الرسام وموسيقى الحواس

غموض التجريد بالنسبة إلى كاندنسكي مناسبة للعبور إلى المناطق التي لا يمكن العثور عليها بصريا.
الاثنين 2021/06/07
لوحات كاندنسكي بإمكانها أن تسمعنا الموسيقى بصريا

كان الفرنسي بول سيزان (1839 - 1906) أبا للرسم الحديث، غير أن فقهاء ذلك التحوّل الفني العظيم كانوا كثرا، ويقف في مقدّمتهم الروسي فاسيلي كاندنسكي (1866 - 1944) الذي كان صانع أول لوحة تجريدية في تاريخ الفن. ولكننا نتذكّره لأسباب أخرى.

اشتهر كاندنسكي بالارتجال. ذلك السلوك الذي انتشر كالعدوى بين الرسامين الذين وجدوا فيه فرصة للتحرّر من القوانين المدرسية التي تهين مواهبهم التي تبحث عن مواقع لم تُكتشف للجمال. لقد صار الارتجال رهانا للتعبير الحر.

غير أن غموض التجريد كان بالنسبة إلى كاندنسكي مناسبة للعبور إلى المناطق التي لا يمكن العثور عليها بصريا. كان هناك ما يُسمى بـ”الحس المرافق” وهو اختراع لم يتعرّف عليه أحد من قبل. مفهوم يعني أن ترى شيئا وتسمع في الوقت نفسه ما يعبّر عنه موسيقيا، كما لو أن الشيء يمكن أن يُرى عن طريق حاسة أخرى غير حاسة البصر.

أتذكّر أن الرسام العراقي  شاكر حسن آل سعيد (1925 - 2004) كان قد رسم لوحة في تسعينات القرن الماضي قسّمها إلى أجزاء وكتب على كل جزء منها اسم اللون بدلا من أن يضع اللون المقصود. أي أننا نقرأ مثلا كلمة أخضر بدلا من أن نرى الصبغة الخضراء مباشرة.

كانت فكرته تقوم على أساس أنك تقرأ اسم اللون وتتخيله موجودا. أنت ترى اللون من غير أن يكون موجودا. ذلك أيضا ما يمكن اعتباره نوعا من الحسّ المرافق.

بالنسبة إلى كاندنسكي، وهو موسيقي أصلا، فقد كانت المرئيات تطلق أصواتا تُذكّر بالآلات الموسيقية. ذلك ناي وتلك كمنجة وذاك بيانو إلى آخره من الآلات الموسيقية. كان العالم يضجّ بالأصوات المنغمة التي يمكن استخراجها عن طريق الارتجال.

ربما قاد سوء الفهم الكثير من الرسامين إلى أن يتخبطوا في فوضى لا حدود لها بسبب المعاني الغامضة التي ينطوي عليها مفهوم الارتجال، وهو ما نعثر عليه في الكثير من التجارب الفنية العربية المعاصرة، حيث حل التعبير الشخصي عن الحالة النفسية محل التعبير الجمالي الذي يجمع بين صورة الشيء مجرّدا على المستوى البصري والإيحاء بإمكانية أن تتحرّر الحواس من وظائفها التقليدية.

16
مقالات ذات صلة