التعدد اللغوي في حوض النيل الأفريقي.. لغة للنخبة ولغات للعامة

الباحث المصري عمر عبدالفتاح يدعو إلى تعزيز اللغات المحلية.
السبت 2021/10/09
التعدد اللغوي في أفريقيا تحد كبير (لوحة للفنان بسيم الريس)

تضم القارة الأفريقية عددا من اللغات المحلية يتراوح ما بين 700 لغة في بعض التقديرات، وما يزيد عن الألفي لغة في تقديرات أخرى، إلى جانب عدد آخر من اللغات الأوروبية التي وفدت إلى القارة مع الاستعمار الأوروبي، والتي استقرت فيها وحظيت بوضع متميز في غالبية دول القارة واستمرت فيها حتى بعد رحيل الاستعمار وتحرر الدول الأفريقية، لكنها بقيت لغة النخبة فيما الشعوب حافظت على لغاتها الأصلية.

يعتبر كتاب “اللغات في دول حوض النيل ودورها في التواصل الاجتماعي” لعالم اللغات الأفريقية والأستاذ في كلية الدراسات الأفريقية عمر عبدالفتاح إحدى أهم الدراسات التي رصدت أهم لغات التعامل المشترك المحلية في دول حوض النيل التي تضم إحدى عشر دولة هي: مصر والسودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا وروندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية بالإضافة إلى إريتريا.

يستهدف عبدالفتاح في كتابه بيان أهم اللغات الأفريقية وأصولها وأماكن انتشارها وعدد متحدثيها وأبرز لهجاتها وتنوعاتها اللغوية وأهم وظائفها واستخداماتها، وأيا من هذه اللغات يمكن أن تلعب دورا في التواصل والتقريب بين شعوب دول حوض النيل.

التعدد اللغوي

الكتاب يبين أهم اللغات الأفريقية وأصولها وأماكن انتشارها وعدد متحدثيها وأبرز لهجاتها وتنوعاتها وأهم وظائفها واستخداماتها
الكتاب يبين أهم اللغات الأفريقية وأصولها وأماكن انتشارها وعدد متحدثيها وأبرز لهجاتها وتنوعاتها وأهم وظائفها واستخداماتها

يرى الباحث أنه من بين هذه اللغات المتعددة في أفريقيا يمكن رصد عدد من اللغات التي تسمى لغات التعامل المشترك؛ ويقصد بها اللغات التي تستخدمها الجماعات ذات الخلفيات اللغوية المختلفة للتواصل بها في الحياة اليومية، وقد تكون هذه اللغات لغات محلية وطنية أو لغات أجنبية وافدة، وبغض النظر عن أصول هذه اللغات فإنها تتسم بعدد من السمات الخاصة كما تقوم بأدوار ووظائف هامة في المجتمعات التي تستخدمها.

ويوضح عبدالفتاح أن منطقة حوض النيل تتميز بكثافة سكانها وبالتنوع العرقي حيث تضم دولها الإحدى عشرة شعوبا وقوميات وجماعات إثنية عديدة، ويبلغ إجمالي عدد سكانها حوالي 487.31 مليون نسمة، كما تتسم المنطقة أيضا بالتعدد اللغوي حيث يصل عدد اللغات المحلية بها حوالي 684 لغة.

وتنعكس هذه التعددية اللغوية وتتكرر في غالبية إن لم يكن في كل دول منطقة حوض النيل؛ فدولة الكونغو الديمقراطية ـ مثلا ـ تضم نحو 220 لغة محلية، وتضم إثيوبيا ما بين 70 إلى 80 لغة محلية، ويزيد عدد اللغات المحلية في تنزانيا عن 150 لغة محلية، ويبلغ عدد اللغات المحلية في دولتي السودان وجنوب السودان نحو 113 لغة، أما في كينيا فيصل عددها إلى 59 لغة محلية وتضم أوغندا 41 لغة محلية، ويوجد بإريتريا نحو 11 لغة محلية.

ويتابع: حتى الدول التي يمكن اعتبارها من الدول المتجانسة لغويا مثل مصر ورواندا وبوروندي نجد أنها لا تخلو من هذه التعددية اللغوية، فمصر مثلا تضم أربع لغات محلية هي: اللغة العربية واللغة النوبية بلهجاتها، واللغة السيوية ‘الأمازيغية’ إلى جانب لغة البيجا التي تنتشر بين سكان مصر من البيجا الذين ينتشرون عبر جبال البحر الأحمر وحتى السودان.

وتضم رواندا وبوروندي عددا من اللغات المحلية من أهمها لغة الكيروندي ولغة الكينيا رواندي واللغة السواحيلية ولغتي التشيجا والهافو. وذلك بالطبع بالإضافة إلى بعض اللغات الأوروبية “الإنجليزية والفرنسية” ذات المكانة المتميزة والتي تستخدم في مجالات عديدة في هذه الدول كالتعليم والإعلام والاتصالات والتجارة.. إلخ.

