التهاب الكبد الفايروسي قاتل صامت يهدّد الطبقات المهمشة والفقيرة في تونس

المياه الملوثة والمخدرات وراء ارتفاع عدد المصابين بهذه العدوى القاتلة.
الخميس 2020/11/05
الفايروس يؤثر على الكبد ويعيق وظائفه

خبراء الصحة في تونس يحذرون من تفشي الفايروسات الكبدية في الجهات الفقيرة بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية والبيئية والصحية، فيما تواجه المنظومة الاستشفائية مشاكل عديدة تزيد من صعوبة السيطرة على هذا الوباء الذي يهدد صحة المواطن التونسي.

تونس – سجلت تونس خلال السنوات الأخيرة أرقاما قياسية لمرض التهاب الكبد الفايروسي بأصنافه المختلفة “أ” و”ب” و”ج”، ما أدى إلى اعتبار عدد من جهات البلاد بمثابة بؤر للوباء وخاصة منها محافظة القصرين غرب وسط البلاد.

وتشير إحصائيات وزارة الصحة إلى إصابة 100 ألف تونسي بهذا المرض، فيما أرجعت الجهات المختصة في الوزارة هذا الرقم القياسي إلى إخلالات صحيّة وبيئية، تتمثّل خصوصاً في التصريف العشوائي للمياه المستعملة، إضافة إلى لجوء السكّان إلى شرب المياه من مصادر ملوثة وغير آمنة، وخاصة مياه التحلية التي تُباع للعموم بصرق عشوائية.

وكان مزيان بوعلي، طبيب الأطفال بمحافظة القصرين قد أكد أن حالات الإصابة بمرض الالتهاب الكبدي الفايروسي صنف “أ” قد بلغت مرحلة الوباء في عدد من المحافظات، داعيا وزارة الصحة إلى ضرورة الإسراع في إطلاق حملة تلاقيح مجانية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية ومع عدد من الدول الأجنبية، ومحذرا في نفس الوقت من خطورة الوضع.

وسجلت محافظة قابس جنوب البلاد في العام 2020 وتحديدا في شهر مايو المنقضي 55 إصابة ما دفع الوحدات الصحية بالمحافظة إلى إعلان حالة من الاستنفار. فيما توقع الأطباء إماكنية تزايد الحالات نتيجة ظاهرة انتشار المخدرات والوشم في صفوف فئات الشباب بالخصوص.

ريم عبدالملك: عدد الإصابات من المتوقع أن يرتفع نتيجة عدة سلوكيات خاطئة
ريم عبدالملك: عدد الإصابات من المتوقع أن يرتفع نتيجة عدة سلوكيات خاطئة

واعتبرت ريم عبدالملك رئيسة قسم الأمراض الجرثومية بمستشفى شارل نيكول أن انتشار مرض التهاب الكبد الفايروسي من الصنف “أ” له علاقة بمياه الشرب الملوثة وقلة التدابير الصحية، أما التهاب الكبد الفايروسي من النوع “ج” الذي ينتقل عبر الدم فسببه انتشار المخدرات والوشم بالطرق البدائية والأدوات غير المعقمة، مشددة على ضرورة تجنب المحلات غير المرخص لها والتي يمكن أن تنشر العدوى بهذا الوباء بسهولة.

وقالت عبدالملك لـ”العرب”، إن تونس قد أدرجت التلقيح ضد التهاب الكبد الفايروسي منذ العام 1994 الشيء الذي أدى إلى التقليل من حدة الإصابات، مشيرة إلى أن عدد الإصابات من المتوقع أن يرتفع في الأيام القادمة نتيجة عدة سلوكيات خاطئة منها الخضوع للوشم بطرق غير صحية وتعاطي المخدرات عن طريق الحقن.

ومن المعروف أن التهاب الكبد الفايروسي يعد من بين الأمراض المعدية التي تسببها الفايروسات وتسبب الضرر لخلايا الكبد، وقد يكون الضرر إما مؤقتاً أو طول المدى.

ويعتبر التهاب الكبد الوبائي “أ” شديد العدوى، خاصة في صفوف الأطفال، حيث يتواجد الفايروس في براز الأشخاص المصابين به، ومن الممكن أن يعيش فوق راحة اليدين مدة زمنية تتراوح ما بين 3 و4 ساعات تقريباً.

ومن السهل أن تنتقل العدوى بفايروس “أ” من شخص إلى آخر عبر المراحيض والأطعمة ومياه الشرب الملوثة بالبراز الحامل للمرض، وتؤثر على قدرة الكبد المصاب به على أداء وظائفه.

