البهائيون في تونس يصعدون قضائيا مع السلطات بسبب منعهم من إنشاء جمعية تحتضنهم

اتهامات للحكومة بالاستناد إلى فتوى رسمية من مفتي تونس تكفّر البهائيين.
الخميس 2021/07/22
الحقوق والحريات لا تتجزأ

صعّد البهائيون في تونس وهم أقلية ضد السلطات عبر اللجوء إلى القضاء من أجل انتزاع اعتراف رسمي بهم بتمكينهم من تأسيس جمعية حيث من المقرر أن تنطلق الخميس عملية الاستماع إلى هؤلاء في النيابة العمومية لكن ذلك لا يبعث برسائل طمأنة للبهائيين الذين يلوّحون باللجوء إلى القضاء الدولي إذا لم ينصفهم القضاء التونسي خاصة أن هناك فتوى رسمية صادرة عن مفتي الديار التونسية عثمان بطيخ تكفّرهم وهي التي استندت عليها الحكومة في رفض منحهم ترخيصا لإنشاء جمعية.

تونس – تستمع النيابة العمومية في تونس الخميس إلى البهائيين الذين يعدون أقلية في البلاد في إطار شكاوى قدموها ضد مفتي الجمهورية التونسية عثمان بطيخ الذي يتهمونه بتكفيرهم على خلفية مطالبتهم بتأسيس جمعية خاصة بهم.

وقال عضو المكتب الإعلامي لجمعية البهائيين التونسيين محمد بن موسى إن “النيابة العمومية في تونس ستستمع إلينا في شكاوينا التي تقدمنا بها ضد مفتي الجمهورية الذي أصدر فتاوى تكفّرنا”.

وتعود القصة إلى تقدم ممثلين عن البهائيين بطلب رسمي إلى الحكومة التونسية من أجل الحصول على ترخيص لإنشاء جمعية لكن الحكومة رفضت ذلك استنادا إلى فتوى صادرة عن مفتي الديار التونسية.

وبالرغم من أن ثورة الـ14 من يناير التي أطاحت بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي قد أشاعت أجواء من التفاؤل لدى العديد من الأوساط والأقليات بشأن إمكانية خروجها للنشاط علنا إلا أن المخاوف تتفاقم بشكل يومي بشأن الارتداد على المكاسب التي تضمنها دستور 2014 حول حرية الضمير والمعتقد.

ولا يزال هؤلاء البهائيون يُكابدون من أجل انتزاع اعتراف رسمي بهم لتأسيس جمعيتهم التي يقولون إنها ستعمل في كنف احترام قوانين البلاد وتشريعاتها ومن بينها الدستور الذي ساهموا أصلا في صياغته.

محمد صالح العبيدي: قضية البهائيين تشكل امتحانا للحريات في تونس وتحصينها
محمد صالح العبيدي: قضية البهائيين تشكل امتحانا للحريات في تونس وتحصينها

مواجهة قضائية

استنفد الممثلون عن الجمعية البهائية في تونس كل الحلول مع السلطات بشأن تشكيل جمعيتهم بشكل رسمي، فبالرغم من أنهم تقدموا بكافة الوثائق المطلوبة لإنشائها إلا أن السلطات رفضت منحهم ترخيصا وهو ما دفعهم إلى التظلم في البداية لدى المحكمة الإدارية التي أنصفتهم لكن ذلك لم يثن رئاسة الحكومة عن مواصلة رفض منحهم ترخيصا.

وفي وقت سابق ندد ممثلون عن الجمعية بتكفير السلطات لهم وفق قولهم مشيرين إلى أن رئاسة الحكومة طلبت منهم حذف مصطلح “بهائية” من اسم الجمعية حتى يتم منحهم الترخيص مستندة في ذلك إلى فتوى رسمية أطلقها مفتي تونس عثمان بطيخ.

