التمزّق بين عالمين

لعلّ العوالم التي توجد في الشرق والغرب سواء بسواء تساهم في تعزيز التمزّق الذي يعانيه الأديب في حياته، ولا يكون الانتماء إلى المكان أو العصر متيسّرا بسهولة.
الاثنين 2019/02/11
الأدب يروّض التمزّق (لوحة سعد يكن)

كيف يرى الأديب الغريب نفسه في مرآته الداخلية؟ كيف بإمكانه أن يواجه عودته إلى وطنه الأمّ بعد سنوات من محاولات الاندماج في بيئة غريبة وثقافة جديدة؟ هل يبقى ممزّقا بين عالمين أم تراه يتصالح مع ماضيه وحاضره؟ كيف يواجه أسئلة لا تستدل إلى إجابات سهلة؟

تحظى الشخصية الشرقية التي تعيش في الغرب باهتمام الروائيّين والأدباء الذين مرّوا بتجارب هجرة أو غربة أو لجوء، بحيث ينقلون جزءا مما عانوه من خلال الشخصيات التي يقومون باختلاقها، لتكون تجسيدا للتمزّقات التي عاشوها خلال فترات عصيبة من حياتهم.

يستعيد الروائي الفيتنامي فاييت ثانه نغويين في روايته “المتعاطف” أجواء الحرب الفيتنامية القاسية التي اندلعت ودامت لزمن طويل، وأثرت بشكل مدمر في تركيبة البلاد واستنزفت مقدراتها وأهلها، كغيرها من الحروب غالبا. ويتحدث عن خصائص الشخصية الشرقية في الولايات المتحدة، وكيف أنها تتعارض مع الشخصية الغربية، ويجد أن هناك خصائص شرقية تتخذ نمطا سلبيا، وفي الحقيقة أن ذلك يؤدي إلى مشاكل خطيرة تتعلق بالهوية التي يعاني منها الأميركيون من أصول شرقية، أو على الأقل أولئك الذين ولدوا أو نشأوا هناك. وكيف أنهم يشعرون بالانتماء إلى المكان، ولا يختلفون عن الأميركي بشيء، وهم منكرون في داخلهم مثله.

يستعيد على لسان راويه رأي أحد أساتذته حين كان يقول له بأنه يجسد التآلف بين الشرق والغرب، ويستنتج أنه لا يمكن فصل الشرقي المادي عنه مثلما لا يمكن فصل الغربي المادي، وهذا ينطبق على خصائصه السيكولوجية. ويخبره أن هناك الكثير من أمثاله في الولايات المتحدة، وأن أغلبهم يخجلون ويسعون للاختفاء بين تشابكات الحياة الأميركية.

يجد أن أعدادهم تتزايد والديمقراطية المفترضة تمنحه أفضل الفرص للتعبير عن صوتهم، وأن باستطاعتهم أن يتعلموا كيف يتجنبون التمزق إلى جانبين متعارضين، وبدلا من ذلك تحقيق التوازن بينهما والاستفادة من الجانبين، وأن عليه أن يجري مصالحة لانتماءاته فيكون حينها المترجم المثالي للجانبين، وسفيرا للنوايا الحسنةل يعمل على تحقيق السلام بين الأمم المختلفة.

كما تستعيد الروائية الأميركية- الكورية الجنوبية مينجين لي في روايتها “باتشينكو.. ملحمة الانعتاق من الفؤاد والجسد” وجها من وجوه التمزّق التي تناهبها أثناء مراحل مختلفة من حياتها، سواء مرحلة الدراسة أو العمل بعدها، ثم اكتشافها أنّ عليها أن ترتحل إلى بلادها، وتواجه مخاوف أهلها وشعبها هناك، وتنقل صورا من تمزّقهم في بلدهم، وبين ماضي الاحتلال الياباني وحاضر الاستقلال غير المكتمل، والذي يعكس تمزّقا آخر لهوية بلد وقع ضحية صراعات دولية في مرحلة تاريخية معينة، ولا يزال أبناؤه الممزّقون بين شمال وجنوب يدفعون ضريبة ذلك منذ عقود.

لعلّ العوالم التي توجد في الشرق والغرب سواء بسواء تساهم في تعزيز التمزّق الذي يعانيه الأديب في حياته، ولا يكون الانتماء إلى المكان أو العصر متيسّرا بسهولة لأنّ الغربة الداخلية التي توجّهه تلعب دورا كبيرا في لملمة جراحه وترميم عطب الروح لديه، وتكون الكتابة والمكاشفة من أدواته المساعدة للتصالح مع ذاته وهويته وعصره، ولكن تلك الجرأة لا تتأتّى لبعضهم ممّن يظلّون تائهين عالقين في دوّامة التمزّق المتجدّدة.

ومن فضائل الأدب أنّه يروّض التمزّق ويحوّله إلى تصالح مع الذات والمحيط، وإلى إبداع في مرحلة النضج، بعد الاقتناع بأنّ مسار العالم يمضي بعيدا عن الرغبات والإرادات.

15