التنديد لا يثني تركيا عن انتهاكاتها في شرق المتوسط وليبيا

البيان الخماسي المندد بالخروقات الاقتصادية التركية والتدخلات العسكرية في ليبيا يثير غضب أنقرة وحكومة الوفاق.
الأربعاء 2020/05/13
انتهاكات تركيا تحت المجهر

أكد البيان المشترك الذي صدر عقب اجتماع وزراء خارجية مصر وقبرص واليونان وفرنسا والإمارات أن الانشغال بأزمة جائحة كورونا لم يثن القوى الإقليمية عن الانتباه إلى انتهاكات أنقرة في منطقة شرق المتوسط وليبيا والتحذير من خطورتها، وهو ما أثار غضب تركيا وحكومة الوفاق الليبية اللتين أبدتا ردود فعل غاضبة تجاه الإدانة الخماسية لتصرفاتها، لكن الخبراء يؤكدون أن هذه المواقف الدبلوماسية ورغم أهميتها الكبيرة لا تثني أنقرة عن مواصلة نهجها العبثي في المنطقة إذ يتطلب ردعها موقفا أقوى وخطوة عملية.

القاهرة - لم يمنع انصراف العالم عن الانخراط في الصراعات والنزاعات مؤقتا، دول مصر وقبرص واليونان وفرنسا والإمارات، من التصدي الدبلوماسي للخروقات الاقتصادية التركية في منطقة شرق البحر المتوسط، والتدخلات العسكرية في ليبيا، حيث ندد وزراء خارجية الدول الخمس في اجتماع لهم عبر تقنية الفيديو، بتجاوزات أنقرة على هذين المستويين، وهو ما تحاول الأخيرة امتصاص تداعياته.

وانتقد المتحدث باسم الخارجية التركية حلمي أقصوي الثلاثاء، الاجتماع الخماسي بحدة، وهو ما تزامن أيضا مع قيام حكومة الوفاق الوطني في طرابلس بإصدار بيان ينتهج الطريق نفسه.

وبدا رد فعل الجانبين غاضبا من اجتماع أكد أن انتهاكات تركيا تحت المجهر الإقليمي، ولن يحول انشغال العالم بأزمة كورونا وانعكاساتها دون الاهتمام بما يجري من تطورات على الساحة الإقليمية، وستتم ملاحقة تركيا دبلوماسيا لمنع تكريس تحركاتها السلبية، فالدول المتضررة منها لن تصمت، ومستمرة في ملاحقتها لكشف زيف ادعاءاتها.

محمد العرابي: يجب تنفيذ محتوى البيان ليردع المجتمع الدولي أنقرة
محمد العرابي: يجب تنفيذ محتوى البيان ليردع المجتمع الدولي أنقرة

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية في بيان لها الاثنين، أن الاجتماع الخماسي عقد لمناقشة آخر التطورات المُثيرة للقلق في شرق المتوسط، وعدد من الأزمات الإقليمية التي تُهدد السلام والاستقرار في المنطقة، بينها زيادة تركيا تدخلها في ليبيا، ودعم الكتائب المسلحة هناك.

وأعاد الوزراء التأكيد على أن كلا من مذكرة التفاهم بشأن تعيين الحدود البحرية في البحر المتوسط، ومذكرة التفاهم بشأن التعاون الأمني والعسكري الموقعتيّن بين تركيا وحكومة الوفاق في طرابلس تتعارضان مع القانون الدولي.

وتأتي الجدوى النسبية للاجتماع من تركيزه على الأهمية الاستراتيجية لتعزيز وتكثيف المشاورات السياسية، حيث أعرب الوزراء الخمسة عن بالغ قلقهم إزاء التصعيد الحالي والتحركات الاستفزازية لتركيا في شرق المتوسط، وهي المحاولة السادسة من قبل أنقرة في أقل من عام، لإجراء عمليات تنقيب غير شرعية داخل المناطق البحرية لقبرص.

وأدان الوزراء تصاعد انتهاكات تركيا للمجال الجوي اليوناني، بما في ذلك التحليق فوق المناطق المأهولة والمياه الإقليمية في انتهاك للقانون الدولي، في إشارة لما رصدته اليونان مؤخرا من تحليق ملحوظ لطائرات تابعة لسلاح الجوّ التركي فوق أراضيها.

وقال وزير الخارجية المصري الأسبق محمد العرابي، إن البيان المشترك يؤكد أن هناك تنسيقا لا غبار عليه للتعامل مع البلطجة التركية، وأراد لفت أنظار العالم لخطورة الجرائم التي ترتكب.

