التلفزيونات لا تبالي بغثيان الجمهور العربي

بعد عشرة أيام من المشاهدة المكثفة للمحطات التلفزيونية العربية، ألا يمكن أن يولد الانطباع مرة أخرى لدى المشاهدين عن تكرار المكرر! فالضرر الذي تركته البرامج خلال شهر رمضان يفوق بنسبة متقدمة الفائدة المرجوة من التلفزيون.
السبت 2021/04/24
لا وجه للمقارنة

هناك امتياز يتمتع به مشاهدو التلفزيون في بريطانيا غير متاح لأي من الجمهور في العالم.

ومع أن هذا الامتياز يتم وفق ضريبة مالية تدفع سنويا، إلا أنه يبقى امتيازا حينما يٌسمع تذمر واحتجاج الجمهور على ما تقدمه هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” ويؤخذ بنظر الاعتبار.

تمول هيئة الإذاعة البريطانية من ضرائب سنوية تفرض على كل منزل يمتلك جهاز تلفزيون، وهو أمر يجعلها تحت المراقبة لتقدم ما يرضي المشاهدين ويلبي حاجاتهم ومعارفهم، والحال نفسه يجعل الهيئة الممولة من قبل الجمهور تمتنع عن بث إعلانات تجارية.

وتتلقى هيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي” الآلاف من الشكاوى أسبوعيا تعبر عن النقد والسخط على قضايا تتعلق بالتحيز العنصري لتصل إلى رفض تغطية بعض الأحداث السياسية. وبمجرد تحليل مضمون تلك الشكاوى يصل المتابع إلى تفسيرات مثيرة عن الحروب الثقافية الحديثة داخل المجتمع البريطاني المعاصر ودور التلفزيون في تأجيج وإثارة مختلف الأفكار بشأنها.

فقد تلقت “بي.بي.سي” الأسبوع الماضي رقما قياسيا من الشكاوى وصل إلى 110 آلاف شكوى متذمرة من تغطيتها الشاملة لوفاة الأمير فيليب زوج ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية. وأجمعت الشكاوى على أن التغطية كانت مفرطة على حساب مادة كان يفرض بالمحطة أن تبثها وفقا لرغبات جمهورها. ذلك لا يعني عدم تعاطف غالبية المشتكين مع حزن الأسرة الملكية البريطانية على فقدان أحد أفرادها.

لم تكن تلك الشكاوى مجرد تعبير عن استياء المشاهدين، بل إنها في المحصلة تقود إلى الوجهة الأمثل للتعرف على تيارات الرأي العام، وبالتالي تحليل المضمون بالنسبة إلى الباحثين في شؤون رغبات وتوجه ومزاج الجماهير.

لكن من يسمع تذمر الجمهور العربي على ما يعرض من مادة تلفزيونية ركيكة وخطاب متدنّ يثير الازدراء ويرفع درجة ضغط الدم، ذلك ما يجعل السؤال أكثر أهمية مع الاهتمام المتزايد بمشاهدة التلفزيون خلال شهر رمضان.

مثل هذا الاهتمام لا يمكن أن يحدث في أي من التلفزيونات العربية، لسوء الحظ، مع أن سيكولوجية النقد تساعد التلفزيونات على تطوير محتواها وتقديم مادة متميزة، ذلك لأن التلفزيون وهو يعيش عصره الذهبي بمثابة وعاء لوجهات نظر الجمهور وتنوع اهتماماته.

مع أن الفوضى تغلب على تدفق الرأي على مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى ما يعرض على الشاشات، لكن اهتمام المحطات التلفزيونية بخلاصة جادة تستجمع من تلك الآراء يساعدها على دراسة طبيعة المحتوى وردود الفعل عليه وكيفية التخطيط للمستقبل.

وهذا ما يسميه بيتر لونت أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة ليستر بـ”الصدام بين ثقافات الإعلام السياسي على الإنترنت وخارجه” عندما يلفت الأفراد في تعليقاتهم على الإنترنت الانتباه إلى حججهم السياسية والثقافية من خلال الصراخ بصوت أعلى والتأكيد على آرائهم بعبارات أقوى من أي وقت مضى.

