الاتحاد الأوروبي يدخل على خط الأزمة بين مصر وإيطاليا

روما تضغط من أجل فرض عقوبات أوروبية على القاهرة.
السبت 2020/12/19
الإيطاليون يضغطون على حكومة بلادهم للمضي في قضية ريجيني

اتخذت قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني بعدا دوليا، مع إمكانية فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على مصر، وتحاول القاهرة تخفيف الضغوط الإيطالية المتزايدة عبر مساومة روما ضمنيا بورقة الدبلوماسيين المدانين بتهريب آثار مصرية.

القاهرة – استبقت مصر إمكانية مناقشة الاتحاد الأوروبي طلبا إيطاليا بفرض عقوبات عليها، بحجة عدم تعاونها في قضية مقتل الناشط جوليو ريجيني، بمطالبة روما تسليمها دبلوماسيين سابقين بسفارتها في القاهرة، لتنفيذ حكم صادر بحبسهم بالسجن المشدد 15 عاما لإدانتهم بنهب آثار مصر.

وكانت رئيسة لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي ماريا أرينا، طالبت في وقت سابق الخميس بفرض عقوبات على الحكومة المصرية بسبب قضية ريجيني، وقالت إن الاتحاد الأوروبي صار عليه الوقوف بجانب الشعب المصري، على خلفية ما يثار من اتهامات تتعلق بارتكاب تجاوزات تتعلق بحقوق الإنسان.

وأبلغ الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الصحافيين بأن المنظمة ليس لها أن تتطرق إلى ما قد يقرره الاتحاد الأوروبي تجاه القاهرة، معربا عن قلقه إزاء تقلص الفضاء المدني في العديد من الدول.

إكرام بدرالدين: الحكومة الإيطالية ماضية في التصعيد ضد مصر
إكرام بدرالدين: الحكومة الإيطالية ماضية في التصعيد ضد مصر

وطالبت مصر الخميس الحكومة الإيطالية بسرعة الاستجابة وتسليم الدبلوماسيين السابقين، من بينهم لادسلاف أوتكر سكاكال الذي شغل منصب القنصل السابق لإيطاليا في القاهرة، لتهريبه قرابة 22 ألف قطعة أثرية إلى بلاده خلال عامي 2016 و2018، من خلال حاويات البعثة الدبلوماسية.

وقضت محكمة الجنايات المصرية بحكمها على المتهمين في 15 فبراير، وحتى الآن لم تقم السلطات الإيطالية بتسليمهم لمصر، كما قضت المحكمة آنذاك بإدانة آخرين شاركوا الإيطاليين في الجريمة، وقررت حبسهم 15 عاما.

وتعكس الخطوة المصرية الامتعاض من المسار، الذي سلكته روما باللجوء إلى الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات عليها، بشكل يحرج القاهرة، ويضاعف الضغوط الواقعة عليها في ملف شائك وحساس وتستخدمه بعض الأطراف ذريعة للتدخل في شؤونها.

واختارت القاهرة فتح وتدويل قضية سرقة الآثار، بعد وقت قصير من طلب روما من الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات، بدعوى عدم التعاون في التحقيقات، التي يجريها الادعاء الإيطالي للكشف عن هوية الضباط المتهمين بقتل وتعذيب جوليو ريجيني.

وفهم من تأخر القاهرة، في مطالبة روما بتسليم الدبلوماسيين، رغم صدور أحكام بإدانتهم قبل عشرة أشهر، بأنها كانت تدرك تعقيدات أزمة ريجيني واحتمال وصولها لهذه المحطة، ولا بد من الاحتفاظ بورقة الحكم إلى آخر لحظة، فيما تمسكت طوال الفترة الماضية بتغليب المصالح الاستراتيجية على فتح ملف الدبلوماسيين.

وتريد مصر توصيل رسالة إلى إيطاليا، بأنه بإمكانها مبارزتها بذات الطريقة، وتمتلك أوراق ضغط تستطيع توظيفها لإحراجها وإظهارها كدولة تتستر على مدانين بأحكام نهائية، وليسوا متهمين بأدلة تشكك في صحتها، كما تفعل روما مع الضباط الأربعة.

وتتوقع دوائر سياسية ألا تقدم الحكومة الإيطالية على خطوة من شأنها إثارة الرأي العام الداخلي والأحزاب ضدها بتسليم الدبلوماسيين السابقين للقاهرة لتنفيذ حكم بحبسهم، لأنها بذلك سوف تغامر وتضع نفسها في مواجهة غير محسوبة، مع تصاعد الضغوط ضدها واتهامها بشراء ودّ مصر على حساب حقوق الإنسان.

