الانزعاج الجزائري الصامت من الشريك الفرنسي غير الموثوق

المفاجأة الروسية بقدر ما زعزعت الاطمئنان الفرنسي على نفوذها التاريخي في الساحل ومالي تحديدا، فإنها وضعت الدبلوماسية الجزائرية في حجمها الطبيعي غير القادر على حماية مصالح البلاد في محيطها.
السبت 2021/09/25
إلى متى المواقف الصامتة مما يجري بدول الجوار

إذا كانت فرنسا قد عبّرت عن انزعاجها الشديد من اتفاق وشيك بين الحكومة المالية ومجموعة "فاغنر" الأمنية الروسية، فإن وضع وموقف الجزائر باتا يثيران المزيد من الاستفهامات. فهي إلى غاية الآن تلتزم الصمت تجاه الرمال المتحركة باستمرار في خاصرتها الجنوبية. فموسكو وباريس البعيدتان بآلاف من الكيلومترات صارتا لاعبتين بارزتين في أكبر بؤر التوتر بمنطقة الساحل.

والجزائر التي تلملم أوراقها الدبلوماسية وسط ارتباك بسبب التباس مواقف الخصوم والحلفاء من مراعاة مصالح ودور أكبر شريك وجار لدولة مالي في المنطقة، تكون قد اختلطت عليها الأوراق بين نفوذ تاريخي للفرنسيين لكنه واضح المعالم والأهداف، وبين طموح روسي بدأ يتمدد في أفريقيا لكنه غامض الأهداف والغايات، ولا يُعلم منه إلا ذراع عسكرية محدودة العدد، لكنها تمهد الطريق لدور روسي مفاجئ للاعبين الكبار في القارة السمراء.

ويبدو أن موسكو التي اطمأنت على آبار النفط في ليبيا بفضل مجموعة فاغنر، وساهمت في استتباب الوضع في أفريقيا الوسطى لصالح حلفائها، تريد النزول في منطقة الساحل انطلاقا من بؤرة مالي، حتى ولو كان ذلك على حساب دور وموقف شريكها التاريخي في المنطقة (الجزائر)، ليبقى السؤال مطروحا كيف ومتى ترد الجزائر عن افتكاك أكبر الأوراق من بين أيديها؟

النزول المنتظر لقوات فاغنر في باماكو، كمخرج لاتفاق وشيك بين الحكومة المحلية وسلطات موسكو، حتى ولو أن الأخيرة تحاول الفصل بينها وبين المجموعة تلافيا لأي تأويل يورطها في انتشار روسي مزعج للقوى المتنافسة على الكعكة الأفريقية، يعتبر إيذانا بمرحلة جديدة في المنطقة.

وإذا كان التمكين والدفاع عن المصالح يخضعان دوما للمبررات والذرائع التي تسوق هنا وهناك، فإن ما ظهر على مواقف باريس وموسكو ينطوي على مخاطر كبرى في المنطقة. غير أن وجاهة المقاربة المذكورة تسقط أمام قوة النفوذ، لأن الجزائر التي رعت اتفاق السلام في مالي منذ العام 2015 لا تملك من الأدوات ما يقنع العالم بأن عسكرة محيطها ستكون عواقبها وخيمة لأن أي قوة سيكون بإمكانها الانسحاب بينما تبقى مالي في مالي والجزائر في الجزائر تواجهان مصيرهما، واستنزاف طاقاتهما وقدراتهما.

الجزائر التي تلملم أوراقها الدبلوماسية وسط ارتباك بسبب التباس مواقف الخصوم والحلفاء من مراعاة مصالح ودور أكبر شريك وجار لدولة مالي في المنطقة، تكون قد اختلطت عليها الأوراق بين نفوذ تاريخي للفرنسيين وبين طموح روسي بدأ يتمدد في أفريقيا لكنه غامض الأهداف والغايات

المفاجأة الروسية بقدر ما زعزعت الاطمئنان الفرنسي على نفوذها التاريخي في الساحل ومالي تحديدا، وقد تجبرها على إعادة حساباتها بشأن قرار الانسحاب التدريجي من باماكو، فإنها وضعت الدبلوماسية الجزائرية في حجمها الطبيعي غير القادر على حماية مصالح البلاد في محيطها.

الخطاب الديماغوجي المروج له من طرف الدعاية الداخلية اصطدم بأول حقيقة فرضتها مجموعة فاغنر، لأن الاتصالات المكثفة لوزير الخارجية رمطان لعمامرة وتخصيص مبعوث خاص للرئيس تبون يضطلع بالملف المذكور، لا أثر لهما في قرارات السلطات المالية الجديدة، فهي تتوجه بالاحتماء بقوات فاغنر دون العودة للجار والشريك ولا مراعاة لمصالحه وجهوده في إرساء السلام.

