البحث عن الستر

بوريس جونسون سياسي من الطينة الجديدة. التقريع والتأنيب من عدته السياسية. لم يتخل عن هذه العدة منذ أن كان صحافيا مشاغبا. يبدو أنه يفضلها لإدراكه بأن الناس صارت تعيش على الإثارة.
الأربعاء 2019/07/31
بوريس جونسون يحتاج إلى الهدوء

هناك جيل جديد من السياسيين في العالم. جيل لا يخشى المواجهات والحملات الإعلامية ضده. لديه مناعة ضد التقريع والتأنيب. لوم السياسيين جزء من حياتهم. لكنه لوم كان ضمن سياق مخاطر المهنة. إذا زاد عن حدّه وثبت بالدليل أو بالإيحاء بأنه كان في مكانه، يستقيل السياسي وتنتهي القصة. اللوم صار تقريعا بل وسبابا في بعض الأحيان، ولكن السياسي لا يهتم أو ينتبه. أو هكذا يدّعي.

أتوقع أن يصحو الرئيس الأميركي دونالد ترامب باكرا وينظر في هاتفه. اليوم الذي يجد فيه شاشته خالية من الانتقادات المقذعة، سيفكر أن ثمة خطأ في سلوكه أو قراراته. يبدو وجه ترامب متوردا بالنشوة وهو يتعرض للانتقادات. الملاكمة المعنوية مع الآخرين هي جزء أساس من حياته، بل هي ما أوصله إلى مقعد الرئاسة.

كنا نعتقد أن العدوى لن تنتقل إلى أوروبا، وخصوصا إلى بريطانيا. بريطانيا بلد محافظ. يقف رئيس الوزراء في جلسة الاستجواب البرلمانية ويردّ على سلاطة لسان زعيم المعارضة. كل هذا يتم بهدوء يميّز الإنكليز. يتقارعان الحجة بالحجة بلغة ذكية ويسخران من بعضهما برقي. ويغلقان الملف ويذهبان إلى أشغالهما بوقار، من فاز في الجولة أو من خسرها.

تيريزا ماي قد تكون آخر رئيسة حكومة بريطانية تنتمي إلى هذا الوقار. كانت قائدة فاشلة لكنها وقورة. عندما تعالت أصوات الانتقادات وقبل أن تتحول إلى تقريع، تصرفت على نسق بريطاني مألوف بأن يستقيل رئيس الحزب الحاكم من رئاسة الحزب وتلقائيا من رئاسة الحكومة. شكرا لكم، هذا أفضل ما عندي.

بوريس جونسون سياسي من الطينة الجديدة. التقريع والتأنيب من عدته السياسية. لم يتخل عن هذه العدة منذ أن كان صحافيا مشاغبا. يبدو أنه يفضلها لإدراكه بأن الناس صارت تعيش على الإثارة التي تجتذبها هذه الطريقة في الحديث عن الأشياء والآخرين. أدخلها عالم السياسة من بوابة عمودية لندن، ثم استساغها أكثر في حملة البريكست، وأخيرا كانت وسيلته للوصول إلى رئاسة الحكومة بعد تهشيم -إن جاز التعبير- “منافسته” تيريزا ماي وخطتها المستحيلة للخروج من الاتحاد الأوروبي.

مشكلة جونسون الآن أنه يحتاج إلى الهدوء لكي يتحرك ويقود البلاد في مرحلة مفصلية في تاريخها. عصبة الصقور المحيطة به ستبدأ بالتفكك ما إن يبدو واضحا أن لسانه كان قادرا على جلد الآخرين، ولكنه يجب أن يتحول إلى دور آخر لم يعتد عليه: أن ينطق بموضوعية وألّا يلومنّ إلا نفسه. المعارضة متعبة وتيريزا ماي ذهبت للبيت وهو المسؤول الآن. لوم وتقريع الاتحاد الأوروبي ليس على جدول الأعمال.

ترامب يستطيع الاستمرار بالعيش على الأزمات. وضع جونسون شيء آخر. ربما للمرة الأولى يبحث عن الستر.

24