الرقابة على النصوص تُعيق تطوّر الدراما السورية

أهل الإنتاج الفني السوري يناقشون العوائق التي تضعها رقابة النصوص بوجه الأعمال المقدّمة لها ويطالبون بحل المشكلة التي تزيد من أزمات الدراما السورية.
الاثنين 2021/10/18
مسلسل "خريف العشاق" عانى من مقص الرقيب قبل أن يُقبل إنتاجه

في مبادرة للوقوف على واقع الإنتاج التلفزيوني والسينمائي السوري وأبرز المعوقات التي تؤثّر على عمله، اجتمعت مؤخرا بدمشق لجنة صناعة السينما والتلفزيون مع الهيئة العامة للمنتجين لعرض مطالبهم وهمومهم وسماع مقترحاتهم حول تطوير عمل شركات الإنتاج وتذليل العقبات التي تعترض القطاع.

دمشق- “الرقابة تقف في طريق أهل الفن”.. عبارة تردّدت كثيرا في الآونة الأخيرة على لسان العاملين في القطاع الدرامي والسينمائي السوري من كتاب ومخرجين ومنتجين، وباتت موضع أخذ ورد ومحور نقاش رئيسي، لدرجة أن البعض أصبحوا يعتبرونها عائقا حقيقيا بوجه العديد من الأعمال وسببا لتوجّه أهل القطاع نحو تقديم نصوصهم ومشاريعهم لإنجازها خارج سوريا كي لا تصبح حبيسة الأدراج، وهي خطوة عدّها النقاد والمختصون سلبية جدا على الدراما المحلية.

والرقابة على النصوص جاءت كمحور نقاش رئيسي بين المنتجين ولجنة صناعة السينما والتلفزيون بسوريا التي تشكّلت مؤخرا برئاسة علي عنيز في الاجتماع الأخير الذي عقدته اللجنة مع المنتجين لنقاش متطلباتهم وهواجسهم للارتقاء بالفن السوري ومحاولة إعادة ألقه.

وتحدّث أهل الإنتاج الفني السوري في الاجتماع عن العوائق التي تضعها رقابة النصوص بوجه الأعمال المقدّمة لها، وطالبوا بحل المشكلة التي تزيد من أزمات الدراما السورية، حيث سادت حالة إجماع على ضرورة الاكتفاء برقابة النص قبل تصويره مع وجود أعضاء متخصّصين في “لجنة قراءة النصوص”، منوّهين بأن لجنة قراءة النصوص هي لجنة مستقلة عن لجنة المشاهدة التي تقوم بمشاهدة المسلسل بعد انتهاء التصوير، ممّا يسبّب الكثير من الإرباكات.

مسلسل "خريف العشاق" يعد نموذجا لتدخّل لجنة قراءة النصوص في الأعمال الدرامية

وأكّد القائمون على القطاع أن من أكبر المشكلات التي تواجه المنتجين ذاك التضارب الحاصل بين لجنة قراءة النص التي تقبل مسودة المشروع، في حين ترفضه لجنة المشاهدة بعد إنجازه وصرف مبالغ مالية ضخمة على إنتاجه بذريعة أنه “بمستوى فني رديء”.

وفي هذا الخصوص تحدّث المخرج والمنتج فراس مغيزيل مدير شركة “دراما أكاديمي للإنتاج والتوزيع الفني” عن الصعوبات التي يلمسها المنتجون من لجان قراءة الأعمال، والتي تمتنع عن إعطاء الموافقة في الكثير من الأحيان دون محدّدات واضحة، مطالبا أن يكون القائمون على هذه اللجان من أهل الاختصاص أمثال كتاب السيناريو.

ويعدّ مسلسل “خريف العشاق” لمخرجه جود سعيد وكاتبته ديانا جبور نموذجا لتدخّل لجنة قراءة النصوص في الأعمال الدرامية، إذ رفضت الرقابة نصه في العام 2020، قبل أن تُجيز إنتاجه أخيرا ليعرض في الموسم الرمضاني الماضي، وهو الذي تنطلق قصته في فترة السبعينات لتمتدّ إلى الزمن الحاضر، حيث يتزوّج ثلاثة ضباط بثلاث فتيات من طوائف مختلفة، كاشفا مدى تأثير الأحداث الاجتماعية والسياسية عليهم بعد الزواج ومصير هذه الثنائيات الثلاث بعد عدة أعوام.

