الخلافات تضع كرة الاستفتاء على الدستور في مرمى ملتقى الحوار الليبي

هل يتم انتخاب رئيس البلاد عن طريق انتخابات رئاسية مباشرة أم الاقتصار على انتخابات نيابية فقط؟
الأربعاء 2021/05/12
إصرار على إنجاح المرحلة الانتقالية رغم الصعوبات

طرابلس - تضع الخلافات بشأن موعد الاستفتاء على مسودة الدستور الليبي مع تعمد البرلمان والإخوان على حدّ سواء المماطلة والتمديد في عمر الأزمة للاستفادة من المرحلة الانتقالية والسيطرة على مؤسسات الدولة، إلى الاستنتاج أن خطوة الاستفتاء لن تُجرى قبل الانتخابات، ما يضع الكرة في مرمى ملتقى الحوار الذي يتجه لتأجيله إلى ما بعد الانتخابات المرتقبة.

فاللجنة القانونية التي شكلها ملتقى الحوار برعاية أممية قدمت مقترحا لقاعدة دستورية ستُجرى على أساسها الانتخابات، بعد فشل في اعتماد مسودة الدستور التي تمت صياغتها في 2017، أو حتى اعتماد الإعلان الدستوري لعام 2011، أو اقتراح قاعدة دستورية جديدة.

وفي الرابع من مايو، أحال المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش القاعدة الدستورية التي أنجزتها اللجنة القانونية إلى ملتقى الحوار الذي يضم 75 عضوا، لاعتمادها والفصل في النقاط الخلافية، عقب عيد الفطر المرتقب. لكن أهم ما تضمنته هذه القاعدة الدستورية، “تأجيل طرح الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد انتخابات 24 ديسمبر المقبل”.

وكانت هذه نقطة الخلاف الرئيسية بين المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) برئاسة خالد المشري وبين جزء من النواب الموالين لعقيلة صالح رئيس البرلمان. كما أن لجنة صياغة الدستور (المنتخبة)، شددت على ضرورة إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات، وأيّد وجهة النظر هذه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة.

ويلاحظ متابعون أن صالح والمشري هما المستفيدان من عرقلة عرض مسودة الدستور على الاستفتاء الشعبي، لتضمنها مواد قد لا تخدم مصالحهما. ويعتقد هؤلاء أن الهدف من إثارة مثل هذه المسائل الخلافية والدفع بها إلى واجهة السجال السياسي لا يخرج بشكل خاص عن المناورات الإخوانية التي تستهدف رمي المزيد من العقبات والعراقيل، التي تحول دون تهيئة مناخ عام قادر على تسهيل تنظيم الانتخابات في موعدها.

وبينما تقف البعثة الأممية والدول الغربية خلف موعد 24 ديسمبر، وتدعو إلى إجراء الانتخابات في هذا الموعد حتى ولو قبل الاستفتاء على الدستور. يتقاطع ذلك مع وجهة نظر رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، الذي أعلن أكثر من مرة استحالة إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات من الناحية التقنية، إلا إذا تم تأجيل الانتخابات إلى 2022.

عماد السايح: تقنيا، من الصعب إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات
عماد السايح: تقنيا، من الصعب إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات

وإحدى النقاط الخلافية التي لم تحسمها اللجنة القانونية، متعلقة بطريقة انتخاب رئيس البلاد، هل يتم عن طريق انتخابات رئاسية مباشرة؟ أم يتم الاقتصار على انتخابات نيابية فقط، ويتولى البرلمان انتخاب الرئيس بأغلبية الثلثين؟

وخلفية هذا الخلاف مرتبطة بالصراع بين الأقاليم، فبينما يقطن المنطقة الغربية (إقليم طرابلس) أكثر من نصف السكان البالغ عددهم أقل من 7 ملايين نسمة، فإن نحو ثلث السكان يعيشون في المنطقة الشرقية (إقليم برقة)، وأقل من 10 في المئة في المنطقة الجنوبية (إقليم فزان).

