الإنترنت ليست فضاء للتعدد والجدل والحرية

المواقع الاجتماعية أصبحت الفضاء الأساس للجدل على شبكة الإنترنت فطرأ تحول آخر على مفهوم السلطة في النقاش.
الجمعة 2020/10/16
مواقع التواصل ليست فضاء للنقاش بل للتشابه

ساد الظنّ في بداية ظهور الإنترنت والمواقع الاجتماعية أنها ستكون بمثابة “أغورا”، ساحة مفتوحة للجميع، وستسمح بتنقل أفضل للمعارف والمعلومات، وتجعل الجدل أكثر ثراء والديمقراطية أكثر حيويّة، ولكنها انقلبت إلى فضاء يهيمن فيه التلاعب بالعقول والأخبار الزائفة والاستغلال التجاري.

لا مراء أن الإنترنت ولّدت خيبات بقدر ما حملت من آمال، فهي كشبكة تواصل مفتوحة ولا مركزية خلقت طفرة في المساهمين، الساعين لإثراء الجدل حول كل ما يخص الإنسان في ماضيه وحاضره ومستقبله، وهي إذ منحت الإمكانيات نفسها لكل مستخدميها، كشفت بجلاء عن أنماط من الرؤى تعيش جنبا إلى جنب في المجتمع الواحد أحيانا.

 غير أن هذه الحرية لها وجهان: فمن ناحية أمكن لكل فرد، مهما كان تكوينه وسنّه وموقعه، أن يعبّر عن رأيه ويدافع عن قيمه ويطرح شبكة قراءته الخاصّة لقضايا مجتمعه. ومن ناحية أخرى، تكشّفت هذه الحرية عن ذاتانية عنيفة وشلَلية وعدوانية، فقد تحول الاختلاف في أنماط الرؤى إلى تباين في أشكال العقلانية إلى حدّ صار من الصعب معه الاتفاق على البدَهيّات والحقائق التي لم تعد تحتاج من زمن إلى بيّنة، ذلك أن الجماعات التي تستخدم الإنترنت لا تملك الإبستيمولوجيات نفسها.

صحيح أن تلك الاختلافات وُجدت قبل الإنترنت، ولكنها كانت زمن الميديا الجماهيرية محصورة في المجال الخاصّ، وغالبا ما تُمحى من المجال العامّ حسب مبدأ الأغلبية، حين كانت الكلمة الفصل لأهل الذكر ممن تحظى آراؤهم بأكثر قدر ممكن من التأييد، ولو ضمنيّا، فتُتّخذ كمعيار تقاس به آراء الأقلية. أمّا في هذا الفضاء المتعدّد الذي خلقته الإنترنت، فقد ظهرت أنماط رؤى أخرى انتشرت بحرية، فكانت سببا في تفجّر نزاعات قيمية في وضح النّهار.

سلطة جديدة

المواقع الاجتماعية أصبحت الفضاء الأساس للجدل على الإنترنت
المواقع الاجتماعية أصبحت الفضاء الأساس للجدل على الإنترنت

لقد أوجدت الإنترنت وفرة في الخطاب العام كان لها ثلاث نتائج رئيسية: أولا غربلة المعلومات التي كانت في العادة موكولة للصحافيين وباتت الآن تحت تصرّف محركات البحث والمواقع الاجتماعية؛ ثانيا حلول السُّمعة محلّ السلطة؛ ثالثا، سقوط الجدار الفاصل بين الحياة العامة والحياة الخاصة. فالمنصات عبر الإنترنت تعزز الانغلاق الأيديولوجي وتضخم عنف المبادلات، والتعديل فيها يتمّ بسرية تامة، مع بروز خطرين هما خصخصة الرقابة، وإمكانية وقوع معمار المراقبة وهياكلها تحت تصرف الأنظمة الاستبدادية.

في كتاب “زوال السحر عن الإنترنت”، يتوقف الفرنسي رومان بادوار عند التطورات الكبرى التي ميّزت الجدل على الشبكة، وأثرها في تحويل الكيفية التي يبنى بها المشترَك في نظام ديمقراطي.

من أهمّ تلك التطورات إعادة تشكيل ما يسميه رجال الإعلام “مراقبة البوّابة”، تلك السلطة التي يملكها الصحافيون في الوسائط الموجهة للجمهور العريض، والمقصود بها غربلة المعلومة، وتخير المواضيع التي تستحق أن تنشر على الملأ، والشخصيات الجديرة بأن تُدعى إلى المنابر، والكتب التي يمكن عرضها ومحاورة مؤلفيها. أي أنهم يقرّرون أي الفاعلين في المجتمع المدني يملك شرعية خوض الجدل العام.

عمل الانتخاب هذا صار اليوم غير ذي قيمة أو يكاد بسبب نموذج التواصل الذي أقرّته الإنترنت، فالحراسة لم تزل موجودة، ولكنّها باتت بأيدي فاعلين آخرين هم محركات البحث والشبكات الاجتماعية، التي ورثت سلطة سياسية هامّة بحصولها على نقاط مراقبة، ممثلة في مزوّدات حواسيب تمرّ عبرها المعلومة، وتستخدمها أيضا كأدوات مراقبة تملك القدرة على مصادرة ما تراه غير مناسب لشروط استخدامها.

