الخلاص بالفلسفة في عوالم الخراب والدمار

الفلاسفة هم وحدهم مَن ينتشلونك من العذاب وهم القادرون على مواساتك والأخذ بيدك إلى جادة الطريق.
السبت 2019/09/21
شمس الفلسفة تنقذ الأفراد من اليأس (لوحة للفنان بسيم الريس)

يرى كثيرون أن الفلسفةَ عِلمٌ جَافٌ، يَهدف إلى التنظير وإعمال العقل. وأما أصحابها فهم غريبو الأطوار، أو مجانين ثرثارين، فهم يمْلِكون قُدرة كبيرة على تأويل العالم غير أنهم عاجزون أبدا عن تغييره، وقد أهيلت عليهم التهم الكثيرة مثل الهرطقة، والسفسطة وإفساد عقول الناشئة، وغيرها من التهم، لكن الفلسفة بعيدة عن هذه النظرة الضيّقة. 

الفلسفة حسب ليوتار ممارسة تهدف إلى تغيير وجه العالم مثلها مثل التحليل النفسي الذي يعتبره فرويد “طبًّا سريريًّا”، لكن هل نظر أحد إلى المسعى الحقيقي للفلاسفة، والذي جعلهم يتحمّلُون كافة الاتهامات، بل وَيُقْدِمُون على تجرّع السُّموم؛ وهو ماثل في تخليص الناس من الشّقاء ودفعهم إلى السّعادة. على اعتبار أن مدرسة الفلسفة أشبه “بعيادة طبيب” على حدّ قول إبكتيتوس.

كما أن الفلسفة هي مرشدنا إلى إعمال الفكر وإلى الفهم العميق للنفس الإنسانيّة على حدّ تعبير سعيد ناشيد. بل ثمة ارتباط شرطي بين الفلسفة والحياة. فلا يمكن تنمية القدرة على الحياة من دون تنمية القدرة على التفكير. كما أن تقليص دائرة الشقاء في حياة الإنسان رهين بتنمية مهارة التفكير.

عزاءات الفلسفة

سعيد ناشيد: الفلسفة تمنحنا القدرة على قراءة النصوص وحسب
سعيد ناشيد: الفلسفة تمنحنا القدرة على قراءة النصوص وحسب

في ظل عوالم الخراب والدمار التي تحيط بنا من كل جانب، عوالم محكومة بالاضطراب تارة ومحاصرة بالإرهاب تارة ثانية، أضحى الفرد مُستلبًا بوسائل متعدّدة، بل أحيانا يأتي الاستلاب بإرادة حرّة، بتسليم نفسه للتكنولوجيا الحديثة. في ظل هذه العوالم السريالية التي راحت تشكل ذواتنا وواقعنا، قد تكون الفلسفة هي الحل.

والأمر الذي يدعو إلى التساؤل: هل حقًّا نحتاج إلى الفلسفة؟ وماذا تقول الفلسفة لهؤلاء الذين يعيشون الحياة في ظروف شديدة القسوة والضراوة؟ لنتفق أولا أن التفكير هو أداة تحرير الإنسان من الانفعالات السلبية والغرائز البدائية (الغضب، الخوف، والكراهية) كما يقول نيتشه الذي وصف التفكير بأنه “إعمال المطرقة”.

هكذا عادت الفلسفة وأسئلتها، وكأنها كما قال آلان دو بوتون “أشبه بعزاءات لنا”. فليس دور الفلسفة كما يقول سعيد ناشيد “أن تمنحنا القدرة على قراءة النصوص وحسب”، بل دورها بالأساس في “أن تجعلنا قادرين على الحياة” وهو الدور الذي نحتاجه اليوم في عصر إنسان ما بعد الأديان. ربما تأكيدا لما قاله هيغل من قبل “عندما تتلاشى القوة الموحّدة لحياة البشر وتفقد التناقضات علاقاتها وتفاعلاتها الحيّة وتحصُل على استقلالها الذاتي تنشأ إذن الحاجة إلى الفلسفة”، أي بحثا عن وحدة المعنى، الفلسفة تبدأ من حيث يفنى شيء ما، وهذا الشيء هو القدرة على التوحيد.

