التشهير بالمتحرشين يحتاج إلى دعم قوي من الأسرة

استنكار بعض الآباء لفكرة فضح المتحرش يشجعه على التمادي.
الخميس 2021/03/04
خوف الأسر على سمعة بناتهن يحول دون توسيع تطبيق إجراء التشهير بالمتحرش

قوبلت عقوبة التشهير بالمتحرشين التي أقرّتها السعودية بوجهات نظر دينية استندت إلى حجة أن الدين الإسلامي حث على الستر من الفضيحة، وهي نفس الآراء التي اعتادت تبرير التحرش بملابس النساء وأخلاقهن وتصرفاتهن، ما حال دون توسيع تطبيقها في بلدان أخرى. وفي حين يرى مؤيدون للخطوة أنها كفيلة بحماية المجتمع والمرأة من أيّ مضايقات يرى شق آخر أنها مدخل لفضح البنات وإلحاق العار بهن.

خلص مجلس الوزراء السعودي إلى أن إقرار عقوبة التشهير بالمتحرشين ضمانة لحماية النساء والمجتمع عموما من هذه الفئة التي تحتاج إلى الردع بكل السبل، لترهيب من يفكر في الإقدام على الخطوة، وكي يفكر أكثر من مرة في تباعتها، بحيث يكون على يقين من أنه لن يفلت من العقوبة.

وتعتبر السعودية أول دولة عربية أقدمت رسميا على خطوة التشهير بالمتحرش، وما يحول دون توسيع تطبيقها في بلدان أخرى أن التحرك السعودي قوبل بوجهات نظر دينية يرددها متشددون يستندون إلى حجة أن الدين الإسلامي حث على الستر من الفضيحة، وهي نفس الآراء التي اعتادت تبرير التحرش بملابس وأخلاق وتصرفات النساء.

يرى مؤيدون للخطوة أنها كفيلة بحماية المجتمع والمرأة من أية مضايقات تحت مسمى التحرش، لأن التشهير عقوبة قاسية للغاية في المجتمعات التي اعتادت بناء علاقاتها الاجتماعية والأسرية على السيرة الحسنة والسمعة الطيبة، بالتالي فشعور المتحرش بأنه سيعيش في عزلة وربما يصبح منبوذا يدفعه إلى التراجع عن جريمته.

وما إن طالعت إيمان محمد (طالبة جامعية مصرية) نبأ موافقة الحكومة السعودية على عقوبة التشهير بالمتحرشين في بعض وسائل الإعلام، كسلاح لردعهم وتنبيه المجتمع إلى خطرهم، حتى أبلغت والدها بالخطوة الجريئة التي أقدمت عليها الرياض، فبادرها باستنكار فكرة التشهير، لأنه حسب وصفه ضد تعاليم الدين الإسلامي الذي امتدح ستر الجاني.

ورغم محاولات الشابة إقناع والدها بأن التشهير بالمتحرش ضرورة لحماية باقي النساء لم يقتنع الأب وأبلغها بأنه لن يغير قناعاته، ثم صدمها بقوله إن ملابس الفتاة هي السبب الرئيسي للتحرش، ولو أن كل امرأة سترت نفسها لما تعرضت لمضايقات وتلميحات وأذى نفسي، كما أن التشهير بالمتحرش يحمل تشهيرا بالضحية نفسها.

شعور المتحرش بأنه سيعيش في عزلة وربما يصبح منبوذا يدفعه إلى التراجع عن جريمته

وقالت الفتاة لـ”العرب” إن “العقوبة التي أقرتها السعودية بفضح المتحرشين إعلاميا خطوة جريئة، لكن لن تكون ذات أهمية طالما استمرت الأسر تلتمس الأعذار لبعض المتهمين وتلقي بالمسؤولية على النساء، وهناك الكثير من العائلات ترى في عقوبة التشهير مدخلا لفضح بناتها وإلحاق العار بهن”.

ولدى غالبية الدول العربية قوانين تتضمن عقوبات صارمة للحد من ظاهرة التحرش، لكنها لم تفض إلى نتائج واضحة، لأن المجتمع ليس لديه قاعدة بأسماء وهويات المتحرشين ولا توجد تحذيرات للنساء من هذه الفئة، ويعد التشهير بهذه الشريحة من الذئاب البشرية رسالة ردع وترهيب للباقين.

وأكدت عبير سليمان المحامية المصرية والناشطة في قضايا المرأة أن “التشهير بالمتحرشين انتصار تاريخي للمرأة السعودية وخطوة تعكس إصرار المؤسسات هناك على تحصين المرأة من العنف”.

وأضافت لـ”العرب” أن “المرأة التي تعيش في منطقة بعينها لا تعرف هوية المتحرش حتى تحمي نفسها منه، ويوفر الإفصاح عنه وفضحه مساحة آمنة من الحركة، ويضمن لها أن تتعامل بحكمة مع من يحاول الاعتداء عليها لفظيا أو بدنيا، بأن تلجأ إلى تصويره فقط حتى تقتص لنفسها منه”.

