الرقص والموسيقى يشتبكان مع عالم متطاحن

"اقتتال".. دراما جسدية تحكي صراع البشر ومقاومة الشر وتدعو إلى التكاتف من أجل خلق فرصة أخيرة للاستمرار.
الأحد 2020/01/26
ركلات وضربات لصد الخطر القادم من كل حدب وصوب

شكّل العرض الثنائي الراقص “اقتتال” بالقاهرة مبارزة جدلية بين الإنساني الأصيل المتبقي في هذه الأرض، ومعاول الهدم والدمار في العالم الهش المتداعي كأوراق الخريف. وتآزرت الحركات الراقصة والموسيقى الحية لنسج دراما بصرية معقدة زاخمة، حملت في نهايتها راية المقاومة وشعلة الأمل.

لا تعني قراءة صفحات الظلام ووجوه القبح في هذا الوجود الدامي المنهار، على نحو فني، أن يتحول الفن ذاته إلى سوداوية أو عدمية أو معبر إلى الفناء، فرسالة الفن لا تخلو من الإشارة إلى أن “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة”، بتعبير محمود درويش، مهما علا صوت الخراب وجلجلت أصداء الظلم وطبول الحروب.

في هذا الإطار، جاء عرض “اقتتال” الموسيقي الراقص على مسرح الفلكي بالقاهرة في ثلاث ليال متتالية، معبّرا عن اشتباك البشر مع بعضهم البعض، ومع العالم المتطاحن من حولهم، لتحكي الدراما البصرية تجليات الصراع المتنامي، وتسرد مآسي القتال وأوجاعه، داعية إلى تكاتف الفرقاء وتقاربهم من أجل خلق فرصة أخيرة للاستمرار والمثابرة والحلم بواقع مغاير.

تمثلت في عرض “اقتتال” (أو عركة بتسميته الأخرى العامية) أكثر من مباراة، فالعرض المصنّف كمزج بين الرقص الحديث والموسيقى الحية هو منافسة استعراضية فنية بين طرفيه الأساسيين: شيماء شكري، وهي صاحبة الفكرة والتصميم والأداء، ومحمد فؤاد المشارك في التصميم والأداء.

والعرض كذلك منافسة بين إبهار الرقص القائم على التناغم والاندماج والحركات الصعبة، وجماليات الموسيقى المؤثرة بتوزيعاتها الملائمة وإيقاعاتها الدافقة، من إعداد أحمد صالح، التي حوّلت المسرح إلى ميدان للمعامع أحيانا، وملتقى للأنفاس الرومانسية الدافئة في أحيان أخرى.

على جانب آخر، ثمة صدامات أكثر شراسة بين ثنيّات العرض، أكسبته حقيقة اسمها “عركة”، فالراقصان قبل أن يصيرا ممتزجين عشقا بفعل التوحد لمواجهة الأخطار المحدقة بهما معا، مرّا بالكثير من مراحل التراشق والنزاع، والمواجهات الفردية للعالم، ولبعضهما البعض، وقد تجمعت هذه المنافسات والمباريات كلها لتصوغ وجبة دسمة مليئة بالدراما والأداء الجسدي والحركة والرقص الحديث والباليه والهيب هوب والفنون البصرية والسمعية المختلفة، فضلا عن روح الرياضات القتالية مثل الكاراتيه والكونغ فو والأكروبات وألعاب السيرك.

المصير المشترك

حركات مشتركة إزاء مصير إنساني مشترك
حركات مشتركة إزاء مصير إنساني مشترك

يمكن تحديد ثلاث محطات مرت بها علاقة الراقصين، الذكر والأنثى، على مدار العرض الذي جمعهما كإنسانين من لحم ودم ومشاعر، وكشبحين مشحونين بالخطر، يرتديان الزي الأسود، في الوقت نفسه.

المحطة الأولى هي مرحلة العداء والتفرق والتشتت في الدفاع عن الذات ومواجهة الآخر والأعداء.

والمحطة الثانية هي مرحلة الإحساس بالمصير المشترك واتخاذ خطوات متشابهة في مواجهة العالم.

أما المحطة الثالثة، الختامية، فهي مرحلة الامتزاج التام حد الانصهار، والتوحّد معا بجسديهما وروحيهما ككتلة ملتحمة متوهجة نابضة بالطاقة والحياة بفعل الاندماج والعشق، حتى ليبدو أنهما كيان واحد متجانس الخلايا، ولم يكونا شخصين مختلفين من قبل.

أبدع الراقصان على الصعيد الفيزيائي في التعبير عن فكرة العرض بأداء انسيابي مرن، سمح بتداخل الأذرع والسيقان والاشتباك الجسدي وكأنهما منظومة بنائية واحدة، سواء في حالات التصارع والتنافس والتنافر، وحالات التشابه والتنميط في أداء الحركات المشتركة إزاء عدو خارجي، وكذلك في لحظات التقارب والتجاذب واحتواء كل منهما الآخر ليذوب فيه.