وتدرك روما أن القاهرة لن ترضخ بسهولة للضغوط وتتماهى مع محاكمة أربعة من ضباطها غيابيا، وتقوم بتسليمهم أو حتى محاسبتهم، بالتالي فإن الطرفين صارا يناوران بنفس الأوراق تقريبا، وأصبحت المواجهة بينهما على المكشوف، وإن كان تدويل قضية سرقة عند الغرب يختلف جذريا عن واقعة تمس حقوق الإنسان.

ويرى مراقبون أن تدويل القضيتين يحقق لكل طرف مصالح معينة، فالقاهرة من حقها مقايضة روما بتسليم الدبلوماسيين مقابل التجاوب مع غلق قضية الضباط الأربعة، وفي حال رفضها (روما) التعاون في هذا المسار، وهذا متوقع بقوة، فإن القاهرة يحق لها الامتناع عن التعاون قضائيا، لأن الطرف الآخر يتعامل بالمثل.

Thumbnail

وأكد الخبير في العلاقات الدولية إكرام بدرالدين، أن لجوء إيطاليا إلى الاتحاد الأوروبي خطوة تستهدف إظهار الحكومة هناك بأنها ماضية في التصعيد ضد مصر، رغم إدراكها بأن هذا التحرك لن يسفر عن شيء مهم، لأن الخلاف بين الدول الأعضاء بالاتحاد على ملف حقوق الإنسان أكبر من التفاهم على موقف مشترك.

وتلعب مصر بورقة احترام الغرب لاستقلالية القضاء وعدم التدخل في شؤونه وأحكامه، لقطع الطريق على إيطاليا وعدم التشكيك في إجراءات التقاضي التي تم اتباعها مع أعضاء البعثة الدبلوماسية، لأنه في هذه الحالة يحق لها التمسك بموقفها في عدم الاعتراف بمحاكمة ضباطها الأربعة المتورطين في قتل ريجيني لضعف الأدلة واعتمادها على روايات شهود.

وقد لا تهتم القاهرة بالتلويح بفرض عقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي، لأن مثل هذه التهديدات ليست حديثة العهد، وتكررت من قبل، واستطاعت التعامل معها من خلال شركاء دوليين تربطهم بالقاهرة مصالح استراتيجية.

وتدرك إيطاليا أنها لن تستطيع وحدها ممارسة الضغط على مصر في القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، دون تعريض مصالحها السياسية والاقتصادية للخطر، لذلك لجأت إلى تدويل قضية ريجيني وإدخال الاتحاد الأوروبي طرفا لقناعتها بأن غياب الظهير الدولي عنها، مع استمرارها في التصعيد بمفردها، قد يدفع القاهرة إلى خطوة غير محسوبة باستبدال روما بقوى أخرى غير مستعدة لربط سياساتها الخارجية بملف الحقوق والحريات مثل فرنسا.

ولفت إكرام بدرالدين لـ"العرب"، إلى أن روما غير مستعدة لخسارة مصالحها مع مصر، لذلك تجد خطابها الرسمي متوازنا، وتلجأ للاتحاد الأوروبي للإيحاء أمام الداخل بأنها صارمة مع القاهرة، والدوائر السياسية المصرية تفهم ذلك جيدا، وتتعامل بطمأنينة تجاه ما تسفر عنه الأيام المقبلة.

وقال رئيس مجلس النواب الإيطالي روبرتو فيكو قبل أيام، إن قضية ريجيني تعكس الضعف الأوروبي عندما يتعلق الأمر بموقف واحد في مجالات مثل حقوق الإنسان، ولو كانت هناك وقفة مشتركة بين فرنسا وإيطاليا لحلت هذه المشكلة منذ وقت طويل.

ونجحت مصر في إبعاد الملف الحقوقي عن مصالحها مع فرنسا، وهو ما تأمل في أن يتحقق مع إيطاليا، لكن حكومة الأخيرة تواجه ضغوطا من قبل الرأي العام الداخلي، وهو ما تدركه القاهرة.

وقال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي الثلاثاء، ردا على سؤال عما إذا كانت روما ستبحث سحب سفيرها من القاهرة مجددا أم لا، بأن بلاده ستدرس هذا الخيار، في حين أنه يدرك صعوبة تكرار خطوة فعلتها قبل عامين ولم يتغير شيء.

2