الدورة 41 لمهرجان القاهرة السينمائي تعيد الآمال للجماهير

اهتمام واسع بأفلام الفن التي أثارت الكثير من النقاشات، وجوائز المسابقة الرئيسية الدولية أفرزت أسماء جديدة لسينمائيين جدد.
الثلاثاء 2019/12/03
"شارع حيفا" فيلم يتمتع بدرامية وقوة ووضوح

تميزت الدورة الـ41 من مهرجان القاهرة السينمائي التي اختتمت مؤخرا بمستواها الفني العالي، حيث تضمنت عددا كبيرا من الأفلام الجديدة فنيا، كما تنوعت كثيرا في برامجها مقارنة بالدورات السابقة، إذ أولى منظمو المهرجان هذا العام اهتماما خاصا بالسينما العربية التي تشهد تطورا هاما في السنوات الأخيرة.

يحسب لمنظمي المهرجان تمكنهم من الحصول على عدد لا بأس به من الأفلام التي عرضت عروضا عالمية أولى. هذا الاهتمام يجب أن يستمر وينمو أكثر ليصبح المهرجان قادرا على استقطاب الأعمال السينمائية الجديدة لكبار السينمائيين، ولكن لا يجب أن يصبح هذا هو هدف المهرجان، بل يجب أن يولي المهرجان اهتماما أكبر في اكتشاف أفلام المواهب الشابة الجديدة بحيث يصبح المهرجان ساحة استقطاب لمثل هذه المواهب، ومنه يمكن أن تنتقل إلى مهرجانات أخرى. فليس من المتوقع مثلا أن يمنح مخرج مخضرم مثل كن لوتش (المرتبط تاريخيا بمهرجان كان) فيلمه الجديد لمهرجان القاهرة، لكن مخرجا جديدا موهوبا من جمهورية التشيك أو رومانيا أو البرازيل، يمكن أن يصبح فيلمه “الحصان الأسود” للمهرجان. وأظن أن جوائز المسابقة الرئيسية الدولية أفرزت أسماء جديدة لسينمائيين جدد.

تضمنت المسابقة الرئيسية 15 فيلما اجتهد فريق المهرجان في الحصول عليها. ليست كلها أفلاما عظيمة بل تتراوح في مستواها. لكن كان فيها دون شك بعض المفاجآت مثل الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم (الهرم الذهبي) وأفضل ممثل وهو المكسيكي “أنا لم أعد هنا”. أو الفيلم البرازيلي “الرجل الودود”، والفيلم “شبح مدار” الفائز بجائزة الهرم البرونزي.

والجوائز بوجه عام تعبر عمّا توصلت إليه لجان التحكيم التي منحتها في المسابقات المختلفة للمهرجان، منها ما نتفق معه ومنها أيضا ما نختلف معه، فليس من المعقول منح جائزة أفضل سيناريو لعمل أضعف ما فيه هو السيناريو نفسه، لكن الواضح أن اللجنة محكومة بما لديها، وستكون لنا وقفة مع الفيلم المكسيكي الفائز بجائزة الهرم الذهبي.

المحطة الأخيرة

"الخطيئة" يصور فترة قاسية في حياة الفنان الإيطالي الأسطوري مايكل أنجلو
"الخطيئة" يصور فترة قاسية في حياة الفنان الإيطالي الأسطوري مايكل أنجلو

استرعى الانتباه الفيلم اللبناني التسجيلي الطويل “بيروت المحطة الأخيرة” الفائز بجائزة أفضل فيلم غير روائي، للمخرج إيلي كمال. ويعبر فيه مخرجه بحساسية فائقة ومن خلال أسلوب شعري عن تاريخ لبنان في القرن العشرين بل وحتى اليوم، من خلال تاريخ السكك الحديدية ومحطة بيروت للقطارات، كيف نشأت وازدهرت، ثم تدهورت وتوقفت ولم يمكن قط استعادتها. ويستخدم المخرج التعليق المكتوب والشرح والمعلومات من دون إقحام أو تشتيت للفرجة، مع صور من المحطة ومن القطارات القديمة ولقطات أخرى أرشيفية، في بناء بديع منسوج معا ببراعة ودقة، لا يهدف فقط لتوصيل معلومات رغم كثرتها، بل للتعبير الذاتي الشعري الحزين عن محنة لبنان وصولا إلى ما يجري الآن. هذا عمل شديد المعاصرة رغم أنه يستخدم مادة تاريخية، وهنا يكمن سر تميزه كما أنه أيضا عمل مؤثر يثير الشجون ويوقظ المشاعر. وعندما يرثي إيلي كمال ما آل إليه خط السكة الحديدية فكأنه يرثي لبنان بأسره.

