الحشرات تزحف إلى موائد الطعام الأوروبية

هيئة صحية تعطي الضوء الأخضر لاستهلاك الوجبات المشتقة من الخنافس.
الجمعة 2021/01/15
وجبات متنوعة

يختلف مزاج الأكل من فرد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ففي الوقت الذي تقبل فيه شعوب على أكل الحشرات بشراهة تتقزز شعوب أخرى رغم أنها تأكل أشياء مشابهة، لكن الوعي بالقيمة الغذائية جعل هيئات صحية أوروبية تمنح الضوء الأخضر لإنتاج وجبات من الحشرات، لكن يبقى العائق الوحيد هل يقبل الأوربيون ذلك.

بروكسل – أعطت هيئة تنظيمية صحية في الاتحاد الأوروبي الأربعاء، الضوء الأخضر لاستهلاك الأطعمة المشتقة من نوع من الخنافس، وهي الخطوة الأولى التي تمهّد لاتخاذ بروكسل قرارا بالسماح باعتماد الحشرات كأطعمة في أوروبا.

قد تبدو هذه الوجبات مقززة للبعض رغم أن هناك الملايين من البشر يقتاتون على هذه الحشرات في آسيا، ففي اليابان إحدى أكثر الدول تقدما يجمعون الدبابير الناضجة، ويضعونها مع مشروب الشوتشو، حيث تُنقع في هذا المشروب الكحولي الصافي لمدّة عامين، وقد شبهه من شربه بالويسكي.

وفي الوطن العربي يعدّ الجراد وجبة مقرمشة ولذيذة في دول الخليج، وأما في كينيا، فيُجبَر النمل الأبيض على الخروج من تلاله بإحداث ضجيج، ويتم تناوله حيّا بعصارته أو محمّصا، فأكل الحشرات ليس غريبا في أغلب القارات.

وتكتسب الشعوب عاداتها الغذائية من تجاربها التي أقدمت عليها إمّا بدافع الجوع وإمّا من باب الاكتشاف، حتى صاروا يجدون متعة عند أكلها حية أو محمّصة، فسكان الأمازون المحليون يستمتعون بأكل يرقات سوسة تعيش داخل أشجار نخيل “أجواجي” المتعفنة، وبعد استخراجها تُشوى على النار، ونتيجة لتغذّيها على أنسجة النخيل وزيوته، سرعان ما تتحول هذه اليرقات إلى سكر محروق بطعم الكراميل.

ورغم أن الأوروبيين يتقززون من هذه الوجبات إلا أنهم يتناولون المحّار الزلق، والجبن النتن، والنقانق المصنوعة من أحشاء مجهولة.

وخلصت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية بعد دراستها طلبا من الشركة الفرنسية لتربية الحشرات “أغرونوتريس”، إلى أن يرقات “دودة الوجبة” آمنة للاستهلاك “إمّا كحشرة مجففة كاملة وإمّا كمسحوق”.

لمجة مقرمشة
لمجة مقرمشة

وأوضح الخبراء “لا ضرر غذائيا من استهلاك” ديدان الوجبة بسبب تركيبتها الغنية بالبروتينات والألياف، لكنهم رأوا ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث في شأن احتمال حصول تفاعلات من نوع الحساسية.

واقتحمت العقارب المائية والجراد والخنافس كوجبات على الموائد الباريسية منذ سنة 2013، في مطعم “المائدة المكشوفة” الذي أضاف إلى قائمة أطباقه أصنافا من الحشرات المقرمشة المستوردة من تايلاند.

وأثار الطباخ الفرنسي إيلي دافيرون آنذاك ضجة بطبق الجراد مع بيض السمان وطبق العقارب المائية بأعشاب الهندباء البرية وطبق الخنافس بالبطاطا.

ويُتوقع أن تقدّم المفوضية الأوروبية إلى الدول الأعضاء استنادا إلى رأي الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية مسودة اقتراح للسماح بطرح ديدان الوجبة المجففة والمنتجات المشتقة منها في السوق، تتضمن شروط بيعها. ويأمل القطاع في الحصول على ضوء أخضر نهائي بحلول منتصف العام 2021.

وشرح المدير العلمي للوحدة المسؤولة عن درس هذا الملف في الهيئة الأوروبية إيرمولاوس فيرفريس، أن “هذا التقييم الأول لأخطار إحدى الحشرات كغذاء جديد قد يمهد الطريق للموافقة الأولى من هذا النوع على مستوى الاتحاد الأوروبي”.

صناعات تخضع لشروط صحية
صناعات تخضع لشروط صحية

وأضاف، “تقييمنا هو خطوة حاسمة (…) لضمان سلامة المستهلك” التي أصبحت إلزامية مع دخول أنظمة الاتحاد الأوروبي في شأن الأطعمة الجديدة حيز التنفيذ منذ يناير 2018.