وبينما يميل أغلبية قيادات المنطقة الغربية للاقتراع المباشر لرئيس البلاد، تفضل أطراف في المنطقة الشرقية انتخاب الرئيس عبر البرلمان، ما يمنحها مساحة أوسع للمناورة لامتلاكها الثلث المعطل، بحسب توزيع المقاعد على الأقاليم الثلاثة (100 مقعد لطرابلس، و60 لبرقة، و40 لفزان).

وفيما يشدد الطرف الداعي إلى انتخابات رئاسية مباشرة، على ضرورة منح الرئيس صلاحيات واسعة، وإلا سيتكرر المشهد التونسي في ليبيا، من انسداد بسبب الصراع بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية والحكومة والبرلمان)، يعتقد الداعون لضرورة انتخاب الرئيس من أعضاء البرلمان، أنه لا يجب صناعة “قذافي” جديد، ويفضلون وضع السلطة في يد البرلمان، كما كان عليه الحال ما بين 2012 و2014.

حيث يعتبر رئيس البرلمان القائم بمهام رئيس البلاد، وبإقالة رئيس البرلمان تتم الإطاحة بالرئيس، كما حدث مع محمد يوسف المقريف، رئيس المؤتمر الوطني العام (2012-2013).

ومن المنتظر أن يحسم ملتقى الحوار في هذا الخلاف بعد عيد الفطر، خاصة وأن مفوضية الانتخابات حددت تاريخ 1 يوليو المقبل، كآخر أجل لاستلام القاعدة الدستورية لبدء الاستعدادات لإجراء الانتخابات في موعدها.

ومن النقاط المثيرة للاهتمام في مقترح القاعدة الدستورية أن ولاية رئيس مجلس النواب ونائبيه لا تتجاوز عاما واحدا غير قابلة للتجديد.

بينما لا تتجاوز ولاية البرلمان أربع سنوات، بمعنى أن كل ولاية برلمانية ستشهد انتخاب 4 رؤساء لمجلس النواب. فالكتلة الأكبر أو الائتلاف المهيمن في البرلمان ستكون له الكلمة العليا في اختيار رئيس البرلمان، وربما رئيس البلاد، وله صلاحية حجب الثقة عن الحكومة.

لكن في حالة عدم وجود كتلة تملك أغلبية مطلقة، فإن هذا يدفع نحو ائتلافات حزبية وسياسية ما يخلق حكومات غير مستقرة على غرار ما يجري في تونس ولبنان وإيطاليا، خصوصا وأن ليبيا تعاني من تشرذم أطيافها سياسيا وأيديولوجيا وقبليا وجهويا.

فالهدف من وضع السلطة في يد الأغلبية البرلمانية بدلا من رئيس الجمهورية أو حتى رئيس البرلمان من شأنه تقوية المؤسسات الدستورية لكنه بالمقابل يُضعف القيادات المركزية ويجعلها عرضة للابتزاز والمساومة، وهذا ما شهدته عملية تشكيل حكومة الدبيبة في مارس الماضي.

ويميل الرأي الغالب في ليبيا إلى نظام سياسي أقرب للبرلماني منه إلى الرئاسي أو شبه الرئاسي، وهذا مدعاة للمزيد من عدم الاستقرار، وتقوية الأطراف على حساب المركز.

ويعني التوجه نحو انتخابات برلمانية بلا دستور يعني أن البلاد ستدخل مرحلة انتقالية جديدة بدل أن تخرج من نفق المراحل الانتقالية الذي دخلته قبل 10 سنوات.

وإذا تم إلغاء الانتخابات الرئاسية والاكتفاء بانتخابات برلمانية فقط دون دستور دائم، فمن شأن ذلك تكرار سيناريو 2014، عندما تم انتخاب مجلس نواب لعام واحد فقط خلفا للمؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي) حيث تحول الصراع السياسي إلى نزاع دستوري فاقم الوضع الأمني.

6