وأوضحوا أن رئاسة الحكومة اعتبرتهم كفّارا بالاستناد إلى تلك الفتوى وهو ما يعرّض حياتهم إلى الخطر ما دفعهم إلى ملاحقة رئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ ورئيس الحكومة الحالي هشام المشيشي ومفتي الديار قضائيا.

واعتبر عضو المكتب الإعلامي للجمعية محمد بن موسى أن الفتوى الصادرة تمثل تحريضا عليهم كمواطنين مشيرا إلى أنه إذا لم ينصفهم القضاء المحلي فإنهم سيلجأون إلى تدويل قضيتهم.

وقال بن موسى في تصريح لـ “العرب”، “كلنا ثقة في القضاء التونسي.. الحكم الذي صدر من المحكمة الإدارية رائع وهو حكم أنصفنا ويمكن تدريسه في كبرى جامعات الحقوق”.

وأضاف أن “وكيل الجمهورية قبل شكوانا بعد أن رأى فيها ظلما صارخا ضدنا.. الفتوى الصادرة فيها مسّ منا وتم وضعنا في موقف خطير جدا.. الفتوى الصادرة عن المفتي وعن رئاسة الحكومة التونسية وعن وزير الشؤون الدينية كأنها دعوة مبطّنة للقتل وسفك دماء التونسيين، هذا لم يفعله إرهابي بل للأسف التكفير صادر عن الدولة التونسية عبر فتوى رسمية”.

وأوضح أنه “إذا لم يتم إنصافنا محليا سندوّل قضيتنا لأنه لا يمكن لتونس المعروفة بالتعايش والديمقراطية والمواطنة أن يتم فيها  التعدي علينا دون رد”.

ولا توجد أرقام رسمية حول البهائيين في تونس لكن تصريحات متفرقة تشير إلى أنه يوجد ما لا يقل عن 25 ألف بهائي في البلاد ينتظرون اعترافا رسميا بهم بعد عقود من التهميش المتواصل من قبل السلطات لهم.

محمد بن موسى: سنلجأ إلى القضاء الدولي لضمان حقوق البهائيين إذا لزم الأمر
محمد بن موسى: سنلجأ إلى القضاء الدولي لضمان حقوق البهائيين إذا لزم الأمر

ووفق الموقع الرسمي للبهائيين “البهائيون في تونس” يعود تاريخ ظهور البهائيين في تونس إلى العام 1921 مع قدوم محيي الدين الكردي، وهو بهائي مصري من شيوخ الأزهر، أتى لينشر رسالة بهاء الله مؤسس الدين البهائي.

ومنذ ذلك الحين قرر العديد من التونسيين اعتناق الديانة البهائية من خلال نشر رسائلها إلى الأصدقاء والزملاء في العمل وغيرهم، لكنّ السلطات تمتنع عن منحهم ترخيصا لممارسة نشاطاتهم حتى بعد نيل تونس استقلالها في 1956.

وفي مقابل عدم الاعتراف بهم لم تفتح السلطات مواجهة معهم من خلال التضييق عليهم أو عبر ممارسات أخرى، إلى أن تم إقرار قانون حول “الاجتماعات العامة والمواكب والاستعراضات والتظاهرات والتجمهر” في العام 1969 ما أدّى إلى حل المحفل الروحاني الإقليمي لشمال أفريقيا ومقرّه تونس.

ولم يستسلم معتنقو البهائية لهذه الخطوة حيث أعادوا فتح المحفل خلال انتخابات 1972 قبل أن يُغلق المركز البهائي العام سنة 1984، لكن المحفل الروحاني المركزي واصل عمله على الرغم من عدم توفّر رخصة قانونية إلى حين كتابة هذه السطور.

وتحمّل مجموعة من البهائيين تحدثت معهم “العرب” السلطات التونسية مسؤولية أيّ أذى يلحقهم بسبب الفتوى الصادرة عن مفتي الديار مشيرين إلى أن مطالبهم يمكن اختزالها في السماح لهم بإنشاء جمعية وتنظيم أنشطة ضمنها، إلى جانب مقبرة خاصة بهم باعتبار أن لديهم طقوسهم الخاصة.

