التخبط في مستنقع الجثث الهامدة

الانقسام الفلسطيني تحول إلى جثة فكل المساعي التي بذلت لرأب الصدع كانت تدور حول التفاصيل السلطوية و"مكاسبها"، ولم يملك أي من الطرفين إستراتيجية ناضجة لإخراج قضية شعبهما من المستنقع متعدد الأوجه.
الأربعاء 2020/11/25
سلطة لا تملك خيارات أكثر مما يعرف الفلسطينيون نتائجه

شيء جارح أن يُظهر الرئيس الفلسطيني عجزا عن إدراك الأساسيات، وأن يكون انفعاليا، وأن يفشل في السير على صراط مستقيم حيال شعبه، وألا يجد من يضبط له قراره فيسنده إلى دراسة عميقة، وألا ينظر في العواقب، وألا يحلل النتائج قبل وقوعها. شيء جارح أن يتخبط.

من الهجوم الظالم على الإمارات، إلى التعامل الانفعالي مع إسرائيل، إلى الانقلاب السريع على هذا وذاك، إلى عودة التنسيق الأمني على نحو مخز، إلى كل المظاهر التي تشير إلى شلل السلطة، وعجزها أن تكون سلطة مؤسسات، وتحولها إلى سلطة قرار فردي، فإن التخبط ليس مجرد علامة من علامات النزق، ولا هو مجرد علامة من علامات الشيخوخة، ولكنه فوق كل شيء علامة من علامات الموت.

الفلسطينيون بلا رئيس، من الناحية الفعلية. القرارات العشوائية التي يتخذها الرئيس محمود عباس، ليست ضارة فحسب، ولكنها مدمرة أيضا. ولقد أوقع الرئيس عباس قضية شعبه في مطب، كلما طال البقاء فيه، كلما أصبح الخروج منه أصعب. وها هو الخروج اليوم يقترب من حدود المستحيل.

اتفاقات أوسلو التي تعطلت، كان يمكن للفلسطينيين، بما توفر لهم من عزائم المقاومة المدنية ضد الاحتلال، أن يعيدوا إحياءها أو فرضها، أو الخروج منها لتبقى المقاومة. ولكن سلطة الرئيس عباس قتلت روح المقاومة دفاعا عن سلطة – جثة، وعن اتفاق سلام تحول هو نفسه إلى جثة.

هذه كانت هي الخطيئة الأكبر، لكي لا نقول الجريمة الأكبر التي اقترفتها سلطة الرئيس عباس. وهي جريمة يتحمل كل الذين يحيطون به جزءا كبيرا من أوزارها، ممن لم يجرؤوا على تقويم خيارات رئيسهم.

لقد غرقوا في وهم ما كانوا يعتبرونه “إنجازا”، برغم أن “إنجاز السلطة” ظل فارغا، من معناه، ومنخورا من كل النواحي الإجرائية، وهزيلا من الناحية التنفيذية.

“إنجاز السلطة”، كان بديلهم عن “سلطة الإنجاز”. وهذا ليس مجرد تلاعب لغوي. إنه الحقيقة المُرة التي جعلت الغارقين في عسل السلطة، لا يرون المرارات التي يعيشها شعبهم من جراء الحلول الناقصة والخيارات التي لا تؤدي إلى تحقيق الهدف.

سلطة الإنجاز كانت هي المطلوب لجعل عملية السلام تمضي قدما. وعندما تفشل، فقد كان أول شيء يتعين أن تفعله، هو أن تنسحب، لتترك للناس الخيار. ولكن سلطة الرئيس عباس آثرت أن تقف في مكانها، معتبرة أنه هو بحد ذاته مكسب، وأنها يجب أن تحافظ عليه. وكان ذلك خيارا، يعني في الواقع، قبولا مسبقا للعجز والفشل.

إسرائيل ليست غبية. لقد كانت تقرأ ما يحصل في سلطة الفشل. وكانت هي التي تحقق إنجازها الخاص، على مرأى الجثة الهامدة (السلطة الفلسطينية). ورغم أن تلك الجثة ظلت تُصدر أصواتا، من حين إلى آخر، ببيانات التنديد والغضب والتعكز على مقررات الشرعية الدولية، إلا أن إسرائيل كانت ترى أنها سلطة مكبلة مرتين. الأولى، باتفاقات ميتة. والثانية، بالفشل الذي اختارته لنفسها، طوعا لا كرها.

وبعد كل ما كشفه الرئيس عباس ومحيطه من تخبط، فإن الوقت قد حان لمواجهة الأسئلة الأخيرة.

إنها سلطة عجز وشلل وفشل. ولا تملك خيارات أكثر مما يعرف الفلسطينيون نتائجه، ويدفعون ثمنه كل يوم.