وعلى مستوى مقابل ينبغي على المحطات التلفزيونية أن تقابل بالاهتمام وليس الإهمال وجهات النظر المختلفة التي يتم تداولها بشأن ما عرضته. فهل يحصل ذلك بشكل دائم؟

اليوم يوجد تعبير متصاعد عن السخط حيال ما يقدم، ذلك لا يمنع من وجود نسبة ما من الثناء، عندما يهبط الخطاب التلفزيوني إلى مستوى ركيك من التعبير ويعجز عن صناعة الأفكار ويدور على المكرر والمستهلك، ذلك يعني أن التلفزيونات لا تبالي بالغثيان الذي تسببه للجمهور.

بعد عشرة أيام من المشاهدة المكثفة للمحطات التلفزيونية العربية، ألا يمكن أن يولد الانطباع مرة أخرى لدى المشاهدين عن تكرار المكرر! فالضرر الذي تركته البرامج خلال الأيام القريبة الماضية يفوق بنسبة متقدمة الفائدة المرجوة من التلفزيون. محطات تحشو وقت البث بمناظرات مفتعلة، الضيوف من السياسيين المغرضين وفاقدي المصداقية لدى الجمهور. دعك من الدراما وهي تدور على نفسها. ذلك شأن نقدي مفصل.

مع ذلك فطبيعة المادة الدرامية والبرامجية التي تقدم كل ليلة تجد لها معادلا نقديا على مواقع التواصل الاجتماعي يشكله كم هائل من تنوع الآراء. والسؤال هنا إلى أي حد تم الاهتمام بهذه الآراء من قبل إدارة المحطات؟

هل يمكن لفضائيات تحظى بتمويل مالي ضخم أن تتحدث عن تغيير وصناعة محتوى لبرامج رمضان مختلفة على الأقل عما بثته العام الماضي في الشهرنفسه؟

وصل الحال في برامج الحوارات المطولة أن تكرر نفس الوجوه التي تمت استضافتها العام الماضي. أي خيبة أمل يمثله مثل هذا التكرار.

هناك برامج سياسية مثيرة للغثيان حقا، عندما يقوم المحاور بدور يهمل الدرس الصحافي الأول مغيّبا الأسئلة الأكثر طلبا ويساير ضيوفه وفقا لمصلحة أنانية وسياسية ضيقة. بينما يواصل السياسيون دفع ضريبة الكلام المجرد وسط كم هائل من الأكاذيب.

يحدث ذلك في برامج مستمرة تتنازل عن الخطاب الجاد في القنوات العربية خلال شهر رمضان.

وفي كل الذي يحصل، لا تستطيع كبرى المحطات العربية الزعم بامتلاكها مراكز أبحاث ودراسات مهتمة بسيكولوجية الجماهير، وإذا وجد مثل هذا المركز فإنه يعمل وفق مصلحة ضيقة للقناة تحديدا.

لذلك بدأت مدفوعا بمثال الامتياز الذي يحظى به مشاهدو قنوات “بي.بي.سي” البريطانية. على الأقل للدفاع عن وجهة نظري في التنبيه لما يقدم من محتوى تلفزيوني ركيك خلال شهر رمضان.

لقد دخل التلفزيون مجرى الدم المزاجي للإنسان ولا يمكن التخلص منه مع كل الدراسات التي تتحدث عن أن الإدمان على مشاهدة التلفزيون سبب رئيسي للإصابة بالخمول الفكري.

ذلك يعني أن مساحة النقد من قبل المشاهدين لما يعرض تتسع لتتحول إلى استياء وغضب وتفنيد أفكار وكشف أكاذيب، وتلك بمجملها تشكل مقياسا مهمّا لمعرفة اتجاهات الرأي العام، ومن حسن حظ التلفزيونات العمل عليها وليس تجاهلها.

وبالمقارنة مع المحتوى الذي يقدمه نتفليكس مثلا مع أفضل ما أنتج من دراما وبرامج في شهر رمضان بأغنى المحطات العربية، إلى ماذا يتوصل المشاهد العربي؟ هل ثمة أكثر من خيبة الأمل المستمرة التي تصل إلى درجة الغثيان؟

18
مقالات ذات صلة