من التحولات الكبرى أيضا إعادة تشكيل كلمة السلطة، حيث سوّت الإنترنت بين سائر مستخدميها وصار من الممكن تقنيّا لأي شخص أن يعبّر بحرية، عملا بمبدأ المساواة بين كل فئات المجتمع، وهكذا وجد الأساتذة والتلاميذ، الكتاب والقراء، الأطباء والمرضى، الخبراء والمبتدئون أنفسهم في مستوى واحد.

الإنترنت تساهم في فضح المسكوت عنه في شتى مجالات الحياة
الإنترنت تساهم في فضح المسكوت عنه في شتى مجالات الحياة

وبما أنّ المواقع الاجتماعية أصبحت الفضاء الأساس للجدل على الشبكة، طرأ تحول آخر على مفهوم السلطة في النقاش، من منطق وثاقة الصلة بين الحجة والموضوع، وقوة الإقناع، إلى منطق قوة الانتشار والتأثير. ففي فيسبوك مثلا وتويتر ويوتيوب، يحظى المستخدمون بقوة ضاربة غير متكافئة، حيث الغلبة لمن له على صفحته عدد أكبر من الأصدقاء والمتابعين، يمثلون أبواقا تردّد حججه ومواقفه، ورافعة هامّة ليس لإسماع صوته فحسب، وإنما أيضا لإعلائه على كلّ صوت معارض، ولو كان هذا المعارض ينطق بالحقيقة الساطعة، المستندة إلى قوانين علمية ثابتة.

علاوة على منطق الشعبية هذا، نجد تحولا أساسيّا آخر هو كسر الحد الفاصل بين الحياة الخاصة والحياة العامة. ففي عصر الميديا الجماهيرية، كانت للأفراد علاقات شخصية يعربون داخلها عن مشاغلهم اليومية، ويتحولون إلى مواطنين مجنَّدين لإبداء الرأي في المواضيع ذات المصلحة العامّة. هذا الفصل لم يعد موجودا في المواقع الاجتماعية، حيث يمكن لرأي خاص، أو شهادة، أو حالة ذاتية لا تخص إلا صاحبها، أن تتحول إلى موضوع نقاش، وربّما إلى خلاف، أي أن المواضيع المجتمعية باتت مشخصنة، مفصّلة على مقاس تجارب كل فرد ومصالحه.

تهديدات الإنترنت

من نتائج إزالة الحدود بين الخاص والعام أيضا أن مشاركة المعلومات في المواقع الاجتماعية تتخذ بعدا هوويّا، فعندما ينشر الفرد معلومة على تلك المنصّات، فهو لا يكتفي بنقلها وتمريرها بل يتّخذ منها موقفا، إما مُظهَرا بكتابة تعليق يرافقها، وإما مُضمَرا بشكل ينضوي ضمن دفق المنشورات التي تعكس محاور الاهتمام والمواضيع المفضّلة.

ما نشاركه مع أصدقائنا ومتابعينا يساهم في بناء هويّة رقمية، ويؤكّد انتماءنا إلى مجموعة أفكار وقيم وممارسات. وهذا يكتسي أهمية بالغة في إطار التنازع حول “الأخبار الزائفة”، فعندما نتناولها بالدرس والتحليل نكتشف أنّها تعكس تحدّيا للنخب السياسية والإعلامية، وتكتسي طابعا عدائيا يتلون بتغير الظرف والبيئة، فقد يكون في شكل معاداة للأجانب، أو المنظومة الحاكمة، أو حرية الضمير والمعتقد، بل إنه قد يأخذ شكل موقف سياسي انطلاقا من عناصر متخيلة، يروّجها بعضهم على أنها حقائق لا تقبل الطّعن.

مواقع التواصل

ورغم كلّ النقد الذي يمكن أن نوجهه للإنترنت والمواقع الاجتماعية، فلا نملك إلا أن نعترف بأنها لا تزال تخدم حرية التعبير والديمقراطية، وتساهم في فضح المسكوت عنه في شتى مجالات الحياة، إلا أنها لا تزال أيضا تمثل تهديدات حقيقية.

أول التهديدات التخلي عن الفضاء العام المشترك الذي يمكن أن تثار فيه القضايا المجتمعية الرئيسية، فالملاحظ أننا نشهد اليوم ما أسماه رومان بادوار “بلقنة” النقاش، حيث يفضل مستخدمو الإنترنت التواصل مع من يشاركهم قناعاتهم تجنبا للخصومات والمناوشات الكلامية مع الآخرين، ما يحدّ من قيمة النقاش وجدواه.

 وثانيها حدّة النقاش العامّ عبر الإنترنت، فثقافة التبادل الرائجة على المواقع الاجتماعية تشرّع أشكال العنف التعبيري على نحو يولّد آليات الرقابة الذاتية، إذ غالبا ما يفضل مستخدمو الإنترنت عدم التعبير عن أفكارهم خوفا من أن يكونوا ضحايا حملات مضايقة وتهديد وترهيب.

ينتج عن ذلك إفقار للجدل وتقليص للعلاقات الاجتماعية. ويبقى التهديد الأكبر هو استخدام الإنترنت كأداة مراقبة تتجسس الشركات العملاقة بواسطتها على المنخرطين، وتجمّع بياناتهم وخصوصياتهم لتبيعها لمن يدفع، وتوجّه رغباتهم لحثّهم على مزيد من الاستهلاك.

14