أما فيلم “أوفسايد الخرطوم” فقد جاء مخيبا للآمال. فالمخرجة السودانية مروة زين أرادت أن تحاكي تجربة أخرى شاهدناها العام الماضي، أي فيلم “حقول الحرية” للمخرجة الليبية الشابة نزيهة غريبي، في تصوير تحدي مجموعة فتيات الحكم العسكري الإسلامي المتشدد في السودان، وتكوين فرقة لكرة القدم، ومحاولة تأسيس كيان يجمعهن والمشاركة في الفعاليات المحلية والدولية أيضا خارج السودان. لكن بينما كان فيلم “حقول الحرية” يتركز على حلم ثلاث فتيات تتابعهن الكاميرا في حياتهن اليومية، تلقي بأضواء على علاقتهن بعائلاتهن وبالمجتمع عموما، وموقف رجال الدين منهن، يميل الفيلم الثاني إلى الاحتفاء بالظاهرة من على السطح، دون التعمق في ثنايا الموضوع، ودون تركيز على الفكرة الأساسية، بل يتفرع في اتجاهات متعددة، ويبدو كما لو كان مشروع فيلم قصير تم تمديده دون ضرورة فظل يعاني من عدم الانسجام بين مشاهده وغياب التيمة المركزية مع الاهتمام بأشياء وجوانب أخرى لم تنجح المخرجة في العثور على صلة واضحة تربطها بالموضوع الأصلي. كما غابت عنه كثيرا مشاهد ممارسة اللعبة نفسها وتنافس الفريق مع فرق أخرى باستثناء مشهد وحيد ضعيف للفتيات أثناء ممارسة اللعبة، وغياب الموقف الرسمي من الموضوع، والاكتفاء باستطلاع رأي بعض العامة في الشارع بأسلوب الريبورتاج التلفزيوني السريع.

"بيك نعيش" ينال ثلاث جوائز بالجملة
"بيك نعيش" ينال ثلاث جوائز بالجملة

درامية شارع القتل

من الأفلام العربية الجيدة التي أعجبتني الفيلم العراقي “شارع حيفا” للمخرج مهند حيال، وهو تعبير معاصر شديد القوة دراميا، عن حالة العنف المجنون السائدة في العراق. ولا شك أن اختيار شارع حيفا أشهر شوارع القتل في العاصمة العراقية، موقعا لأحداثه الدامية، منح الفيلم مصداقية وقرّبه من المشاهدين المطلعين على الأوضاع في العراق.

ومن ميزات الفيلم أولا أنه يبتعد كثيرا عن الطابع التسجيلي أو استخدام مواد من الأرشيف، رغم الإغراء الطبيعي الذي يكمن عادة في المادة نفسها وفي الموضوع الذي يتناوله الفيلم. وثانيا، اهتمام مخرجه الكبير بالعنصر الدرامي، بالصراع، وبالتفسير النفسي للشخصيات بحيث يبرز أزمة الشخصية العراقية الخاضعة للموروث من جهة، والخضوع لثقافة الانتقام وما يولده الموروث من كراهية ورفض للتسامح، والإيغال في التنكيل بالآخر. ويعبر الفيلم بقوة عن رغبة المرأة في الانعتاق من الهيمنة الذكورية ورفض العنف. والعنصر الثالث البارز في الفيلم الأداء البارع من مجموعة الممثلين، وقدرتهم على التعبير عن المشاعر بكل هذه القوة والصدق والانسجام.

المهرجان نجح هذا العام في جذب الجمهور واستعادة ثقة عشاق السينما وإثارة اهتمامهم بتحفها ونتاجاتها

نجح المخرج في الاستفادة من إمكانيات المكان الذي أعد بحيث يعكس حالة الخراب والفوضى القائمة، مع الاهتمام بأدق التفاصيل الجانبية التي شكلت معا إطارا قويا للحدث. وقد استحق الفيلم دون شك الفوز بجائزة أفضل فيلم في مسابقة السينما العربية كما حصل بطله الممثل علي تامر على جائزة أفضل ممثل.

