الحكايات الشعبية المغربية تقاوم وطأة الوباء

مبادرات مغربية تحتفي بالحكاية الشعبية وتوظفها كوسيلة للترفيه وتخفيف وطأة الحجر ومقاومة كورونا.
الجمعة 2020/06/05
حكايات بين عمق التاريخ ومتعة الخيال

الرباط –  لطالما شكلت الحكايات الشعبية موروثا ثقافيا شفويا تتناقله الأجيال، ويحمل عبر الأزمان قصصا من الحقيقة أو الخيال، تحتفي بقيم الخير والحب والجمال وغيرها، إذ يشكل باستمرار أداة تجمع بين الترفيه والتربية وتلقين القيم للناشئة وتثقيفهم.

وفي زمن جائحة كوفيد – 19 بالمغرب، وما فرضته من حجر صحي على الناس، برزت مبادرات عديدة تحتفي بالحكاية الشعبية وتوظفها كوسيلة للترفيه وتخفيف وطأة الحجر ومقاومة الوباء، ولاسيما بالنسبة إلى شريحة الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة مضطرين إلى المكوث في منازلهم بعدما تقرر تعليق الدراسة، وباتت أسرهم تجتهد في إيجاد سبل لهم لاستغلال الوقت داخل جدران المنزل دون شعور بالضجر.

وفي هذا الصدد، تبرز مبادرة نجيمة طاي طاي غزالي، رئيسة جمعية لقاءات للتربية والثقافات، ومديرة مهرجان مغرب الحكايات، التي قدمت طيلة شهر رمضان برنامجا مسائيا يوميا على قناتها في موقع يوتيوب، عرضت خلاله ثلاثين حكاية من صميم التراث المغربي.

وتقول طاي طاي غزالي، التي تلقب برائدة الحكاية الشعبية بالمغرب، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن الحجر الصحي أعاد الاعتبار إلى التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة ووفر وقتا أطول لهم لاكتشاف بعضهم البعض، مبرزة دور الحكايات عن بعد في زمن تغيب فيه الأسرة الكبيرة التي كانت الجدات يضطلعن فيها بهذا الدور، وتسود الأسرة النووية التي يختلي كل فرد فيها بهاتفه الذكي أو لوحه الإلكتروني.

الحكايات الشعبية وسيلة للتأطير وتنمية التفكير النقدي وتوسيع ملكة الخيال إضافة إلى ترسيخ ثقافة التسامح والمحبة

وأوضحت أن الحكايات الشعبية في زمن الحجر الصحي أفسحت المجال للاحتفاء باللّمة العائلية، مشيرة إلى أن مبادرتها لقيت إقبالا من طرف العديد من الأسر التي يوفر بعضها طقوس الاستماع لحكاياتها وفق حلقة يجتمع فيها الوالدان والأبناء، وهي الحكايات التي تكتشف فيها الناشئة تنوع وغنى الثقافة المغربية بروافدها العربية والإسلامية والأمازيغية والأفريقية واليهودية.

وأبرزت طاي طاي غزالي أن إشاعة هذه الحكايات التي تمرر خطابا ورسائل قيّمة تحث في المجمل على التسامح والمحبة، تمكن أمهات اليوم من تملكها وتلقينها لأبنائهن بطريقتهن وأحاسيسهن، بما يضمن انتقالا شفهيا لهذا التراث، وتصالحا وتواصلا مستمرا بين الأجيال.

وإلى جانب المبادرة الفردية لطاي طاي، برزت أيضا مبادرات مؤسساتية لجأ أصحابها إلى أسلوب الحكاية عن بعد لمؤانسة الأطفال وإمتاعهم في فترة الحجر الصحي، من قبيل مبادرة المكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.

 ويؤكد إبراهيم ورتي، منسق خلية التنشيط الثقافي بهذه المكتبة، في هذا الصدد أن الحكاية تعتبر بمثابة “ركيزة أساسية للبرنامج الثقافي للمكتبة، باعتبار دورها في تربية الأطفال على قيم الخير والحب والجمال”.

ويضيف ورتي أن “الحكاية تعد أيضا واحدة من الوسائل الفعالة والجميلة والسهلة التي نعتمدها لغرس حب القراءة في نفوس الأطفال منذ نعومة أظافرهم”، مشيرا إلى أنه لذلك “دأبت المكتبة الوسائطية منذ افتتاحها على تنظيم ورشات للقراءة والحكي وبلغات عدة هي العربية والفرنسية والإنجليزية”.

