السلطان العثماني يبعث من جديد في تونس

صورة استفزازية لرئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي تثير جدلا واسعا.
الثلاثاء 2020/06/02
هذا أنا

أثارت طريقة معايدة رئيس حركة النهضة الإسلامية ورئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي لموظفي البرلمان وكوادره بمناسبة عيد الفطر موجة من الجدل في صفوف التونسيين وخلفت ردود أفعال سياسية شاجبة، بعد أن ظهر الغنوشي وهو يتوسط حشدا من الموظفين الذين وقفوا يمينا ويسارا لتحيته في مشهد يحيل إلى بروتوكولات سلاطين الدولة العثمانية أو المرشد الأعلى في إيران.

تونس - لئن الصورة أبلغ من الكلمات في الكثير من الأحيان وهي الجزء الأهم في بروباغندا السياسة، فقد ظهر رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي في مشهد ” السلطان” وهو يقوم بتحية كوادر وموظفي البرلمان، في مشهد لم يسبقه إليه أحد منذ سقوط الدولة العثمانية في تونس.

واستحضر التونسيون من خلال هذه الصورة لقطات من المسلسلات التركية التي تؤرخ للعهد العثماني حيث كانت الجواري وخدم القصر يصطفون على اليمين والشمال عند مرور السلطان.

واستنكر رئيس كتلة الإصلاح بالبرلمان التونسي حسونة الناصفي الاثنين، في تصريح لإذاعة جوهرة أف أم المحلية، صورة معايدة رئيس البرلمان راشد الغنوشي لموظفي البرلمان واصفا إياها بالصورة الغريبة التي لم يسبق أن حصلت في التاريخ.واعتبر الناصفي أنه تم توظيف المعايدة بشكل سيئ جدّا، مشدّدا على أن الغرض ليس المعايدة بل إظهار رئيس المجلس في شكل السلطان.

ولم يستغرب مراقبون استبطان رئيس الحركة الإسلامية في تونس لصورة السلاطين والقادة العثمانيين وتقديم نفسه في كل مرة منقذا للبلاد وهو من اعتبر من على منبر البرلمان التونسي أن القائد العسكري العثماني سنان باشا حرَّر تونس من الاستعمار الإسباني وجنَّبها مصير الأندلس، في قراءة تاريخية أخرجت المستعمر العثماني من ثوب المحتل.

ولم تقف تصريحات الغنوشي عند إخراج المستعمر العثماني من عباءة المحتل إلى ثوب المحرر بل تعدى ذلك إلى القول بأن تونس (الإيالة التونسية سابقا) مدينة بإسلامها لسلاطين الدولة العثمانية، إذًا فالتونسيون حسب اعتقاده مطالبون برد الجميل لا الوقوف في وجه المشروع العثماني الجديد في المنطقة الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

مساع داخل الحركة لتغيير النظام الداخلي، ما يسمح للغنوشي بتجديد ولايته عليها لفترة ثالثة أو رابعة وربما أكثر

وصرح الغنوشي في حوار لصحيفة “الصباح التركية” في يناير 2018 أنه “بفضل الجيش العثماني عادت تونس إلی الإسلام” مستذكرا حادثة “قدوم سنان باشا بجيشه للدفاع عن تونس من الإسبان الذين دمروا الأندلس وطردوا المسلمين منها”. وأضاف “عندما زرت إسطنبول بحثت عن قبر سنان باشا وعندما وجدته تأثرت حد البكاء لأن له الفضل بأني اليوم مسلم”.

ويقدم رئيس الحركة الإسلامية في تونس نفسه منذ عودته من بريطانيا عقب ثورة لم يشارك في مسارها على أنه منقذ التونسيين من الدكتاتورية والأزمة الاقتصادية، حينما استقبله أنصاره في مطار تونس قرطاج الدولي في 2011 على أنغام أنشودة ” طلع البدر علينا” وهي الأنشودة التي استقبل بها الأنصار في يثرب الرسول الأكرم محمد ومن هاجر معه من المدينة المنورة.