حتى الدول الأفريقية المتجانسة لغويا مثل مصر ورواندا وبوروندي نجد أنها لا تخلو من التعددية اللغوية

ويشير عبدالفتاح إلى أن اللغات المحلية بدول حوض النيل تتوزع على ثلاث فصائل لغوية كبرى هي: فصيلة اللغات الآفروآسيوية، وفصيلة اللغات النيجر ـ كونجوية، وفصيلة اللغات النيلية الصحراوية.

ويؤكد أن المشهد اللغوي في منطقة حوض النيل يمثل تحديا كبيرا يواجه المنطقة ودولها في التواصل المباشر في ما بينها، متسائلا: أي لغات يمكن اختيارها للقيام بهذا الدور؟ وهل يمكن الاعتماد في ذلك على اللغات الأوروبية في ضوء وضعها واستخدامها في دول المنطقة؟ أم يمكن للغات المحلية أن تضطلع بأداء هذا الدور؟

ويقول الباحث “قد يكون هذا الطرح مقبولا للوهلة الأولى؛ إلا أنه من الصعوبة بمكان قبوله ببساطة ودون تدقيق وتعمق، فلو أمعنا النظر والتفكير لوجدنا أن اللغات الأوروبية التي تتبناها معظم الدول الأفريقية وعدد غير قليل من دول منطقة حوض النيل كلغات رسمية، لا تستطيع أن تفي بهذا الدور بالشكل المطلوب، وذلك لأن استخدامها سيكون محصورا بين مجموعة محدودة من أبناء شعوب المنطقة وهي النخب السياسية والمثقفين العارفين والمتقنين لتلك اللغات فقط، وهم يمثلون نسبة قليلة جدا من شعوب المنطقة”.

ويرى عبدالفتاح أن من عايش المجتمعات الأفريقية عامة، ومجتمعات حوض النيل بشكل خاص، يدرك جيدا أنه على الرغم من أن اللغات الأوروبية قد وفدت إلى أفريقيا منذ أكثر من ثلاثة قرون، ورغم سيطرتها على زمام الأمور السياسية والاقتصادية والتعليمية في معظم الدول الأفريقية، حيث صارت لغة الإدارة والصحف والتعليم واللغة التي تدار بها المناقشات السياسية والمعاملات الاقتصادية الكبرى في معظم دولها، إلا أنها فشلت في أن تتحول إلى لغات تعامل ذات انتشار واسع بين العامة تؤثر في حياتهم وثقافتهم اليومية؛ بل ظلت قاصرة فقط على شرائح معينة من النخب والمثقفين.

 أما الشعوب فقد ظلت تستخدم لغاتها في تصريف شؤونها وفي ممارسة حياتها اليومية، ففي الكونغو الديمقراطية، زائير سابقا، التي تتبنى اللغة الفرنسية كلغة رسمية يذكر أن مواطنا فقط من بين كل خمسة وعشرين يمكنه التحدث بالفرنسية بشكل صحيح، وأن مواطنا من بين كل ثلاثين يمكنه أن يكتب الفرنسية بشكل سليم، أما أفريقيا الأنجلوفونية فإن التقارير تشير إلى أن نسبة صغيرة فقط تتراوح ما بين 5 في المئة إلى 20 في المئة هي التي يمكنها أن تتواصل باللغة الإنجليزية. والوضع في أفريقيا الناطقة بالبرتغالية “اللوسوفون” لا يختلف عن هذا الوضع كثيرا.

التواصل بين الشعوب

رصد للغات التعامل المشترك
رصد للغات التعامل المشترك

في ضوء هذا الواقع اللغوي يميل عبدالفتاح إلى الطرح الآخر الذي يدفع في اتجاه إمكانية الاعتماد على اللغات المحلية في التواصل بين شعوب المنطقة دون الاعتماد على اللغات الأوروبية.. ويعزز هذا الطرح أن اللغات المحلية ربما تكون أكثر قربا وتعبيرا عن هوية شعوب المنطقة.

ويضيف “لو طبقنا مفهوم لغة التعامل المشترك وأسقطنا السمات الخاصة بها، سوف نجد عددا من لغات التعامل المشترك الهامة التي تتمتع بانتشار واع ومعتبر ويمكن توظيفها لتحقيق التواصل المأمول بين شعوب منطقة حوض النيل، وتتمثل هذه اللغات في اللغة العربية في دول مصر والسودان وجنوب السودان في منطقة حوض النيل وفي منطقة شمال وشمال شرق القارة الأفريقية بشكل عام، واللغة التيجرينية في إريتريا، واللغة السواحلية في شرق أفريقيا عامة وفي كينيا وتنزانيا وروندا وبوروندي وأجزاء من أوغندا والكونغو في منطقة حوض النيل، ولغة اللوجندا في أوغندا، واللغة الأمهرية في إثيوبيا، ولغات اللينجالا والكيتوبا واللوبا التي تنتشر كلغات تعامل مشترك في جمهورية الكونغو الديمقراطية”.