وأضاف لـ”العرب”، أن صدور البيان متأخرا بعض الشيء وبعد أن تمكنت أنقرة من الدفع بالآلاف من العناصر الإرهابية إلى ليبيا لا يقلل من أهميته، لكنه يستوجب تنفيذ محتواه على الأرض وبلورة مواقف جادة كي يتمكن المجتمع الدولي من ردع أنقرة التي لا تأبه بالإدانات المتعددة.

بلطجة تركية
بلطجة تركية

وأشار إلى أن أنقرة لم تنصع للإرادة الدولية منذ عقد مؤتمر برلين في يناير الماضي وما تمخض عنه من مخرجات مهمة، وأي تحركات دبلوماسية لابد أن تتكاتف معها تحركات على مستوى أكبر من خلال الأمم المتحدة، وأن محاولات الاتحاد الأوروبي لوقف تدفق السلاح إلى ليبيا عبر البحر المتوسط لن تأتي بثمار جيدة، مع امتلاك أنقرة العديد من الحيل التي تمكنها من الدفع بميليشيات إرهابية وعناصر من المرتزقة إلى ليبيا وتسلحيهم عبر طرق مختلفة.

وأطلق الاتحاد الأوروبي عملية “إيريني” أخيرا في شرق المتوسط لمراقبة تنفيذ حظر الأسلحة ومنع تدفق المرتزقة إلى ليبيا، لتعزيز التزامه بإحلال السلام، بمشاركة البارجة الفرنسية “جان بار” وطائرة للمراقبة البحرية تتبع لوكسمبورغ، فضلا عن مشاركة ألمانيا بنحو 300 جندي، وتأجل إطلاق العملية نحو شهر بسبب خلاف بين إيطاليا واليونان حول قيادتها، حتى قرر الاتحاد تداول القيادة بين البلدين كل ستة أشهر.

ويقول مراقبون إن العالم لا يزال يقف متفرجا أمام قيام أنقرة بعمليات توطين للإرهاب في ليبيا، ما يشي بأنه لا توجد رغبة حقيقية في وقف هذه الأعمال العدائية، وهو ما يشجع تركيا على مواصلة انتهاكاتها المختلفة.

حسن هريدي: أردوغان استغل الوضع وضاعف حشد الإرهابيين في ليبيا
حسن هريدي: أردوغان استغل الوضع وضاعف حشد الإرهابيين في ليبيا

ويعتقد هؤلاء أن البيانات والإدانات الإقليمية ما لم تتوافر لها قوة دفع متواصلة لن تثني أنقرة عن وقف تصرفاتها، فقد صدر مثلها الكثير ولا تزال تواصل نهجها، ما يرجح فتح الطريق لتعامل كل دولة مع المخاطر التركية بطريقتها ووفقا لما تراه مناسبا لحماية مصالحها.

وعقدت دول شرق المتوسط، مصر وقبرص واليونان، سلسلة من الاجتماعات الدورية للتصدي لتركيا، ووسعت من نطاق تحالفها إلى ما هو أبعد من المدى الاقتصادي، وجرى عقد اتفاقيات عسكرية عدة، وتحاورت هذه الدول مع أطراف إقليمية ودولية، وشكلت منتدى غاز شرق المتوسط لحماية حقوق العديد من الدول في غاز شرق المتوسط، وكلها لم تكن كافية لحض تركيا على وقف تجاوزاتها في المنطقة حتى الآن.

وأوضح الدبلوماسي المصري السابق حسن هريدي أن غياب العبارات التي تلوّح إلى استخدام القوة ضد أنقرة يبدد الآثار السياسية لأي تحركات دبلوماسية، فالتضامن بين القوى الإقليمية أضحى لا يشغل تركيا كثيرا، لأنها تمضي في مخططها من دون أن يعترضها أحد عمليا.

ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى أن الإرادة السياسية، الإقليمية والدولية، لاستخدام القوة ضد أنقرة لا تزال غائبة، ما يعطي تركيا المزيد من الارتياح في تحركاتها، وهي تدرك صعوبة ممارسة ضغوط حقيقية على الرئيس رجب طيب أردوغان الذي استغل الوضع الدولي الغامض وضاعف من عمليات حشد الإرهابيين في ليبيا.

ويبدو أن الدول المتضررة من سياسات وممارسات أنقرة أضحت أمام حتمية استخدام القوة لوقف خيار تغولها في المنطقة، لكن القرار الجماعي يصعب التوافق عليه، الأمر الذي انعكس على بيان الدول الخمس الذي عدد انتهاكات أنقرة ولم يضع حلولا فعلية لوقفها، ما مكن تركيا من استغلال هذا التباين في مواصلة تصرفاتها في شرق المتوسط وليبيا، ولذلك قد تتخذ المواجهة صورا ثنائية وتخرج من إطار السرّ إلى العلن.

4