وبناء على ذلك تجتمع صورة السلطان والفاتح والمرشد في شخص رئيس الحركة الإسلامية وهو ما عبرت عنه القيادية في حزب التيار الديمقراطي سامية عبّو بالقول “راشد الغنوشي يشعر أنه أكبر من منصب رئيس البرلمان وحتى من منصب رئيس الجمهورية”.

هوس بالسلطة
هوس بالسلطة

تحويل وجهة

يحتكر راشد الغنوشي السلطة المطلقة داخل حركة النهضة منذ 5 عقود تقريبا فهو الآمر الناهي فيها، فرغم الاستقالات التي عصفت بالحركة ومنها استقالة أمينها العام ورئيس الحكومة التونسية الأسبق حمادي الجبالي وعدد من القيادات التاريخية استطاع الغنوشي الحفاظ على موقعه داخلها عبر صورة المرشد الأعلى، وهي في حقيقة الأمر جزء من أبجديات حكم الجماعة، لكن مراقبين يشيرون إلى أن الأخير بدأ بتحويل صورة المرشد من داخل حركته إلى البرلمان التونسي وبالتالي إلى مؤسسات الدولة.

وتدرج الغنوشي منذ عودته إلى تونس عقب ثورة الياسمين عام 2011 في صناعة هالة إعلامية حوله بتقديم نفسه رجل المصالحة وإصلاح ذات البين بين مختلف المشارب السياسية في البلاد وزاهدا عن السلطة وملذاتها وحكيما قل نظيره، حتى انقشعت السحابة سنة 2019 بعد أن قرر خوض الانتخابات التشريعية والحصول على منصب سياسي في الدولة، وهذا ما وقع فعلا بانتخابه رئيسا للبرلمان التونسي.

وقبل ذلك لمّح الغنوشي إلى إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية إلا أن حظوظه الضعيفة في الوصول إلى منصب رئيس الجمهورية دفعته إلى التراجع، بينما فسر عدد من قيادات حزبه تراجعه بكونه يصب في مصلحة التوازن السياسي في البلاد وبأن الحركة لا تريد الجمع بين رئاستي الجمهورية والحكومة درءا لتغولها.

ومرة أخرى تعمل الماكينة الإعلامية للحركة الإسلامية على تحويل تراجع زعيمها إلى انتصارات تحت يافطة “مصلحة الوطن”، وهي يافطة لم تعد تؤتي أكلها بعد أن ناقض زعيمها نفسه وهو من قال في وقت سابق إنه لا يطمح إلى أي منصب سياسي في البلاد.

ويرى مراقبون أنه لا يمكن فصل الصورة التي ظهر عليها راشد الغنوشي داخل البرلمان التونسي عن الحراك الذي يشهده المجلس في خضم الاستعدادات لجلسة مساءلته في الثالث من يونيو الجاري التي يمكن أن تتوج بسحب الثقة منه وعزله عن الرئاسة بسبب اصطفافه خلف الإسلاميين في ليبيا وتهنئته لرئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج بعد استعادة الميليشيات لقاعدة الوطية، وهو ما يخالف الموقف الرسمي للدولة التونسية القائم على الحياد تجاه طرفي الصراع.

ويشير هؤلاء إلى أن رئيس البرلمان التونسي يسعى لتحويل الأنظار عن قضية اصطفافه خلف الإسلاميين في ليبيا إلى قضية تستهدف شخصه لا أكثر، وهو ما دفع به إلى محاولة استنقاذ صورته المهزوزة داخله.

وفي تبادل للأدوار يتجول أعضاء كتلته النيابية وحليفتها كتلة ائتلاف الكرامة الإسلامي في مختلف المنابر الإعلامية المحلية دفاعا عن “السلطان” وتذكيرا بانتصاراته على أعتى خصومه السياسيين رئيس حركة نداء تونس ورئيس الجمهورية الراحل الباجي قايد السبسي خلال فترة 2014 – 2018.

