"التعب الوبائي" جراء كورونا يتسلل إلى عقول التونسيين

استنباط سياسات اتصالية مبتكرة يقي من حالة التعوّد على الخوف واللامبالاة.
الثلاثاء 2021/02/02
اللامبالاة المطلقة دليل على التعب الوبائي

حذر خبراء علم النفس من حالة “التعب الوبائي” التي تسللت إلى عقول التونسيين جراء فايروس كورونا، داعين إلى ضرورة استنباط سياسات اتصالية حكومية مبتكرة لوقايتهم من الخوف المزمن والاكتئاب والشعور باللامبالاة. وأكد الخبراء أن هذه الأعراض تصيب الأشخاص إثر تلقيهم رسائل متكررة ومتشابهة تملي عليهم بطريقة عمودية جملة من الإجراءات المشددة التي يجب الالتزام بها من أجل التوقي من خطر الوباء.

تونس ـ تخيم مشاعر القلق والخوف والاضطراب على الكثير من التونسيين منذ تفشي فايروس كورونا في مختلف أنحاء العالم، وقد عزز فرض الإغلاق والتباعد الاجتماعي هذه المشاعر. كما زادت رسائل السلطات المتكررة والمتشابهة -والتي تملي عليهم بطريقة عمودية جملة من الإجراءات المشددة التي يجب الالتزام بها- من حالات الاكتئاب واللامبالاة، ما جعل مستوى الاحتراز يقل ونسبة الوفيات ترتفع.

وبالنظر إلى عدد السكان، تسجل تونس ثاني أعلى معدل للوفيات لدى المصابين بكورونا في القارة الأفريقية، وفق ممثل منظمة الصحة العالمية في تونس إيف سوتيران، الذي وصف الوضع الوبائي في البلاد بـ”المقلق جدا”.

وإزاء هذه الوضعية دعا خبراء علم النفس إلى ضرورة مجابهة التعب الوبائي الذي بدأ يتسلل إلى عقول التونسيين.

وقال سفيان الزريبي، المختص التونسي في علم النفس، إن “التعب الوبائي هو حالة اضطراب نفسي تصيب الأشخاص لدى تلقيهم لمدة طويلة رسائل متكررة ومتشابهة من السلطات تملي عليهم بطريقة عمودية جملة من الإجراءات المشددة التي يجب الالتزام بها من أجل التوقي من خطر ما، مثل الوباء”، مبرزا ضرورة استنباط سياسات اتصالية حكومية مبتكرة لوقاية المواطنين من التعب الوبائي، وفق ما أوردته وكالة تونس أفريقيا للأنباء.

إشراك الشباب في تنظيم حملات تحسيسية مبتكرة وعقد حلقات نقاش معهم يحثانهم على التصدي للوباء بطريقة أنجع

ودعا الزريبي السلط المختصة إلى العمل على تفادي انتشار حالة التعب الوبائي في صفوف التونسيين، عبر تشريكهم في تنظيم حملات تحسيسية مبتكرة وعقد حلقات نقاش معهم حول كل ما يتعلق بمكافحة فايروس كورونا، مقترحا تكثيف التواصل خاصة مع الشباب والإنصات إليهم والاهتمام بآرائهم ومقترحاتهم من أجل التمكن من ترجمتها على أرض الواقع وحثهم على الانخراط الفاعل في رهان التصدي للوباء بطريقة أنجع.

وأوضح أن الاستمرار في مخاطبة المواطنين لنحو سنة كاملة باعتماد طريقة اتصالية تقليدية وعبر نفس المسؤولين للحث على الالتزام بالإجراءات الوقائية لمجابهة الفايروس، يدخل الناس في حالة من التعود على الخوف، والتي تؤدي بمرور الوقت إلى تراجع مستوى الاحتراز لديهم من الإصابة بهذا الوباء.

ومضاعفات الإصابة بحالة التعب الوبائي تختلف من فرد إلى آخر حسب التركيبة الأولية لنفسية الشخص، وفق علماء النفس، حيث تظهر في سلوكيات متباينة منها الخوف والاكتئاب المزمنان والشعور باللامبالاة المطلقة.

وكانت الناطقة الرسمية باسم وزارة الصحة نصاف بن علية تحدثت مؤخرا عن ظهور حالة تعب وبائي في تونس كما في جميع بلدان العالم  بسبب طول فترة الأزمة الوبائية وما رافقها من فرض للإجراءات الوقائية للحد من انتشار العدوى، إلى جانب تزايد حصيلة الإصابات والوفيات جراء كوفيد – 19.

وكانت وزارة الصحة التونسية قد جندت الأطباء النفسانيين والأخصائيين للرعاية النفسية في المؤسسات الاستشفائية العمومية، كما وفرت وزارة المرأة والطفولة وكبار السنّ بدورها الرعاية عبر منصّة “فاميليا”.

من جهتهم تطوّع نشطاء في علم النّفس بتونس من مختلف الاختصاصات لتقديم خدمات مجانية إلى عامّة النّاس تهمّ الرعاية والتوجيه والمرافقة لمعاضدة مجهود الدولة والمجتمع في مواجهة كورونا، معتبرين أن الرعاية النفسية جزء من عملية حربية شاملة، وذلك من خلال منصة “احكيلي”.

وتقدّم المنصّة الهاتفية التي أسسها غيث السوسي (أخصائي في علم النفس) ولمياء الشوك (مختصة في المحاسبة)، ويرافقهما ثمانية أخصائيين في علم النفس، خدمات مجانية لكافة المواطنين في مجال الصحة النفسية المطلوبة، وقد ساعدت التونسيين في مواجهتهم للحجر الصحي الشامل.

Thumbnail

وقالت إيلونا كيكبوش، خبيرة الصحة السويسرية، “يجب على الحكومات عدم تقديم وعود لا تستطيع الوفاء بها”. وهي تعتقد أنه لا جدوى من القول مثلا “سيكون هناك لقاح بحلول تاريخ معين، في الوقت الذي تشير فيه أغلب الأدلة العلمية إلى أن الأمر سيستغرق وقتا أطول”. لكنها تدرك كذلك أن “الناس يريدون استعادة حياتهم العادية… إنه رد فعل إنساني طبيعي جدا”.

وتدعم كيكبوش منظمة الصحة العالمية في الاعتقاد بأنه من الضروري وجود متخصصين في السلوك الاجتماعي من أجل تقديم المشورة للحكومات بالتوازي مع وجود علماء الأوبئة.

كما تقترح سامية هيرست ماجنو، عضو بفريق العمل في الحكومة السويسرية بشأن السلوك الاجتماعي، شرح الوضع من خلال نطاق المخاطر. وتقول “كلما زاد انتشار الفايروس، قلّ الخطر الذي يمكننا تحمله، وزاد عدد الأنشطة التي يتعيّن علينا تقييدها. إذا كان الوباء بصدد التقلص، فيمكننا أن نجازف بالمزيد من المخاطر، والسماح بالتجمعات الأكبر وما إلى ذلك”.

بدورها حذّرت منظمة الصحة العالمية من أن السكان في جميع أنحاء أوروبا مرهقون ويعانون من الإجهاد بسبب تدابير السيطرة على كوفيد – 19. وقالت المنظمة إن التعب الوبائي يقوّض جهود السيطرة على الفايروس. وأظهر مسح أجرته هذه المنظمة العالمية أن ما يصل إلى 60 في المئة من الأوروبيين أصبحوا غاضبين من القيود الحكومية، ويترددون أحيانا في الالتزام بها.

21