التلفزيون التونسي: ضعف في الأداء وتواضع في الإمكانيات

الإعلام العمومي يبقى أكثر موضوعية مقارنة بالخاص .
الجمعة 2021/02/26
التلفزيون الرسمي استقطب التونسيين خلال الانتخابات

ينتقد طيف واسع من التونسيين أداء التلفزيون التونسي الرسمي وخصوصا تغطيته للأحداث المهمّة في البلاد. وفيما يرى البعض أن القنوات الخاصة نجحت في سحب البساط من الإعلام العمومي، إلا أن البعض الآخر لا يتفق مع هذه الرؤية ويرى أن التلفزيون الرسمي يحاول الموازنة بين جميع الأطراف والأحزاب، رغم ضعف الإمكانيات المالية والبشرية.

تونس - يتعرض التلفزيون الرسمي التونسي إلى انتقادات متواصلة بسبب ضعف التغطية الإخبارية للأحداث الساخنة التي عاشتها وتعيش على وقعها البلاد منذ اندلاع الاحتجاجات في يناير الماضي وصولا إلى الأزمة السياسية والدستورية الحادة التي ترزح تحت وطأتها مؤسسات الدولة.

ويؤكد التلفزيون الرسمي، وهو واجهة الإعلام العمومي في البلاد، حرصه على نقل الأخبار وتقديم المعلومة إلى المتلقي ومواكبة المستجدات الآنية، إلا أن الرأي العام المحلي يرى أن تغطيته غير كافية ومنحازة إلى أجندة السلطة.

ويقدم التلفزيون التونسي برامج حوارية تناقش الشأن العام، إلا أن المتابعة تنحصر غالبا في نشرة أخبار الثامنة الرئيسية. وحاول التلفزيون الرسمي التخلص من القيود التي فرضها عليه النظام السابق في أعقاب ثورة يناير 2011، غير أنه في نظر الكثيرين لم ينجح في استثمار مناخ الحرية لصالحه وبقي رهين أجندات الأحزاب الحاكمة في مرحلة ما بعد الثورة.

ووفقا لإحصائيات سابقة بشركة “سيغما كونساي”، فقد تصدر التلفزيون التونسي، بقناتيه الأولى والثانية، نسب المشاهدة في الفترة الأولى من الحجر الصحي الذي فرضته حالة الطوارئ الصحية في أعقاب ظهور جائحة كورونا، ومع ذلك لم يسلم من الانتقادات خاصة في ما يتعلق بتغطية الأزمة السياسية.

وبرأي الكثيرين لم يكن التلفزيون الرسمي مواكبا للمستجدات مع عودة الاحتجاجات إلى الشارع مؤخرا، أو حتى على الصعيد الدولي، حيث انتقد ناشطون عدم تغطيته لحدث وصول أول مسبار فضائي إلى سطح المريخ.

كما اعتبر طيف واسع من الشارع أن وسائل إعلام دولية، كانت في قلب الحدث  خلال الاحتجاجات فيما اكتفى التلفزيون الرسمي بنقلها في نشرة إخبارية ولم يخصص لها حيزا ومساحة مهمّة.

هادي طرشوني: الخطر الكبير الذي يتربص بالإعلام هو الأحزاب السياسية

وبالرغم من محاولة أطراف سياسية التحريض ضد الصحافيين العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية واتهامهم بتأجيج الأوضاع واختيار مصطلحات بعينها لتوصيف الاحتجاجات، إلا أن الكثيرين يعتقدون أنها هذه الوسائل الأكثر مواكبة للأحداث الميدانية، حيث تعمل على نقل المستجدات فيما غاب الإعلام العمومي وكان حضوره ضعيفا.

ويبدي التونسيون أملهم في أن ينقل إعلامهم الرسمي أصواتهم ومشاغلهم الحقيقية، فيما يتعرض الإعلام في المقابل إلى ضغوط كبيرة تحول دون القيام بدوره كما يجب حسب الخبراء.

وأشار هادي طرشوني، الكاتب العام المساعد للجامعة العامة للإعلام في حديثه لـ”العرب”، إلى أن “التلفزيون الرسمي أثبت وجوده ومهنيته في الأوقات الحاسمة والتظاهرات الكبرى كمواكبة الانتخابات وفق معايير أخلاقيات المهنة والحيادية”.

واستدرك “لكن في بعض الحالات هناك هنات في المواكبة أو عدم مواكبة لحدث ما لأسباب لوجيستية أو بحسب تقديرات رئيس التحرير وفريق العمل”.

ويرى طرشوني أن الخطر الكبير الذي يتربص بالإعلام هو الأحزاب وخاصة الائتلاف الحاكم، فهو في فترة ما بعد الثورة يريد ويحاول وينجح في بعض الحالات في توجيه خط الأخبار.

ويحاول صحافيو التلفزيون الرسمي أن يكونوا محايدين وفق أخلاقيات المهنة رغم الضغوط، بحسب طرشوني.

وفي ظل ما يعانيه الإعلام العمومي من صعوبات وتحديات ناجمة عن ضغوط سياسية وأخرى مادية، يتعرض أيضا إلى منافسة الإعلام المحلي الخاص الذي بات يحظى بنسب متابعة مهمة.