ولا يوجد لديهم رئيس. وهو كلما قال أو فعل شيئا، جرح نفسه به، وزاد آلام شعبه، وضاعف الخسارة.

الانقسام الفلسطيني تحول إلى جثة أخرى
الانقسام الفلسطيني تحول إلى جثة أخرى

الانقسام الفلسطيني، تحول إلى جثة أخرى. فكل المساعي التي بذلت لرأب الصدع، كانت تدور حول التفاصيل السلطوية و”مكاسبها”. ولم يملك أي من الطرفين إستراتيجية ناضجة لإخراج قضية شعبهما من المستنقع متعدد الأوجه لفشلهما الإداري والسياسي. حتى أصبح بقاء الانقسام تعلة مفيدة للطرفين، لكي يعلقا على شماعته فشلهما الخاص. وهما إذ يعرفان فوائد الانقسام وميزاته الانتهازية ومبيعاته الشعاراتية الفارغة وتواطؤاته الخارجية، فإنهما لا يعرفان في الواقع ماذا يفعلان برأبه. لا يعرفان ما معنى أن تكون للشعب الفلسطيني سلطة واحدة، ولا قضية واحدة أصلا.

إسرائيل دولة تبني. أليس ذلك واضحا؟ ولكنها لا تبني بمحض قدرتها على فرض الوقائع بالقسر أو القوة، فحسب. وإنما بعجز الطرف الآخر عن أن يكون قوة بناء لنفسه.

أول ما سوف يقال في الرد على هذه الحجة، هو أن إسرائيل لم تكن لتسمح بأي شيء. وهذا كذب من ناحيتين اثنتين على الأقل.

الأولى، هي أن بناء سلطة مؤسسات، تعرف وتضع أسسا لصناعة القرار، شأن داخلي فلسطيني. وهذه السلطة، لكي تكون كيانا محترما، فإنها ما كانت لتتخذ قرارا، أو تتبنى توجها من دون دراسة متأنية، يقوم بها خبراء وباحثون، لا “أبوات” خرجوا من بطون أمهاتهم “عباقرة”.

والثانية، هي أن سلطة وجدت نفسها مكبلة وعاجزة، فلماذا اختارت أن تبقى كذلك أصلا؟ ما المنفعة التي كانت تنتظرها هذه السلطة، غير منافع الفساد الشخصي؟ ولماذا اختارت أن تقتل روح المقاومة في شعبها أصلا؟ وإذ يعرف المسؤولون الفلسطينيون حدود عجزهم، فلماذا ظلوا يكذبون على شعبهم، ويفرشون لهم بساط الأمل الفارغ؟ ولماذا اختاروا أن يرددوا شعاراتهم الغاضبة، وهم يقتاتون على خنوعهم المخزي مع سلطة الاحتلال؟

المتاجرة بالقضية، كانت جثة أخرى. ولقد افتضحت عندما ظل المسؤولون الفلسطينيون يبيعون ما لا يفعلون ويطلبون من الغير ما لا يطلبونه من أنفسهم.

وهل كان من المناسب أصلا، بالنسبة لشعب يعرف ما يريد، أن يضعه قادته في جيب هذه المصلحة أو تلك أو في خضم هذا التنازع أو ذاك؟

ولئن كان “الإجماع العربي” مقدسا، فلماذا أهانوه بوضع البيضة تارة في هذه السلة، وتارة في تلك؟

وهل كان الحمق، في العلاقة مع كل الدول العربية، ضروريا؟ ألم يكن التمسك بالهدف من الإجماع، التمسك بمعناه، التمسك بغاياته، هو العروة الوثقى؟

لقد انتهى المسؤولون الفلسطينيون من تخبط إلى تخبط أسوأ منه، ليس لأنهم محاصرون. هذه كذبة أخرى. بل لأنهم كانوا عاجزين عن رؤية بقية الطريق الذي اختاروا المضي فيه. فوقفوا في الوسط، لا هم قادرون على التراجع، ولا هم قادرون على المضي قدما في ما لا أمل فيه.

وقد لا تعرف، اليوم، كم بقي مما يمكن إنقاذه، أو كيف، ولكنك تعرف أن سلطة التخبط ليست هي الحل، ولن يسعها أن تقدم أكثر مما قدمت.

ضع الاعتبارات الشخصية جانبا. اكتب ما شئت من القصائد في مديح الإرث الشخصي المجيد للرئيس عباس. ولكن ذلك لا يغني عن الواقع شيئا. ولا هو يطفئ جمر المرارة والخسران أصلا.

والوقت ضيق إلى أقصى حد.

الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى رئيس جديد فحسب، بل إلى إدارة جديدة كليا. إنهم بحاجة إلى أن يتبينوا طريقا للخروج من مستنقع الجثث الهامدة.

8