التطعيم ضد الطعام

عزيزي المتسوق الفقير.. إذا كان عالم النباتيين منفّرا إلى هذا الحد، فما بالك بسوق اللحوم والأسماك، ورعب المجازر والسكاكين الطويلة.. حافظ على التباعد قدر الإمكان.
الثلاثاء 2021/05/04
غزل فاحش

عزيزي التائه في زحام الأسواق الشعبية وهي تعرض شتى أنواع اللحوم والأسماك والخضار والفواكه على وقع أصوات باعة يتفننون في المناداة على بضاعتهم المتبرجة إلى حد الغزل الفاحش.

تجاهل الأسعار كما لو أنك من فئة الأثرياء أو الفاسدين، أي أولئك الذين لا يغلو عليهم شيء.. تجاهل معروضاتهم وقاوم إغراءاتها كما لو أنك متخم أو ملتزم بحمية غذائية صارمة.. تمهّل، لدي نصيحة: لا تخرج للتسوق وأنت جائع.. اِملأ بطنك في البيت ثم توكّل.

اقمع رغبتك في التسوق، قاوم شهيتك للتذوق، دعك من النقود، وتسلح بكمامتك الصحية كي لا تغريك الروائح الزكية، وحافظ على مسافة التباعد -قدر ما تستطيع- بينك وبين المعروضات التي من شأنها أن تجعلك تقتنيها بكل ما لديك من نقود ثم تقعد ملوما محسورا.

ـ قلت لي إنك صائم؟ حسنا، هذه فرصة لاختبار صمودك أمام المغريات، فلتترك قفتك في البيت، واتبعني وأنت أعزل وغير متسلح إلا بخيالك.

لا تنظر إلى هذا التفاح الذي ارتبط بالخطيئة، ولا تجعله يغويك كما ورد في قصة السقوط بالميثيولوجيا القديمة، وأشح بوجهك عن كل مشتقات التفاح في اللغات اللاتينية كـ”البوم دي تيرا” وتعني تفاح الأرض أو البطاطا، وكذلك “البمدورا”، وتعني التفاحة الذهبية أو الطماطم التي ينبغي أن تقاطعها مع جميع الخضروات التي تأتي من بيوت البلاستيك في غير موسمها.

تجنب القرع ومشتقاته وأبناء عمومته من الجزر والكوسة وغيرها، فأنت لست في عيد الهالوين الأميركي، وخذ العبرة من الغلال والفواكه في قصص وأمثال الشعوب، إذ ارتبط الكرز والرمّان والتوت المر والعنب الحامض بالدماء والدموع، كما اقترن البطيخ بالوفرة البلهاء حتى أمسى لدى العامة كناية عن الازدراء، شأنه في ذلك شأن الفجل والبصل.

أما عن الموز فهو في الأصل فاكهة للقردة قبل أن يحلّ على موائد الفلاسفة وحديثي النعمة، وقس على ذلك مع جوز الهند والكيوي والأناناس، وغيرها من الفواكه التي انتزعها الإنسان من أفواه الحيوانات ومناقير الطيور، كما يُفتك الحليب من مستحقيه الأصليين في مزارع الأبقار، ثم أني لا أريد أن أذكّرك عزيزي التائه في أسواق الدواجن أن كل بيضة تساوي حياة كتكوت صغير ووديع.

أضف إلى كل هذا ما يفوح من عنصرية أو اشمئزاز في تسمية بعض أنواع التمور كـ”خصاوي البغل” في البصرة العراقية أو “مؤخرة الخادم” في توزر التونسية، وكذلك بالنسبة إلى الفستق السوداني المكنى بـ”فستق العبيد” وغيره.

عزيزي المتسوق الفقير.. إذا كان عالم النباتيين منفّرا إلى هذا الحد، فما بالك بسوق اللحوم والأسماك، ورعب المجازر والسكاكين الطويلة.. حافظ على التباعد قدر الإمكان، ولا تنس الكمامة.. والتطعيم ضد الطعام.

24