ويعتقد المتابعون أن القنوات التلفزيونية الخاصة نجحت في سحب البساط من التلفزيون الرسمي، خاصة في يتعلق بتغطية الأحداث السياسية، مع أن التلفزيون الرسمي هو الأكثر موضوعية مقارنة بالقنوات الخاصة التي اتضحت أجنداتها السياسية وموالاتها لأطراف بعينها.

ويسعى التلفزيون الرسمي إلى الموازنة بين جميع الأحزاب واستضافة جميع الخصوم، حيث يقدم مادة سياسية جيدة خاصة في برامجه الحوارية لكن يبدو عاجزا عن الترويج لها.

وبالنظر إلى المنافسة الشرسة التي يواجهها من قنوات خاصة تابعة لرجال أعمال وتيارات سياسية وأيديولوجية يعمل أصحابها على تمرير أجنداتهم سواء كانوا موالين للحكومة القائمة أو معارضين لها، فقد أظهر التلفزيون التونسي مهنية وحيادا مشهود له بهما في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث مكن كل المرشحين، باستثناء نبيل القروي الذي كان حينها في السجن، من التعبير عن آرائهم ومناقشة أفكارهم على قدم المساواة في مناظرات مباشرة حظيت بمشاهدة عالية في تونس وخارجها، لكن بعض المراقبين يقولون إن ذلك كان مجرد سحابة حرية عابرة، سرعان ما عاد بعدها التلفزيون إلى مستواه العادي.

رضا الكزدغلي: الإعلام العمومي لم يستجب لانتظارات التونسيين

وحسب الخبراء فقد نجحت القنوات الخاصة في استقطاب المشاهد بما تقدمه من محتوى، حيث اختارت الدراما التركية والبرامج الترفيهية لتعزيز رصيدها من الجمهور التي تلاقي إقبالا كبيرا، كما نجحت في الدعاية لبرامجها الحوارية واختيارها شخصيات عامة محل جدل واستضافتها لرفع نسب المشاهدة.

ويعتقد رضا الكزدغلي، الخبير في استراتيجيات الإعلام والاتصال في حديث لـ”العرب”، أن “المسألة مرتبطة بمنسوب الثقة القائم بين الرأي العام وبين التلفزيون الرسمي التونسي”.

وفيما كان الإعلام العمومي تحت هيمنة الحزب الواحد قبل الثورة وينظر إليه دائما على أنه “بوق السلطة”، كانت انتظارات التونسيين في أعقاب الثورة معلقة على التخلص من هذه الهيمنة بتطوير أدائه وتعديل مساره، لكن ما حصل هو أن الإعلام العمومي لم يستجب إلى انتظارات التونسيين ولم يتخلص من الأجندة، حسب الكزدغلي.

وتابع “إذا كان الإعلام العمومي له أجندة في فترة النظام السابق اليوم أصبحت له أجندة الاصطفاف السياسي أو الاصطفاف الأيديولوجي الفكري وهو ما عمق الفجوة بينه وبين المتلقي”.

ولاحظ أنه إلى الآن لم يصل إلى الأداء المتوقع منه. ويرى أن الإشكالية تتمثل في أن الإعلام العمومي لم ينشأ بداخله أداء تعديلي مهني مستقل بذاته بعيدا عن النزاعات والتأثيرات الناجمة عن علاقاته وارتباطه بمواقع نفوذ وتأثير.

وانعكست هذه الضغوط على العمل الصحافي، ولاحظ أن خبرا ما بات يتقدم على خبر آخر، وأن زوايا مقاربة الخبر تنم عن فكرة مرتبطة لدى رئيس التحرير، كما أن نوعية الأخبار التي تقدم فيها شيء من الانتقائية. وتساءل “هل للصحافي الحرية في التخلص من هذا الأداء، هناك من أصيب بالإحباط بسبب صعوبة التخلص من هذه التأثيرات”.

ويستنج الكزدغلي أنه “على الإعلام العمومي أن يخرج من قمقم التأثير إلى فضاء أريح للعمل بمهنية، مشيرا إلى دور الدولة التي مازلت تعتبر الإعلام إحدى أداوتها الرسمية. وأوضح أن “هناك فرقا كبيرا بين الإعلام العمومي الذي يقدم خدمة عمومية وإعلام حكومي يريد تسويق أداء حكومي”.

وبالموازاة مع ذلك يعيش التلفزيون الرسمي صعوبات مالية تعيق قيامه بدوره في نقل المعلومة إلى الرأي العام.

ويشكو المسؤولون في التلفزيون من نقص حاد في الموارد اللوجيستية والموظفين، خصوصا في قطاع الأخبار والتحرير من صحافيين وتقنيين، إضافة إلى صعوبة تأمين انتشارهم في كل أرجاء الوطن الذي يشهد أحداثا متتالية.

ويتعرض العاملون في التلفزيون أيضا إلى انتهاكات من قبل أطراف عديدة تعتبر أن هذه المؤسسة الإعلامية ما هي إلا بوق لمؤسسات الدولة. كما يشكو الموظفون من ضعف الأجور.

18