وعلى العكس من قوة وضوح ودرامية فيلم “شارع حيفا”، يعتبر الفيلم السوري “نجمة الصباح” للمخرج جود سعيد، أضعف أفلام مسابقة السينما العربية، بل وأضعف الأفلام التي شاهدتها خلال هذه الدورة. وهو يعتمد على فكرة يعتقد صاحبها أنها يمكن أن تولد الضحك، لكن أحدا لم يضحك، ويريد أن يعبر عن حالة الصراع القائم في سوريا، لكنه ينحاز بوضوح ومن البداية، للجانب الدعائي أي لتقديم بروباغندا للنظام الذي يمول أفلامه بانتظام منذ سنوات بعد أن كرس نفسه كمخرج “رسمي” يقوم بتجميل ما لا يمكن تجميله. وكل هذا كان من الممكن التغاضي عنه لو كانت هناك من الأصل موهبة حقيقية يمكنها أن تقدم عملا متماسكا يثير المشاعر ويتميز بالصدق والقوة، لكن الموهبة غائبة، والافتعال لا يفيد!

جوائز بالجملة لبرصاوي

سبق أن كتبت هنا (من مهرجان فينيسيا السينمائي) عن الفيلم التونسي “بيك نعيش” للمخرج مهدي برصاوي، وكان رأيي ولا يزال، أن الفيلم يبدأ بداية درامية قوية توحي بأننا سنشاهد عملا يقتحم المسكوت عنه في علاقة المرأة بالرجل، لكنه بدلا من ذلك، يبتعد عن مأزق بطليه: مريم وفارس بعد اكتشاف أن ابنهما الذي أصيب في هجوم إرهابي، ولد لأب آخر غير فارس، ليتجه إلى موضوع عصابات استغلال المرضى وأقاربهم بغرض ابتزازهم وسرقتهم، وتجارة الأعضاء والصراع المسلح الدائر في ليبيا، في تشتت واضح، مع قفزة في أسلوب الإخراج من فيلم الدراما الاجتماعية إلى فيلم الجريمة. ومع ذلك نال هذا الفيلم ثلاث جوائز هي أفضل فيلم عربي (15 ألف دولار)، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمسابقة آفاق السينما العربية، وجائزة صندوق الأمم المتحدة للسكان (لم أفهم العلاقة)!

خطيئة كونتشالوفسكي

"بيروت المحطة الأخيرة” يفوز بجائزة أفضل فيلم غير روائي
"بيروت المحطة الأخيرة” يفوز بجائزة أفضل فيلم غير روائي

نجح المهرجان في اقتناص الفيلم الجديد “خطيئة” للمخرج الروسي المخضرم أندريه كونتشالوفسكي الذي أخرجه في إيطاليا من الإنتاج المشترك بين إيطاليا والشركة الخاصة التي لكونتشالوفسكي نفسه.

“الخطيئة” يصور فترة قاسية في حياة الفنان التشكيلي الإيطالي الأسطوري مايكل أنجلو الذي خلدت أعماله في النحت والرسم كجداريات عملاقة أشهرها بالطبع الرسوم التي تزين سقف كنيسة سيستين داخل الفاتيكان. وكان الفنان الإيطالي يعمل حينا بتكليف من البابا نفسه، وحينا آخر بتكليف من كبار الأساقفة في الفاتيكان، لكنه وجد نفسه واقعا في خضم صراع شرس بين عائلتين من العائلات الإيطالية الأرستقراطية التي ارتبطت بالكنيسة هما عائلة ميديتشي وعائلة ديلا روفيري.

كان مايكل أنجلو مغرما كثيرا بالمال كما نرى في الفيلم، ولم يكن يتردد عن طلب الدفع مقدما، لكنه بعد أن قضى سنوات في العمل في سقف كنيسة سيستين أصبح يعاني الفاقة، ورغم ذلك بعد وفاة البابا يوليوس الثاني الذي كان يرعاه ويقسو عليه أيضا في نفس الوقت، أصر على مواصلة نحت مقبرة من الرخام لدفن رفاة البابا، وكان يأتي بالرخام من منطقة كراره الشهيرة، ويسخر في خدمته عشرات العمال.