لماذا نتفلسف

قد يبدو تساؤل جان فرانسوا ليوتار: لماذا نتفلسف؟ قد وجد جوابه في كتابات متعدِّدة سواء أجنبية أم عربية. فيأتي جواب آلان دو بوتون المولود في زيوريخ عام 1969، في كتاب بعنوان “عزاءات الفلسفة: كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة” ترجمة (يزن الحاج)، حيث يقدّم لنا فيه أشبه بخلطة سرّية للسعادة في الحياة، ولكن بمواصفات الفلاسفة.

فالفلاسفة هم وحدهم مَن ينتشلونك من العذاب وهم القادرون على مواساتك والأخذ بيدك إلى جادة الطريق، لأن الفلسفة تعني في الأساس حُبّ الحكمة والتدرُّب عليها. ضاربًا المثل بسقراط الذي كان بمثابة نموذج إيجابي في كسر نمطية الأفكار السائدة، وكيفية التمرد عليها حتى ولو كان المصير الموت. فقد أشاع سقراط بين عموم الناس، عدم اليقين للأفكار السائدة، وكأنّ وظيفة الفيلسوف هي التحريض على عدم الاقتناع، بأن الآخرين على خطأ وفقط بل يدفع الناس إلى التفكير.

كما يستعرض للفلسفة الأبيقورية، التي قوامها فكرة جوهرية مفادها: ما الذي يجعلني سعيدا؟ وهو أشبه بسؤال: ما الذي يجعلني بصحة جيّدة؟ ومثلما نلجأ إلى الطبيب لمعالجة عللنا الجسدية، علينا اللجوء إلى الفيلسوف لمعالجة أرواحنا العليلة. فالسعادة عنده معتمدة على بعض الأمور السيكولوجية المعقدة، لكنها مستقلة نسبيا عن الأمور المادية، باستثناء الأولويات المعيشيّة. وعن علاقة السعادة بالأصدقاء، فيقول “إننا لن نكون سعداء دون أصدقاء”.

تنويعات مختلفة للأشياء التي تدفع اليأس والإحباط والتشاؤم
تنويعات مختلفة للأشياء التي تدفع اليأس والإحباط والتشاؤم

فواجب الفلسفة كما يقول أبيقور هو مساعدتنا على تأويل نوبات اليأس والرغبة الغامضة التي تعترينا. وينفي الكاتب أن يكون ما راج عن أبيقور من أنه كان يُولي اهتماما بالمتع والشبق الجنسي، فهذا ليس من الحقيقة في شيء. فخلاصة فلسفته هو الزهد في متع الحياة، حتى أنه كان يوصي بأن ينشغل تفكير المرء قبل النوم في من يختار لكي يتناول طعامه وشرابه معه.

كما يقدّم الكاتب آلان دو بوتون تنويعات مختلفة للأشياء التي تدفع اليأس والإحباط والتشاؤم عنا، عندها نلجأ إلى سينيكا، الذي واجه أزمات وإحباطات متعدّدة، سواء على المستوى العام أو على المستوى الشخصي. إلّا أنّه استطاع التغلُّب على هذا، فما تعلّمه من الفلسفة جعله يواجه الموت بثبات، فعلى حد قوله “أدين بحياتي للفلسفة، وهذا أقل التزاماتي حيالها”. وكأن الفلسفة هي الوسيط بين الإنسان والأزمات عبرها يستطيع أن يتجاوز التباينات بين الأماني والواقع، فعندما نُقلع عن التعلُّق بآمال عريضة عندئذ سنتجاوز الغضب.

بناء الحضارة

إذا كان لويتار يجيب عن سؤال لماذا نتفلسف؟ بقوله لأننا نرغب؟ فإن سعيد ناشيد في كتابه “التداوي بالفلسفة” يرفع سقف أمانيه من الفلسفة، لا فقط باعتبارها هي التداوي، وإنما باعتبارها هي التي تصوغ له قواعد حياة تستحق أن تُعاش بصرف النظر عن المكانة والمكان والإمكان. فصوغ هذه القواعد وتنظيمها هو المهمة الأصلية للفلسفة منذ لحظة سقراط، إلى ما بعد نيتشه. ومن ثمّ يشدّد بقوله “إذا لم تؤازرك الفلسفة في مواجهة أشدّ ظروف الحياة قسوة وضراوة فهذا يعني أن دراستك للفلسفة مضيعة للوقت”.