الوتريات الحساسة نبض الموسيقى الحية
الوتريات الحساسة نبض الموسيقى الحية

سمح التكثيف والتركيز كذلك بتمرير تابلوهات تشكيلية من خلال لحظات الثبات والحركة البطيئة في جوانب من العرض، حيث أدت العشرات من الالتحامات والانفصالات المتتالية إلى تخليق تكوينات بصرية وكتل متعددة الأشكال والأبعاد ملأت فراغ المسرح واستعمرت الحواس بطاقة تعبيرية تفجيرية، أعادت للكائن الآدمي حضوره وطاقته الكامنة.

رصد العرض بأناة واصطبار خطوات الفارسين العاشقين في مشوار الحياة منذ بدايتها إلى نهايتها، فوق الأشواك والمتاعب والصعاب، متقصّيا كل التفاصيل الإنسانية الدقيقة، ومصغيا إلى دقات قلبيهما وأصوات أنفاسهما المتلاحقة، في طقس شيق مثير، مفتوح على المطاردات والمغامرات والأساطير والعوالم البدائية، التي تسكنها الوحوش والكائنات الخرافية، ويظهر

فيها الإنسان على سجيته. وجه الراقصان لكماتهما وركلاتهما العفوية إلى شرور العالم وويلاته المنقضة عليهما من كل حدب وصوب، وتمكنا من سلك الدروب الوعرة وشق طريقهما السري في الصخور، معلنين عن بدايات صغيرة تبزغ فجأة دائما مع كل نهاية محتملة، ومخاض جديد يتولد مع كل فرصة سانحة للحب والتكاثر.

وقد جاءت الحركة بحد ذاتها بطلة استثنائية للعرض، وغاية استمتاعية في المقام الأول، قبل أن تكون محملة بالصيغ الدرامية والرغبة في التعبير عن أفكار محددة، فالفرجة البصرية هي القيمة العليا دائما.

أزيز الطائرات

ثمة صدامات أكثر شراسة بين ثنيّات العرض، أكسبته حقيقة اسمها "عركة"، فالراقصان قبل أن يصيرا ممتزجين عشقا بفعل الاتحاد لمواجهة الأخطار المحدقة بهما معا،
ثمة صدامات أكثر شراسة بين ثنيّات العرض، أكسبته حقيقة اسمها "عركة"، فالراقصان قبل أن يصيرا ممتزجين عشقا بفعل الاتحاد لمواجهة الأخطار المحدقة بهما معا،

استوعب عرض “اقتتال” سائر ثيمات الفنون المعاصرة والحديثة، المرئية والمسموعة، فإذا كانت تحركات الراقصين قد جاءت في مسارات محددة بقدر ما، على غرار الباليه، فإنها قد جاءت أيضا غير منفصلة عن مشاعرهما الداخلية وحالاتهما المزاجية، مثل فلسفة الرقص الحديث، القائمة على التحرر من القيود والضوابط.

أفاد العرض كذلك من موسيقى الجاز والهيب هوب، بإضفاء مساحة من الذاتية والارتجالية في التحرك في الطبيعة، والتعاطي مع عناصرها ومفرداتها، وتنويع الإيقاعات والموسيقى ذات الجذور العريقة، خصوصا الأفريقية والشعبية، وإكساب الرقصات أبعادا اجتماعية.

شكلت الموسيقى كذلك مظلة واسعة للألعاب الرياضية والقتالية والأكروباتية، وتحولت حركات الهجوم والدفاع عن النفس بالأذرع والأقدام إلى ضربات جمالية متناغمة مع ضربات الطبول “دوم دوم تاك تاك”. ومع تصاعد المعارك، تماهت الموسيقى مع دوي الرصاصات وأزيز الطائرات، واقترب الفارسان من مصافحة الموت.

وبعدما قاما من جديد حذرين، ليواجها عدوا محتملا معا، ويلتقيا على طريق الدفء والعشق، نسجت الوتريات وأنغام العود والكمان والتشيلو الحية نعومة حريرية خففت وقع الاشتباكات الخشنة، فتحول الكر والفر، والشد والجذب، تدريجيّا، إلى أحضان وعناق وقبلات، في محطة الانصهار والتوحد، ومواجهة المصير بصدر عار.

عرض “اقتتال”، هو تأريخ لهندسة الصراع، كقانون للعلاقات البشرية، سواء قامت على التنافر أو على التجاذب، ففي الحالتين هناك تفاعلات دينامية حسّاسة، لا تقف على حقيقتها سوى عيون الفن اللاقطة.

14
مقالات ذات صلة