الزمن يتلاعب بنا لكننا نتسامح معه على الشاشات

التسليم بالزمن الأرضي الخطي لا يتناسب مع المناورة والتمرد اللذين يشهدهما الزمن السينمائي المتعرج ومتعدد المستويات والطبقات.
الأحد 2021/10/03
فيلم "مكالمة".. الانطلاق بالأحداث نحو مستويات زمنية أكثر تعقيدا

ليس هنالك تحد للكائن البشري أقوى من تحدّي الزمن، فالنهايات الصعبة كلها مرتبطة بقوة الزمن وحضوره وتمدده وحركيته التي لا تنتهي.

قاربت الشاشات الزمن طويلا وتشظى وتمدد إلى أزمنة متعددة، ومن ذلك ما يعرف بالزمن الفيلمي وزمن المشهد وزمن اللقطة والزمن المستقطع والزمن النفسي وصولا إلى ملامسة تلك النزعة البشرية في العودة بالزمن إلى الوراء والحيلولة دون تقدمه وتحوله إلى قوة قدرية صارمة تسير باتجاه واحد وتوصل الشخصية إلى النهايات الحتمية وما يعرف بالقضاء والقدر.

التسليم بالزمن الأرضي لا يتناسب مع المناورة والتمرد اللذين يشهدهما الزمن السينمائي، الزمن في الحياة الواقعية يسير خطيا وإلى نهاياته بينما في الفيلم الزمن متعرج ومتعدد المستويات والطبقات وليس بالضرورة أن يسير باتجاه واحد ما عدا طول مدة الفيلم أو الزمن الذي نمضيه في المشاهدة.

ولا يوجد ما هو أكثر إرباكا من التلاعب بالزمن بما ينعكس على تسلسل الأحداث ومضي القصة السينمائية في تصاعدها إلى نهاياتها بينما السينمائي يطمس الأزمنة ببعضها البعض، يدمجها، يتمرّد عليها، يقلب الماضي حاضرا أو العكس، وصولا إلى ذروة خطية تتمثل في التلاعب بالنتائج والمقدرات على الشاشات.

في فيلم “القضاء والقدر”، للمخرجين الأخوين بيتر ومايكل سبيرغ، هنالك إشكالية جدية في ما يتعلق بالزمن المركب، وإمكانية الرحيل فيه، والتنقل بين محطاته، في إطار حرية فرجوية مطلقة في الإبحار في تلك الفصول اللامتناهية.

الأشخاص الذين يعرضهم هذا الفيلم هم بلا ماض، وليسوا مشدودين إلى عوامل أو أسباب تربطهم بزمنهم الأرضي، بل هم كائنات هائمة تتنقل في ذلك الفضاء الزمني الفسيح بغرض ملاحقة الشر.

وفي هذا الفيلم ثمة مؤسسة تجند أناسا بالغي الذكاء ولكنهم بلا إحساس بالزمن وهو بلا تاريخ، كي تبحر بهم عبر الزمن من خلال آلة، ليقوموا بمهام من شأنها إيقاف الأشرار عن تنفيذ أعمالهم الإرهابية، وسيكون فيزل المفجر هو أحد التحديات التي تواجههم، لكونه من الشخصيات الأكثر خطورة، فهو الذي قتل قرابة أحد عشر ألف شخص في عملية واحدة في نيويورك كما في قصة الفيلم، وهو أكبر تحد للقدرات البشرية المحدودة في مقاربة الزمن.

في الفيلم الكوري “مكالمة”، ومن خلال الحبكة الثانوية، سوف يتم الانطلاق بالأحداث نحو مستويات زمنية أكثر تعقيدا، إذ سوف نكتشف أن على طرفي خط الهاتف امرأتيْن يفصل بينهما حوالي عقدين من الزمن، ثم تكون المفارقة الأهم وهي أن ذلك المنزل الذي تقف على أرضه كيم ما هو إلّا المنزل نفسه الذي كانت تعيش فيه المرأة الأخرى، ومن هنا تبدأ رحلة العلاقة بين الفتاتين وكل منهما تشارك الأخرى محنتها بينما كل منهما تعيش في زمن مختلف.

واقعيا نحن أمام دائرة زمنية شديدة التعقيد والتداخل، ومع مرور الزمن الفيلمي يتقدم مسار السرد باتجاه تقريب الفاصل الزمني بين الفتاتين، وهو ما برع فيه المخرج وكاتب السيناريو.

ونستحضر هنا أفلاما من هذا النوع مثل أفلام “ماكنة الزمن” (إنتاج 1960)، و”عالم القرود” (1968)، و”زمن بعد الزمن” (1979)، و”مكان ما في الزمن” (1980)، و”العودة إلى المستقبل” (1984)، و”الفاني” (1985)، و”تردد” (2000)، و”دوني داركو” (2001)، و”ماكنة الزمن” (2002)، و”جرائم الزمن” (2007)، و”الحلقي” (2012)، و”إكس مين” (2013)، وفيلمي “حافة الغد” و”قضاء وقدر” (2014)، و”لوسي” (2015)، و”الدكتور سترينج” (2016)، و”وصول” (2017)، وأفلام أخرى كثيرة.

الحاصل أننا أمام متعة إضافية تخلصنا من إحساسنا الذاتي والفطري بمضي الزمن في مقابل التحكم به على الشاشات والاستمتاع بما يطرأ على الشخصيات من تحولات.

15