المعنية بالحدّ من انتشار الأسلحة النووية.

وبرفع نسبة إنتاجها من اليورانيوم المخصب عن مستواه السابق 20 في المئة، الأعلى بكثير من النسبة 3.67 في المئة المسموح بها بموجب اتفاقية فيينا التي وقّعتها مع مجموعة 5+1 في 2015، تصبح إيران قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى معدل 90 في المئة اللازم لاستخدامات اليورانيوم لأغراض عسكرية، وهو ما تنفي أنها تسعى إليه، لكن من دون أن يصدقها كثيرون!

Thumbnail

في المقابل باتت الإمارات تحصل على 1400 ميغاواط من الكهرباء الصديقة للبيئة التي تنتجها محطة برّاكة الأولى، وذلك على مدار 24 ساعة ولستين عاماً من دون توقف تقريباً، كما ستحدّ من 21 مليون طن من الانبعاثات الكربونية كل عام، وهذا ما يساوي من حيث الأثر إغلاق شوارع الإمارات في وجه 3.2 مليون سيارة في السنة.

وسيتضاعف هذا القدر الوفير من الطاقة الصديقة للبيئة ثلاث مرات ليصبح 5600 ميغاواط سنوياً تكفي لإنارة 574 ألف منزل حين تنتهي المحطات الثلاث الأخرى ويعمل مشروع برّاكة بكامل قدرته. وسيؤدي كل ذلك في المحصلة إلى خفض تكلفة إنتاج الكهرباء بنسبة تتراوح بين50 و60 في المئة وبالتالي سيوفر على المستهلك في أنحاء الإمارات 10 في المئة من فاتورة الكهرباء التي يدفعها سنوياً.

ويمثل إنتاج كل هذه الطاقة النظيفة قفزة إلى الأمام لتحقيق أهداف دولة الإمارات المتعلقة بالاستدامة وخفض البصمة الكربونية وفاء لالتزاماتها بما يخص ظاهرة التغير المناخي، وهي تعهدات جسّدتها استراتيجية الطاقة 2050 التي تنص على خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 70 في المئة، ورفع معدل استعمال الطاقة النظيفة بـ50 في المئة وتحسين كفاءة الطاقة بنسبة 4 في المئة.

وتؤكد هذه الأرقام ريادة الإمارات عربياً. فصحيح أن هذا ليس جديداً، بل هو محسوم سلفاً، إذ باتت سبّاقة إقليمياً في كثير من المجالات التي يتزايد عددها باطّراد. لكن الإنجاز الجديد استثنائي ولا بد أن يعزّز الإعجاب بدولة صارت في الصدارة في ميدان الصناعة النووية السلمية في غضون خمسين سنة مع أن عاصمتها أبو ظبي كانت لا تكاد تجد الماء الصالح للشرب حتى أواخر ستينات القرن الماضي حين تم جره إليها من واحة العين، بينما باتت بعض أمهات الدول العربية في آخر الركب، هذا إذا كانت محظوظة ولم تتفتت أو تلتهم الحروب بعض أجزائها.

ضربت دولة الإمارات العربية المتحدة موعداً مع المستقبل منذ ولادتها قبل نحو خمسين عاماً، وقد أينعت ثمار الجهود التي أطلقها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس الدولة في 1971 وحانت مواسم القطاف. تتعدد النجاحات وتتنوع الإنجازات ويبقى الإنسان هو الهدف الثابت في كل ما تفعله، فتحقيق سعادته وازدهاره وتوفير حاجاته هو هدفها الأول والأخير.

هكذا تسير الإمارات كما يملي عليها استشرافها للمستقبل وحرصها على بناء الإنسان فتستثمر في الطاقة النظيفة والمتجددة وتدافع بشجاعة واقتدار عن البيئة لأنها تركز اهتمامها على الزمن الآتي لتبني خططها الاستراتيجية على أساس قراءتها لاحتياجاته واشتراطاته.

أما إيران، الساعية بحماس يغلب عليه القلق لامتلاك قدرات نووية، فتبدو مسكونة بالماضي ونزاعاته وصراعاته. وبدلا من الانفتاح على الآخر فإنها تخشى منه وتحاول أن تحصّن نفسها ضده، أو كما يقول الكثير من المراقبين تعمل بتصميم للهيمنة على هذا الآخر وحيازة قدرات تفوق ما لديه.

فهل تدرك طهران قبل فوات الأوان أن الحرب تضع مستقبل الجميع على كفّ عفريت وأن السلاح مهما كان فتاكاً فإنه ليس أمضى من الوفاق والتعاون؟ وبدلاً من استهداف بعضنا بعضاً ليتركز الاهتمام على مواجهة الأخطار البيئية التي تتهددنا جميعاً إذا كنا نريد لأولادنا وأحفادنا مستقبلاً أبهى وحياة أفضل.

8