ويلفت إلى أن هناك عددا من العوامل التي تدعم فرص انتشار أي لغة من اللغات وتؤهلها بشكل كبير لتتحول للغة تعامل مشترك، وتتمثل أهم هذه العوامل في عامل النفوذ السياسي والمكانة الاقتصادية والعامل الديني والوضع الثقافي للجماعة اللغوية المتحدثة بتلك اللغة.

وعلى مستوى القارة الأفريقية ساهمت هذه العوامل، في رأي الباحث، في ظهور عدد غير قليل من لغات التعامل المشترك التي تستخدم في مختلف أنحاء القارة وحاجة الجماعات والأفراد ذوي الخلفيات اللغوية المختلفة للتواصل والتعامل في ما بينهم، مما اضطر تلك الجماعات المتباينة لغويا لإيجاد لغة أو لغات تعامل مشتركة تكون مفهومة بالمجمل وقادرة على أداء الحد الأدنى من التواصل والتفاهم بين متحدثين لغتهم الأم مختلفة. ومن أهم لغات التعامل المشترك المحلية نجد اللغة العربية التي تستخدم كلغة تعامل مشترك في شمال أفريقيا وبعض مناطق شمالي شرقي وشمالي غرب أفريقيا وخاصة بين الجماعات والقبائل الناطقة بغير العربية كما في السودان وإريتريا والصومال وموريتانيا وتشاد.

ويوضح المؤلف أن اللغة السواحلية أهم لغات التعامل المشترك في شرق أفريقيا حيث تستخدم كلغة تعامل مشترك في غالبية مناطق شرق أفريقيا، كما تعد لغة الهوسا واحدة من أكبر لغات التعامل المشترك والتي تستخدم في أجزاء واسعة من غرب أفريقيا، وذلك إلى جانب بعض لغات التعامل المشترك الأخرى الأقل انتشارا كـ”المناندينجو والكانوري والسنغي”.

المشهد اللغوي في منطقة حوض النيل يمثل تحديا كبيرا يواجه المنطقة ودولها في التواصل المباشر
المشهد اللغوي في منطقة حوض النيل يمثل تحديا كبيرا يواجه المنطقة ودولها في التواصل المباشر

كما تعد لغة السانجو التي تنتشر في دولة أفريقيا الوسطى من أهم لغات التعامل المشترك في منطقة وسط أفريقيا. وفي منطقة جنوب أفريقيا نجد أهم لغات التعامل المشترك في مجموعة لغات النجوني التي تضم عدة لغات منها الزولو والخوسا وغيرهما ويستخدمها نحو 30 مليون متحدث في دول جنوب أفريقيا وسوازيلاند وزيمبابوي وغيرها، وذلك بالطبع بالإضافة إلى استخدام اللغات الأوروبية الوافدة كالإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية كلغات تعامل مشترك على نطاق محدد ومحدود في شتى دول القارة.

ويؤكد عبدالفتاح أن لغات التعامل المشترك التي تنتشر وتستخدم على نطاق واسع في دول حوض النيل والمتمثلة في: اللغة العربية، اللغة السواحلية، اللغة الأمهرية، اللغة التيجرينية، لغة اللوجاندا، لغة اللوبا، لغة الكيتوبا، تشكل إحدى الفرص التي يمكن الاستفادة منها وتوظيفها لتحقيق التواصل والتعاون المرجو بين شعوب دول المنطقة من أجل صالح شعوبها والعمل على تحقيق تنميتها والاستفادة من إمكانات دولها.

ويختم عبدالفتاح بعدد من التوصيات تتمثل في ضرورة اتخاذ بعض الخطوات لدعم وتعزيز التفاهم والتواصل والتقارب بين شعوب المنطقة بالفعل وليس عبر التواصل بين النخب فقط، وذلك من خلال استخدام لغات التعامل المشترك المحلية في دول حوض النيل بشكل أكثر كثافة، وذلك من خلال إقرار تدريس لغات التعامل المشترك في دول حوض النيل بالمعاهد والمؤسسات التعليمية المعنية بالمنطقة.

كما يوصي المؤلف بتعزيز الروابط الأكاديمية مع الجامعات في دول حوض النيل وتقديم المنح الدراسية لطلابها ودعم التبادل الأكاديمي والطلابي معا. ويشدد على ضرورة تصميم برامج إعلامية بلغات التعامل المشترك والعمل على بثها عبر الإذاعات الموجهة والقنوات الفضائية بين دول حوض النيل، ودعم مشروع مشترك لترجمة التراث الثقافي والإنتاج الأدبي المدون بلغات التعامل المشترك لدول حوض النيل للتعريف المتبادل وللتقارب والتواصل الثقافي بينها.

13