ونجاح هذه الخطوة يتوقف على أن يكون لدى المؤسسات الرسمية قدر من التحضر والانفتاح في التعامل مع قضايا التحرش واعتبار أن المرأة مجني عليها وليس مذنبة، مهما كانت طبيعة ملابسها، فهناك منتقبات يتم التحرش بهن، ما يدحض حجج المتشددين. هذا إضافة إلى وجوب توفير الحماية الكاملة للضحية عندما تقدم على مقاضاة الذئب البشري حتى لا يتم ترهيبها كي تتنازل.

والأهم وجود خطاب توعوي يوجه للأسر نفسها، بحيث يتم الطعن في قناعات العيب والفضيحة التي تلاحق كل فتاة تقاضي المتحرش، وتحسيس هذه الأسر بأن الصمت والخوف والخنوع من الأسباب التي حالت دون أن تطهر المجتمعات من التحرش.

ويعزز أصحاب هذا الرأي موقفهم بأن التشهير بالمتحرش لن يتم دون دعم أسري من عائلة الضحية، لأنها طوال فترة التقاضي سوف تتعرض لمضايقات وتهديدات حتى تتراجع وتتنازل وتتصالح، ودون وقوف أسرتها إلى جانبها لن يتحقق المراد وسيخرج المتهم من القضية بلا عقوبة.

Thumbnail

وطالما أن المرأة التي تستقل بقرارها عن أسرتها وتتحرك للقصاص لنفسها متهمة بالتمرد فإن البديل الأكثر ملاءمة أن تكون العائلة هي التي تبحث عن حقها. وفي حال لم يتحقق ذلك على أجهزة الدولة أن تتولى بنفسها مهمة مواجهة التحرش من خلال التمسك بحق المجتمع، ولو تنازلت الفتاة.

يعني ذلك أنه حتى لو تنازلت الفتاة عن مقاضاة المتحرش تحت ضغوط أسرتها يجب على مؤسسات القضاء ألا تغلق الملف وتستمر في مداولته وصولا إلى الحكم بإدانة الجاني والتشهير به، لأنه لم يرتكب جرما بحق الضحية فقط وإنما المجتمع بأسره تضرر، ويجب فضحه كي لا يكرر الفعل نفسه مع نساء أخريات.

وتحاول بعض الأصوات الحفاظ على صورة المتحرش وعدم تشويه سمعته بشتى الطرق، وتروج الرأي القائل إن التشهير يطال عائلته ويضر باسمها، في إيحاء بعدم نشر الفكرة، ولا تدرك هذه الأصوات أن المتهمين في قضايا الإرهاب والقتل والسرقة يتم التشهير بهم، ولم تتضرر أسرهم كثيرا، ولا يتم إلصاق التهمة بجميع أقاربهم.

ويظل التخوف من أن التشهير عقوبة تطال صاحبها طوال حياته، بمعنى أن المتحرش قد يشعر بانتهاء قيمته الاجتماعية، ويكون مدفوعا إلى تكرار جرائم أخرى بذريعة أنه صار شخصا منبوذا وسيرته سيئة، وفرص إعادة دمجه في المجتمع مرة أخرى تصبح صعبة، لأن البيئة التي يعيش فيها لم تغفر له تهوره عندما تحرش بأنثى.

قال عادل بركات الباحث في القضايا الاجتماعية والأسرية إن “عقوبة التشهير بالمتحرش تعني أن سمعته صارت في يديه وحده، وهو المسؤول عن حمايتها أو تشويهها، ولا يجب الدفاع عن هذه الفئة والخوف عليها من تبعات الفضيحة، ويكفي أن الأسر نفسها ستكون أكثر حرصا على إعادة تقويم سلوكيات الأبناء، فمن تخشى على نفسها من العار عليها أن تربي أولادها بشكل صحيح”.

وأوضح لـ”العرب” أن “مجرد التلويح بالعقوبة رسالة ترهيب لأي متحرش كي يكف عن تصرفاته المشينة، ورسالة ترهيب أخرى لأسرته كي تعيد النظر في طريقة تربيته خاصة إذا كان مراهقا، ومن الضروري عند التشهير بالمتحرش عدم التطرق إلى الضحية أو بياناتها، حتى لا تتخوف العائلات المحافظة من أن التشهير يشمل الجاني والمجني عليه”.

وإذا كان البعض يبرر الرفض بأن التشهير بالمتحرش قد يتحول إلى مدخل للابتزاز فإن القانون السعودي أكد أن تبليغ المجتمع عنه مرهون بحكم قضائي نهائي، وبغض النظر عن محاولات الكثير من الأصوات للوقوف ضد نشر الفكرة فإن تغيير النزعة السلمية التي تتبناها الضحايا من الفتيات وأسرهن تجاه المتحرشين يظل المعيار الوحيد لتفعيل القانون أو جعله حبرا على ورق.

21