وأثبت التمدد الروسي المفاجئ أن العلاقات التاريخية بين موسكو والجزائر، والصفقات العسكرية الضخمة، والأحاديث المتداولة حول حلف البلدين والعلاقات الاستراتجية، لم ترق إلى مستوى رعاية المصالح وتقدير الجهود. فحتى مجرد صفقة محدودة بين حكومة مالي ومجموعة فاغنر كانت كافية لنسف علاقات متراكمة، لأن الحسابات الروسية تكون بصدد رصد آفاق جديدة في القارة، ولم تعد تكتفي بالشراكة مع الجزائر فقط والمرور عبرها لأي مصلحة في أفريقيا.

والأكيد أن موسكو تدرك انزعاج شريكها الصامت إلى حد الآن، لكن رغبتها الجامحة في فتح أفاق جديدة في القارة السمراء، والدخول على خط المنافسة مع الفرنسيين والأميركيين وحتى الصينيين والأتراك، ولو أن الأدوات تختلف عن الآخرين الذين يوظفون المال إلى جانب السلاح، فإن الروس يكتفون إلى حد الآن بمجموعة فاغنر كممهد لمسار جديد أو بالون اختبار لجس نبض ردود الفعل وقياس الإمكانيات المتاحة.

والجزائر الآن أمام حقيقة تعري الخطاب الدعائي لعودة الدبلوماسية إلى محيطها الجغرافي. فالاتصالات المكثفة والجولات المكوكية لم تحقق الأمل المنشود، ولو أن الورقة الأهم لا زالت بين أيديها. ففرنسا التي اختارت الانسحاب التدريجي من مالي وترك الوضع في المنطقة لأهله ستترك فراغا لا يملأه إلا الجيش الجزائري.

ما يحدث في مالي والنيجر وفي دول الجوار عموما يمثل أولوية للجزائر لأنها عمقها الاستراتيجي، لكن لا ضير في استعمال آلات الحساب، لأن العبرة في العائد والمردودية، وإلا ما معنى شراكات استراتيجية رهنت البلاد للاتحاد الأوروبي، ومنحت حصرية التسليح للروس

وروسيا غير الضليعة بالتضاريس الصحراوية وحرب العصابات والميدان المفتوح، تكون على وشك المجازفة بأحد أذرعها ووضعه في فم الأسد، لأن الوضع في مالي والمنطقة عموما يختلف عما هو في سوريا أو أفريقيا الوسطى أو أوروبا الشرقية، وقد تجد نفسها في مأزق غير مألوف.

والجزائر التي لا زالت تتردد بشأن تعدي جيشها لحدوده الإقليمية للدفاع عن مصالحها لدى الطرف الآخر، بسبب الجدل السياسي في الداخل، على اعتبار أنه تحول غير مسبوق في عقيدته. وبسبب التباس الوضع في المنطقة، قد تجد نفسها مجبرة على فرض الأمر الواقع بواسطة دور العسكر على الأرض، لتدارك الفشل الدبلوماسي، لأن الدفاع عن البلاد قد يكون داخل الحدود كما قد يكون خارجها.

مجموعة فاغنر مجموعة عناصر شبه عسكرية تؤدي مهام مكملة لما لا تستطيع روسيا الرسمية القيام به. لكنها قوة اقتصادية وتجارية ضخمة وصل تأثيرها إلى الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ولا يدري أحد ما بعد الاتفاق الوشيك لحماية الأمن في باماكو، إن كان الأمر يتوقف هناك أم يمتد لمجالات أخرى في إطار سياق آخر.

لكن كيف يكون موقف ووضع الجزائر في هذه الحال، وهي المنهكة اقتصاديا واجتماعيا وغير قادرة على التكفل بحاجياتها وانشغالاتها الداخلية؟ الأكيد أن البداية ستكون بمراجعة قواعدها الدبلوماسية والقطع مع خطاباتها التاريخية التي صنفت الشعارات قبل البراغماتية. فقد مسحت منذ سنوات ديونا أفريقية وعربية دون عائد استراتيجي، ولما سئل أحد مسؤوليها عن الموضوع، رد بالقول "الجزائر لا تقدم خدماتها الإنسانية من أجل الاستغلال السياسي".

ما يحدث في مالي والنيجر وفي دول الجوار عموما يمثل أولوية للجزائر لأنها عمقها الاستراتيجي، لكن لا ضير في استعمال آلات الحساب، لأن العبرة في العائد والمردودية، وإلا ما معنى شراكات استراتيجية رهنت البلاد للاتحاد الأوروبي، ومنحت حصرية التسليح للروس، وفتحت الأسواق للصينيين والأتراك، وبعدها تأتي فاغنر على تخوم مؤخرتها؟

9