ويدور المسلسل حول قصة ثلاثة شبان قرّروا مجابهة التيّار وتحدّي الزمن رغم قسوته في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وراحوا بلهفتهم العارمة وصخب حماسهم المتّقد نحو حلمهم البسيط، لكنّه في الوقت ذاته يمكن أن يكون كابوسا يشبه المشي على حواف الموت.

وعند تحقيق هذا الحلم أو الكابوس يفتح السرد عينه بشكل متداخل بين الشخوص والجغرافيا والحدث الجسيم الراهن، ويتقفّى الحدث الدرامي أثر كلّ الظروف والأزمات المتلاحقة والعقبات التي رصّفت طريق الحقبة الزمنية تلك.

وبدوره أشار سليمان قطان مدير شركة “إبداع للإنتاج التلفزيوني والسينمائي” إلى أن سنوات الحرب وتداعياتها أدّت إلى تدني الإنتاج الدرامي كما ونوعا، داعيا الجهات المختصة إلى تذليل العقبات والعثرات، مُشيرا إلى أن الدراما لها خصوصية معينة، فهي الواجهة الحضارية والثقافية والفكرية لسوريا، لافتا إلى جملة من المشاكل منها سفر رؤوس أموال للخارج ومحاربة المنتج السوري من قبل بعض القنوات التلفزيونية.

ووصل المنتجون إلى شبه اتفاق على ضرورة وجود لجنة واحدة إذا ما وافقت على النص فلا يجوز رفض العمل بعد تصويره، مع ضرورة تحديد قائمة الممنوعات في النصوص بشكل واضح على غرار الكثير من الدول العربية الأخرى، ووعد رئيس اللجنة عنيز برفع هذا المطلب لوزير الإعلام السوري.

كما دعا المنتجون لأن يكون دور اللجنة فعالا بشكل أكبر، وأن تكون المرجعية الأساسية لهم مع ضرورة وجود صندوق تكافلي فيها، وذلك لمساعدة المنتجين الذين يتعرّضون للضرر كما حصل مع الكثير منهم في الأزمة السورية.

الرقابة الصارمة على النصوص الدرامية تسبّبت في توجّه بعض المنتجين نحو تقديم مشاريعهم لإنجازها خارج سوريا

ورفع الفنان والمنتج مظهر الحكيم الصوت بضرورة التكافل بين المنتجين وانتشار المحبة بين الجميع، وأيّده في ذلك عدد من المنتجين بضرورة وجود شراكة بين اللجنة وشركات الإنتاج لإنجاز أعمال سورية خالصة، وأكّد البعض على ضرورة حل مشكلة ارتفاع أجور التصوير في الأماكن التابعة للحكومة الأمر الذي يشكل عبئا ماديا كبيرا، وإمكانية منح المنتجين قروضا من القطاع الحكومي لإنجاز الأعمال الفنية، مع التنويه بضرورة إعادة النظر في سعر العمل في التلفزيون السوري والذي لا يزال زهيدا جدا مقارنة بتكاليف الإنتاج.

ولفت المدير التنفيذي الأسبق للجنة صناعة السينما والتلفزيون ومدير شركة “ميّار الدولية للإنتاج الفني” حاليا ماهر رمضان إلى ضرورة الاستفادة من المهرجانات العربية في التسويق للدراما السورية، كونها فرصة هامة لاجتماع أهل الإنتاج والفن، مع ضرورة تفعيل ودعم دور شركات الإنتاج الصغيرة.

الاجتماع كان بمثابة فرصة إيجابية لسماع متطلبات المنتجين ورفعها لمناقشتها مع المعنيين، لعل تلك المتطلبات تشهد خطوة جدية تجاه الدراما السورية التي باتت تقف على حافة الهاوية، لاسيما مع تأكيد رئيس اللجنة عنيز أن اللجنة ستسعى جاهدة لتكون على مسافة واحدة من كل المعنيين، لاسيما نقابة الفنانين، ووزارة الإعلام بعد خلافات كانت واضحة للعلن سابقا، ملتمسا دعم وزارة الإعلام للنهوض بالقطاع من كبوته.

15