وما بين رجاءات وأمنيات بأن يحيا بالفلسفة حياة بسيطة، وهي التي صار طريقها صعبا بعد أن ضيّعنا الطريق إليها في غمرة الأوهام الكبرى. ويتساءل هل للتفكير الفلسفي دورٌ في بناء الحضارة المعاصرة؟ وفي سبيل تأكيد هذا التساؤل وتحويله إلى مُسلَّمة، يأخذنا في تساؤلات متفرعة يؤكّد من خلالها أهمية الفلسفة، فيتساءل: لولا هذه النصوص الكبرى كيف سيكون تفكيرنا الآن، وكيف ستكون علاقتنا بالدين والحلم والأسطورة والخيال والحبّ والجمال؟ وكيف ستكون قدرتنا على التفكير والنقد والتأمّل والتفكيك؟

وإذا كانت هناك شعوب لحقت بركب الحضارة، دون الحاجة إلى التفكير الفلسفي (كالصين والهند وجنوب أفريقيا.. إلخ)، فمع تعلُّم هذه الشعوب الصناعة والإدارة، إلا أنها ستظل عاجزة عن إبداع أنساق علمية جديدة تتجاوز بها أينشتاين وماكس بلانك.

هل حقًّا نحتاج إلى الفلسفة
هل حقًّا نحتاج إلى الفلسفة

فالإبداع النظري التصوّري يحتاج إلى علم الكليات كما هو عند أرسطو. وبذلك تكون الفلسفة هي السلّم الذي ارتقته الحضارة المعاصرة صعودا متدرجا نحو تحسين قدرة الإنسان المعاصر على التفكير في مواجهة الأوهام، وتحسين قدرته على العيش في مواجهة الشقاء وقدرته على التعايش في مواجهة عنف الإنسان ضدّ أخيه الإنسان.

ولذا يكون الدفاع عن الفلسفة ليس مجرد دفاع عنها في حدّ ذاتها، وإنما هو دفاع على صيرورة تطوُّر العقل الإنساني نحو تحسين القدرة على التفكير في عالم تطورت فيه تقنية الاستلاب، وتحسين القدرة على العيش في عالم محكوم بالاضطراب، وتحسين القدرة على التعايش في عالم يحاصره الإرهاب.

يرى سعيد ناشيد أن من يظن أن التفكير  يحتاج إلى العمق، هذا وَهمٌ وليس حقيقة. ومن ثم ينصحهم بألا ينقادوا وراء فكرة البحث عن العمق، فيفقدوا إحساسهم بالحياة، وتلمُّس متعها وملذاتها “جريا وراء العميق، فهذا سيؤول بهم إلى أنْ يفقدوا الحياة نفسها”.

وفي الوقت نفسه يهوّن من الإفراط في الأمل، لأنه كلما كَبُر حجم الأمل كَبُرَ حجم اليأس. وقد يكبر إلى درجة تدمير كل شيء. فالحياة تقول شيئا آخر: إن الاعتراف بانعدام الأمل قد يكون عاملَ إبداعٍ وتحرّر لإثبات للذات. لذا يدعو لأن يتصالح المرء مع قدره الخاص من دون أن يقارن قدره مع أقدار الآخرين، فالشعور بامتلاك الأمل قد يكون سلبيا، وعامل استلاب في الأول وإحباط في الأخير. وهو ما يتوافق مع قول جلال الدين الرومي في رباعياته: “هناك الكثير من الأمل في غياب الأمل”.

اللجوء إلى الفلسفة كحل لمعالجة أزماتنا هل هو مصادفة، أم تصاريف قدرية؟ ففي الوقت الذي تزداد أزماتنا يدعونا بعض الكتاب؛ لأن نحيا بالفلسفة! أو أن نتداوى بالفلسفة، أو يُوصى بأن نجد عزاءاتنا في الفلسفة، وقد أوعز هذا لأن يصيح أحدهم وكأنه وجد الحل، فيعلن لقد أصبحت “الفلسفة فنّا للعيش” أو هي “أسلوب حياة” تواجه به المشكلات والعقبات. ربما أثبتت التجربة أن الحلول الأخرى غير مُجدية دون التفكير الذي هو أداة الفلسفة. فالحياة تحتاج إلى تأمّل لمواجهتها كما قال شوبنهاور.

15