أهم العناصر الدرامية التي يدور حولها الفيلم ببراعة وتوازن، الصراع الشهير بين العائلتين الأرستقراطيتين: ميديتش وديلا روفيري، وكيف يجد الفنان نفسه واقعا بينهما، كل ما يشغله ضمان النجاة. ولكنه كان يتميز أيضا بالجرأة في مواجهة محاكم التفتيش استنادا إلى موهبته الكبيرة وما كان يقدمه من خدمات جليلة للكنيسة عن طريق فنه وإبداعاته.

يدور الفيلم في معظمه في فلورنسا الجميلة ومناطق إيطالية أخرى وينتقل أيضا إلى روما، ويتضمن مشاهد رائعة الجمال، مع أداء تمثيلي يصل حد الكمال من جانب الممثل الإيطالي ألبرتو تيستوني. الجانب الوحيد الذي لم يوفق فيه المخرج هو اختياره ذلك الإطار الضيق “المربع” للصورة مما أفقد الفيلم الكثير من عناصر الأماكن المتميزة التي دار فيها التصوير. وكونتشالوفسكي هو أحد الذين صنعوا وجه السينما السوفييتية في الماضي، ونالت أعماله عشرات الجوائز، وبلغ أقصى الدرجات على سلم الإبداع في تحفته الملحمية الكبيرة “سيبيرياد” (1979) وهو الفيلم الذي نال الجائزة الكبرى في مهرجان كان.

عودة الجمهور

"بيروت المحطة الأخيرة" تاريخ بنظرة شاعرية
"بيروت المحطة الأخيرة" تاريخ بنظرة شاعرية

نجح مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام في جذب الجمهور واستعادة ثقة عشاق السينما في المهرجان، والأهم أيضا، إثارة اهتمامهم بتحف السينما وأعمال الفن التي أثارت الكثير من المناقشات كما لاحظت شخصيا. ومن هذه الأفلام “الضوء الصامت” للمكسيكي كارلوس ريغاداس، و”حياة خفية” لتيرانس ماليك، و”عن الأبدية” لروي أندرسون، و”لا بد أن تكون الجنة” لإيليا سليمان، و”الفنار” لروبرت إيغرز، بالإضافة بالطبع إلى فيلم الافتتاح “الأيرلندي” لمارتن سكورسيزي الذي أقبل الآلاف على مشاهدته.

ولا شك أن من أكثر أقسام المهرجان تحقيقا للمتعة، القسم الخاص بعرض الأفلام عن كبار السينمائيين وعن العمل السينمائي وتاريخ السينما، ومن أهم هذه الأفلام “بونويل في متاهة السلاحف” للمخرج سلفادور سيمو عن المخرج الإسباني الكبير لويس بونويل، و”فورمان يواجه فورمان” عن المخرج التشيكي الراحل المرموق ميلوش فورمان، و”شغف أنا مانياني” عن الممثلة الإيطالية الأسطورة.. وغير ذلك من أفلام يجب أن يُعاد عرضها في المنتديات الثقافية المصرية ومناقشتها بشكل جاد بعيدا عن صخب المهرجانات وزحامها.

ومن حسن حظ المهرجان أن وجد مساحة جيدة للعرض خارج قاعات الأوبرا المصرية، في وسط القاهرة وحي الزمالك، خاصة بعد إعادة افتتاح سينما راديو العريقة.

أود أن أختم هذا المقال بتوجيه التحية لفريق المهرجان وعلى رأسه المنتج محمد حفظي رئيس المهرجان، والناقد أحمد شوقي الذي اكتسب خبرة كبيرة في تنظيم المهرجانات الدولية من خلال الاحتكاك المباشر، وقد قام هذا العام، بأعمال المدير الفني الراحل يوسف شريف رزق الله الذي كان قد بدأ الإعداد لهذه الدورة وحالت وفاته في منتصف الطريق دون أن يكمل المشوار الذي بدأه منذ أكثر من ثلاثين عاما. وقد حملت الدورة اسمه واحتفت بتاريخه الطويل الحافل كما يليق.

15