أساطير تشدّ انتباه الصغار والكبار
أساطير تشدّ انتباه الصغار والكبار

وحسب ورتي، فقد “حرصنا مؤخرا على تقديم حكايات من صميم التراث الشعبي المغربي تحت مسمى ‘حكاية زمان‘ لنلفت انتباه أطفالنا إلى تميز الشخصية المغربية وحكايات تراثنا الغنية والحافلة بالحكم والقيم”، مؤكدا أن هذا البرنامج لقي “إقبالا كبيرا من جانب الصغار جعلنا نفكر في مضاعفة حصته في البرنامج الثقافي للمكتبة”.

ولا يقتصر برنامج الحكايات للمكتبة على الحكاية الشعبية، وإنما هناك برامج أخرى أعطيت انطلاقتها تماشيا مع حالة الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا.

ويوضح ورتي أن برنامجي “حكايات المساء” الذي تقدمه مريم أنيق و”حكايات وظلال” من تقديم لبنى إدبو القاسم، قد عززا العرض الثقافي للمكتبة الذي استهدف بشكل خاص الأطفال لمساعدة الأسر المغربية في التغلب على ظروف الحجر.

والحصيلة الأولية لهذه البرامج التي تعرض على صفحة المكتبة الوسائطية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك “إيجابية جدا”، كما يقول ورتي، مبرزا أن عدد المشاهدات التي تحققها في تزايد مطرد خصوصا وأن الحكايات التي أنجزوا مقاطع فيديو لها من قبيل حكاية “جرادة مالحة”، و”بنت الدراز” التي كانت بصوت سهام كرواض، هي حكايات معلومة ومعروفة لدى جمهور الآباء مما يسهل على الأطفال متابعة أحداثها وتفاصيلها.

مبادرة أخرى من المبادرات المدنية التي عملت على استغلال فكرة الحكايات كوسيلة لتخفيف وطأة الحجر الصحي وتمرير رسائل مفيدة للناشئة، قدمها القائمون على برنامج يحمل اسم “حكايات شهرزاد”، وهو برنامج لتكوين الحكواتيات تشرف عليه جمعية “أكاديمية التغيير” بشراكة مع عدد من الجمعيات شمال المغرب.

وتقول مريم العبودي، منسقة برنامج “حكايات شهرزاد”، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، “نعتبر أن الحكاية الشعبية المغربية وسيلة لتمرير مجموعة من الرسائل التربوية والقيم الإنسانية”، مضيفة “لجأنا إليها في زمن الحجر الصحي للترفيه عن الأطفال وكذلك للتوعية بالإجراءات الاحترازية للوقاية من فايروس كورونا”.

وتشير في هذا الصدد إلى أن البرنامج أنتج حكاية خاصة بفايروس كورونا جعل منها أداة للتعريف بالفايروس وأعراضه وللتوعية بضرورة اعتماد التدابير الوقائية من قبيل التباعد الاجتماعي والنظافة والتعقيم وغير ذلك، مؤكدة أن هذه الحكاية حققت هدفها باعتبارها تعتمد لغة بسيطة ومثيرة للإعجاب في آن واحد.

وإلى جانب التوعية بالجائحة، تضيف العبودي أن خريجات برنامج “حكايات شهرزاد” الذي يروم توظيف الحكاية الشعبية كوسيلة فعالة في التأطير وترسيخ القيم والمهارات، ينشرن حاليا عددا من العروض لحكايات شعبية من صميم التراث المغربي على مواقع التواصل الاجتماعي.

وسجلت العبودي أن البرنامج الذي بلغ عدد خريجاته إلى حدود اليوم 225 حكواتية، يلقى إقبالا جيدا من طرف المشاهدين والمتابعين، كما يشهد إقبالا من طرف العديد من المدارس الخاصة التي تدعو خريجاته إلى تقديم عروض عن بعد لفائدة تلاميذها.

وخلصت المتحدثة إلى أن العروض التي يتم تقديمها في إطار البرنامج في زمن الجائحة وغيره عادة ما تتلوها نقاشات للمواضيع التي تطرحها، وهو ما ساهم في تغيير النظرة النمطية إلى الحكاية من مجرد قصة تروى قبل النوم، إلى وسيلة للتأطير وتنمية التفكير النقدي وتوسيع ملكة الخيال، وكذا التخفيف من وطأة الحجر ومقاومة الوباء.

15