التمر المخلّص

تلك النخلة، النبتة الصبارية المسماة ويا للعجب بالـ“فونيكس” وهو أيضا اسم الطائر الأسطوري الناهض من العدم متجددا كل حين، لم لا تكون اليوم مخلصا منقذا للعربي من دواماته الحالية؟
الجمعة 2019/11/29
من التمر صنعت الآلهة

أخطر ما في الشخصية العربية قصة آلهة التمر. ولطالما سخر المؤرخون من عصر الجاهلية الذي كان فيه العربي يصنع تمثالا من التمر لإله من آلهة العرب القديمة، ويحمله معه في سفره، ويصلي له ويظهر له الخضوع والعبودية، ثم بعد أن ينفد منه الزاد، ينقض عليه ويأكله.

أين تجد أمة تفعل هذا؟ فعادة ما تفخر الأمم بتشبثها بتراثها الروحي واستمرارها بتقديم الشعائر لتلك الثوابت، إلا أن نزق العربي وتأفّفه يبدوان اليوم كضمانتين غير مألوفتين.

كل ما راهن عليه المفكرون ومراقبو المشهد العربي في السنوات الأخيرة، يوصلهم إلى طرق مسدودة، ومن هنا ظهرت النظرية التشاؤمية السياسية العربية، غير أن أيا من هؤلاء لم يستعمل “آلة إله التمر“ في فهم الشخصية العربية مرة واحدة. ولو فعل لأمكنه إدراك احتمالات مفتوحة تشكل المسارب الممكنة لمجرى الأمور في المستقبل.

العقل العربي لم يطل المقام جاثيا تحت ركبتي الاستبداد الجديد الذي مثله الحزب الديني، وسرعان ما انقلب على كل تلك الإغواءات التي جسدتها العنصرية والطائفية والغرائزية. ومن كان يتوقع أن من يسمونه تلك التسميات المهينة؛ “رعية” أو “حشد شعبي“ سيثور ضد رموز جعلت من نفسها مرجعيات لن تكون أغلى على قلب العربي من إله من تمر؟ وهي التي نسيت أهم ما قاله الإمام علي بن أبي طالب ذات يوم “رأسُ الجهل معاداة الناس“.

وبعد الارتطام العنيف مع الواقع، ربما يتوجب على النخب العربية، ومن خلفها مراكز الأبحاث العالمية التي أشاعت اليأس، أن تعيد النظر في طبائع الشعوب، ولا بأس بتذكيرها بمنجز ابن خلدون العظيم حول ذلك، وهو الذي ربط ما بين البيئة التاريخية وأثرها على سيكولوجيا الناس، وبرهن على أن البيئة الطبيعية تلعب الدور الأبرز في تكوين تلك الصفات.

قسم ذلك التونسي بديع العقل، عالمنا إلى سبعة أقاليم مناخية، وفي ما يخص البدو وهم أصل العرب البعيد، يعتبر ابن خلدون أن أولئك الذين فقدوا الحبوب والأدم من أهل القفار، يتمتعون بأخلاق أبعد عن الانحراف وأن أذهانهم أثقب في الإدراكات.

تلك النخلة، النبتة الصبارية المسماة ويا للعجب بالـ“فونيكس” وهو أيضا اسم الطائر الأسطوري الناهض من العدم متجددا كل حين، لم لا تكون اليوم مخلصا منقذا للعربي من دواماته الحالية؟ وإذا ما كنا قد عجزنا، أو مُنعنا، في العهد الحالي عن تأسيس حداثة عربية حقا، فلماذا لا نعول على تخلفنا ورفضنا للتمدن، كمحرّك قوي وأخير لعجلات الواقع؟

24
مقالات ذات صلة