وبيّنت نصاف بن علية المديرة العامة لمرصد الأمراض الجديدة والمستجدة أن الفايروس منتشر في تونس نظرا للتراجع الواضح في درجات الوقاية وحفظ الصحة، مؤكدة أنه في ظل انتشار الأوساخ والمياه الراكدة والحالة السيئة للمراحيض داخل المدارس تكون جهود القضاء على الفايروس أصعب وتأخذ وقتا أطول.

وبيّن مسح خاص أعدته وزارة الصحة التونسية في العام 2016 ، أن 76 في المئة من مجامع الصحة غير مطابقة للمواصفات ولا يوجد بها مكان للحنفيات من أجل غسل اليدين.

كما كشف المسح أن 93 في المئة من المؤسسات التربوية لا يوجد بها مورد للمياه الصالحة للشرب ما يجعل الأطفال يتزودون بمياه ملوثة متأتية من مجامع مائية وحاويات بلاستيكية غير صالحة للشرب.

وتم في السنوات الأخيرة تسجيل 130 إصابة بمرض التهاب الكبد الفايروسي صنف “أ” في صفوف تلاميذ المدارس الابتدائية الريفية وتسجيل حالة وفاة لفتاة تبلغ من العمر 5 سنوات.

وشهدت محافظات جنوب البلاد نسبا مرتفعة من الإصابة بالتهاب الكبد الفايروسي صنف “ب” وذلك نتيجة لمياه الشرب المحلاة بطرق تفتقر إلى المقوّمات الصحية، في حين يتمركز الصنف “ج” في محافظات الشمال الغربي.

وقالت عبدالملك “إذا كان الشخص الذي يقوم بتحلية مياه الشرب مصابا بالفايروس فإنه سينقله بطريقة سريعة إلى الأشخاص الذين سيشربون هذا الماء”.

100 ألف تونسي مصابون بالتهاب الكبد الفايروسي، والرقم مرشح للارتفاع

وأضافت “عادة ما تتم هذه الطريقة في محيط ملوث قادر على نقل الفايروس بسهولة”، مشددة على أن تحلية المياه تتم بصفة غير قانونية ما جعل وزارة الصحة تدعو الجهات المختصّة إلى التنسيق مع باقي المسؤولين لاتخاذ الإجراءات الضرورية، لمنع بيع مياه الشرب للعموم، بصفة عشوائية. إضافة إلى التأكّد من مدى سلامة المواد الغذائية المعروضة، بما في ذلك الخضروات والغلال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتتبّع المخالفين.

وتنتشر العدوى عادة من شخص إلى شخص عن طريق الأكل ومياه الشرب الملوثين بهذا الفايروس من شخص مصاب به، كما يمكن أن تنتقل عن طريق تناول غذاء غير مطهي، كبعض الأطعمة التي تؤكل نيئة مثل المحار والخضار والفواكه التي يتم تناولها دون تقشير، أو بعد غسلها بماء ملوث.

وأقرّت تونس إجباريّة التلقيح ضد مرض التهاب الكبد الفيروسي “أ”، لجميع الأطفال في السنوات الأولى من التعليم الأساسي، ببلوغهم السنّ السادسة من العمر، فيما توفّر السلطات أكثر من 200 ألف جرعة سنوياً من اللّقاح للمدارس، بحسب المعطيات الرسمية.

وتم خلال السنوات الأخيرة، تسجيل وفيات بهذا المرض، نتيجة ترافقه مع أمراض أخرى، منها فايروس نقص المناعة المكتسبة (الأيدز) لدى بعض المصابين.

 ويُعدّ هذا المرض أقل خطورة من أصناف أخرى من الفايروسات، إلا أن الوقاية ضرورية لمكافحته ومنع انتشاره بين الناس، ويجب أن تبدأ من داخل الأسر لتمتدّ إلى السلطات المحلية.

وواجهت تونس في العام 2018، مشكلة كبيرة هددت صحة المواطن التونسي، وهي نفاذ مخزون دواء مرضى التهاب الكبد الفايروسي صنف “ج” من الصيدلية المركزية، ما دفع بعدد من الأطباء إلى إطلاق صيحات تحذير من نفاذ مخزون دواء هذا الوباء الصامت، مؤكّدين أنّ المخزون الموجود بالصيدلية المركزية لا يتعدى 938 علبة فقط.

وتثير هذه المشكلة الكثير من المخاوف حول إمكانية أن يؤدّي نقص دواء التهاب الكبد الفيروسي صنف “ج” إلى تعكر صحّة المرضى، خصوصا أن توقف المريض عن أخذ العلاج ولو ليوم واحد سيجعل جسده غير قادر على التفاعل الإيجابي مع الدواء، ومن المفروض المواظبة على أخذ العلاج المطلوب.

17