وكان الغنوشي قد تباهى بانتصاره على الرئيس الراحل في أحد اجتماعاته التي ضمت أنصاره خلال الحملة الانتخابية التشريعية العام الماضي حين قال إن حركته كانت منشغلة بمعركتها مع خصومها السياسيين منذ 2011 وحان الوقت للانتصارات الاقتصادية والاجتماعية بعد انتخابات 2019.

السلطان خط أحمر

Thumbnail

تستعد حركة النهضة الإسلامية لعقد مؤتمرها الحادي عشر العام الجاري والذي من المفترض أن يفرز قيادة جديدة تقطع مع احتكار راشد الغنوشي للسلطة طيلة 5 عقود تقريبا وفق ما ينص عليه النظام الداخلي للحركة والذي حدد فترة الرئاسة بمدتين لا أكثر.

وتشير مصادر مقربة من الحركة إلى وجود مساع لتغيير النظام الداخلي قبل المؤتمر العام باتجاه تنقيح فترة الرئاسة، ما يسمح للغنوشي بتجديد ولايته عليها لفترة ثالثة أو رابعة وربما أكثر.

وتفاقمت الانتقادات داخل الحركة لأداء الغنوشي وسيطرته على مفاصل الحركة بعد أن أطلقت قيادات تاريخية، بينها رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاروني ووزير الصحة عبداللطيف المكي وحتى زبير الشهودي مدير مكتب الغنوشي، دعوات للتغيير وفسح المجال للطاقات الشابة داخل الحركة.

حسونة الناصفي: الغرض من الصورة إظهار الغنوشي في شكل السلطان
حسونة الناصفي: الغرض من الصورة إظهار الغنوشي في شكل السلطان

وأمام تفاقم الضغوط الداخلية أوعز الغنوشي لأنصاره داخل الحركة بمهاجمة التيار المعادي لبقائه وهو ما التقطته هذه الأطراف سريعا وسارعت إلى تطبيقه. وفي تصريح مفاجئ لوسائل إعلامية محلية تجرأ المكلف بالإعلام في الحركة محمد خليل البرعومي على مهاجمة قيادات تاريخية نافذة وذات ثقل داخل الحركة الإسلامية طالبت باستبعاد الغنوشي.

وتوجه البرعومي إلى منتقدي مواصلة ترؤس الغنوشي للحركة قائلا “هناك من لم يتحمل المزيد من الصبر فغادر الحزب، وهناك من رأى نفسه في الصدارة وفشل فخيّر الانسحاب”.

وتابع “إذا اقتضت مصلحة تونس وجود الغنوشي فسيكون موجودا، وفي حال قدّر المؤتمر غير ذلك فهو شأن آخر”، معتبرا أن “هذه المسائل لا تقرّر في الغرف المظلمة أو في المنابر الإعلامية وبالضغط والتأثير في إرادة المؤتمر والمؤتمرين”.

ويقول أنصار الغنوشي داخل الحركة إن وجوده في هذه المرحلة “التي نواجه فيها تحديات ومؤامرات” أمر ضروري لا جدال فيه وإنه لا بد من التعويل على حكمته وخبرته الطويلة في الوصول بالحركة إلى بر الأمان.

ويعتبر هؤلاء أن لراشد الغنوشي الفضل في إنقاذهم من “المؤامرات” التي حيكت ضدهم منذ عودة الحركة للنشاط السياسي في تونس بعد 2011 في ظل التطورات الإقليمية وأنه لولاه لما استطاعت النهضة الصمود أمام خصومها من القوى المدنية والتقدمية والمحافظة على وجودها في الحكم.

ويقول خميس الماجري، المنشق عن حركة الاتجاه الاسلامي (النهضة سابقا) إن انتقاد راشد الغنوشي وأداءه وقناعته خط أحمر داخل الحركة ويستذكر في شريط فيديو نشره على صفحته بالفيسبوك قائلا “انتقدنا ذات مرة راشد الغنوشي فأجاب بالقول المفروض أنكم تقبلون يدي”.

اقرأ أيضا:

12