وتبحث الهيئة التي تتخذ بمدينة بارما الإيطالية مقرا لها في صلاحية صراصير الليل والجنادب للاستهلاك.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 1900 نوع من الحشرات تُستهلك في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. أما في الاتحاد الأوروبي، فتُستخدم الحشرات التي تُنتج مزارعُ متخصصة بضعة آلاف منها سنويا كغذاء لحيوانات المزارع وخصوصا الأسماك.

ورحّب الاتحاد التجاري الأوروبي لمنتجي الحشرات برأي الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية واصفا إياه بأنه “خطوة كبيرة إلى الأمام” تشجع “المنتجين الأوروبيين الآخرين للديدان وأنواع أخرى من الحشرات الصالحة للاستهلاك” الذين يرغبون أيضا في تسويق هذا النوع من الأغذية.

وأشار الاتحاد إلى أنه من الممكن سلق الحشرات أو قليها أو تجفيفها أو تدخينها أو طحنها للحصول على مسحوق أو دقيق لاستخدامهما في المعكرونة وألواح التغذية والبسكويت.

وأكّد، أن المنتجات القائمة على الحشرات (الغنية بالبروتينات والمعادن والفيتامينات والألياف وكذلك الأحماض الدهنية الصحية وأوميغا 6 و3) يمكن أن تحول دون نقص المغذيات في الجسم، مشددا على أن الأثر البيئي لتربيتها في المزارع محدودة مقارنة بمصادر البروتين الأخرى.

ويزداد الانفجار السكاني في العالم، فتزداد معه حاجة الناس إلى البروتينات، ما حدا بالأمم المتحدة إلى تشجيع بلدان العالم على استخدام الحشرات، مثل الجراد، كمواد غذائية للبشر وعدم الاكتفاء بلحوم الأبقار التي تزيد من الاحتباس الحراري.

عدد سكان العالم حاليا يبلغ سبعة مليارات نسمة ويُتَوَقع أن يصبح تسعة مليارات في عام 2050، كما أن مسألة الأمن الغذائي تعتبر قضية رئيسية للسياسيين في جميع أنحاء العالم، وتربية المواشي كالأبقار هي أحد الأسباب الرئيسية لأكبر مشاكل العالم البيئية، كما تذكر منظمة الأغذية والزراعة.

الأوربيون يتقززون من وجبات الحشرات، إلا أنهم يتناولون المحار الزلق والجبن النتن والنقانق المصنوعة من أحشاء مجهولة
الأوربيون يتقززون من وجبات الحشرات، إلا أنهم يتناولون المحار الزلق والجبن النتن والنقانق المصنوعة من أحشاء مجهولة

وفي أحد المقاهي الصاخبة بباريس عاصمة المأكولات الراقية، توجد وجبة جراد مشوي تنتجها شركة “تير إكسوتيك” بطلب مسبق، وهي وجبة من أطيب الأطعمة في دول كثيرة ولا يعرفها إلا القليل من الفرنسيين.

وباستخدام الحشرات الصالحة للأكل تريد منظمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة للأمم المتحدة “الفاو” مكافحة الجوع في العالم، وتشجع الدول الغنية على استخدام حشرات الخنافس بدلا من لحم الهامبورغر المشوي.

وكانت شركة “إنسكت” الفرنسية الرائدة في إنتاج مسحوق الحشرات لتغذية الحيوانات قد قدمت ملفا إلى الهيئة الأوروبية وإلى نظيرتها الأميركية إدارة الأغذية والعقاقير، يتعلق بمكوِّن أنتجته للاستهلاك البشري “يعتمد على بروتينات الحشرات غير المشبعة”.

ورأت الشركة التي تنتج دقيق الحشرات للأسماك المستزرعة أن تغذية الرياضيين قد تكون سوقا مناسبة لهذا المنتج.

وكشف أنطوان أوبير المدير العام للشركة التي دخلت في التزام مع شريك في هذه السوق الجديدة، أنها تسعى إلى استخدام هذه المكونات في تصنيع “ألواح الطاقة التي تساعد (الرياضيين) على استعادة طاقتهم والاستعداد لبذل الجهد”. كما تطمح إلى أن يمثل هذا القطاع “10 في المئة من حجم المبيعات في السنوات الخمس المقبلة”.

والاتحاد الأوروبي يمنح الدول الأعضاء فيه ثلاثة ملايين يورو للبحث في هذا المجال من أجل جعل الناس أكثر إقبالا على الحشرات، وتبقى قوانين الاتحاد الأوروبي ليست هي العقبة الوحيدة من أجل إتاحة وصول الحشرات الصالحة للأكل إلى الموائد الأوروبية، فالأوروبيون أيضا في حاجة إلى تغيير عاداتهم ليقبلوا بأكل الحشرات.

Thumbnail
20