ويؤكد بن موسى أن “الجمعية هدفها واضح من خلال قانونها الأساسي فنحن لا نعتزم القيام بأيّ نشاط مخالف لقوانين البلاد بل العكس سنعمل على تعزيز قيم المواطنة والتعايش السلمي”.

اختبار للحريات

Thumbnail

بالرغم من أن السلطات تواجه انتقادات لاذعة بشأن التعاطي مع الاحتجاجات وغيرها إلا أن مراقبين تونسيين يرون أن قضية البهائيين تشكل اختبارا جديا لمسألة الحريات في تونس.

وفي الواقع لم يزد رفض السلطات منح هؤلاء ترخيصا لجمعيتهم إلا إصرارا على افتكاك حقوقهم بمختلف الطرق التي يمكن اتباعها، ففي البداية اختار البهائيون توجيه رسالة في العام 2017 إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي من أجل التظلم لديه من التمييز على أساس الدين.

وقال المحلل السياسي محمد صالح العبيدي إن “الخطابات التحريضية ضد المختلفين تتزايد في تونس مع صعود الشعبويين إلى البرلمان. أعتقد أن قضية البهائيين كما غيرها من القضايا الحساسة تشكل امتحانا للحريات في تونس ومدى تحصينها”.

وأضاف العبيدي في تصريح لـ “العرب” أن “دستور 2014 رغم الهنات التي شابته إلا أنه كان يمثل منح كل التونسيين باختلافاتهم بارقة أمل بشأن الحقوق والحريات لكن تلك الحريات تشهد تراجعا، أتمنى أن يقوم القضاء بدور بنّاء في هذه القضية حتى يطمئن التونسيون جميعا”.

وأوضح أن “تجربة الانتقال الديمقراطي كلها على المحك اليوم، على الطبقة السياسية وعلى السلطات أن تعمل على تحسين أدائها والانصراف عن اللجوء لقمع الاحتجاجات والحريات الفردية لأن ذلك له تداعيات لا تقتصر على الداخل فقط، فصورة تونس ما بعد الثورة برمتها اليوم مهددة”.

25 ألف بهائي موجودون في تونس وفقا لتصريحات متفرقة حيث لا توجد أرقام رسمية حول عددهم

وبالرغم من الإشادات الدولية والأممية بما أنجزته تونس خلال عشرية ما بعد الثورة من تكريس للحريات العامة إلا أن ما يحدث من تضييقات على الأقليات الجنسية والدينية يُنذر بفشل التجربة الديمقراطية التي يرهن البعض نجاحها باحترام تام للحريات سواء أكانت عامة أم فردية.

وحاول الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي تحديث منظومة الحريات الفردية والحقوق في تونس من خلال بعث لجنة خاصة في العام 2017، غير أن مخرجات ذلك التقرير لا تزال حبيسة أدراج البرلمان، ومن غير المتوقع أن تخرج للمناقشة والمصادقة عليها في ظل هيمنة المحافظين على المجلس النيابي المنقسم أصلا.

ويرى محمد صالح العبيدي أن “تقدم البلاد اليوم يبقى مرتبطا بمدى احترامها لحريات مواطنيها.. على تونس تطوير تشريعاتها في اتجاه تعزيز الحريات لا قمعها سواء الحريات الفردية أو العامة وللأسف حتى دستور 2014 يشرّع لعملية إقصاء مثلا على أساس الدين في المشاركة السياسية مثل الانتخابات”.

وأردف “مثلا رئيس الجمهورية لا يمكن إلا أن يكون مسلما، هذا فيه إقصاء ويمهد للإقصاء.. لابد من تطوير هذه التشريعات لبناء ديمقراطية صلبة ودولة تضم كل أبنائها فلا أحد يحتكر صكوك التوبة أو الإيمان حتى يكفّر الآخرين كما لا أحد يحتكر صكوك الوطنية”.

13