السلطة الجزائرية تعمق عزلتها بسبب فشلها في التواصل مع الشعب

تصريحات مستفزة للشارع الجزائري تستحضر أجواء اندلاع الانتفاضة الشعبية.
الأربعاء 2020/10/28
زلات لسان قد تُربك برامج السلطة

عمقت تصريحات، من هنا وهناك، غير مسؤولة لمسؤولين رسميين في الدولة الجزائرية من عزلة السلطات التي تُكابد من أجل ترميم شعبيتها حيث أثار العديد من الوزراء والمسؤولين المحليين جدلا من خلال تصريحات جعلت من الشارع يستعيد أجواء الانتفاضة الشعبية التي اندلعت العام الماضي.

الجزائر – أبرزت الممارسة الميدانية لمسؤولين كبار في مؤسسات رسمية في الجزائر أزمة تواصل عميقة، تسببت في إثارة غضب وسط الشارع الجزائري، وشكلت حرجا كبيرا للسلطة التي تواصل جهودها من أجل استرضاء الرأي العام، الأمر الذي صار يشكل مدعاة لضرورة مراجعة الرجل الأول في الدولة للعديد من الأوراق، على غرار الاختيار السليم للكوادر السامية كالوزراء والمحافظين.

واضطر وزير الشباب والرياضة الجزائري سيد علي خالدي، إلى تقديم توضيحات اعتذر فيها عما بدر منه في تصريحه، ما أثار استياء واسعا في الشارع الجزائري، بعدما ذكر في تجمع دعائي للدستور الجديد، بأن “الدستور الجديد تضمن لأول مرة المرجعية النوفمبرية للبلاد، ومن لم يعجبه الحال يغادر إلى وجهة أخرى”.

سيد علي خالدي: الدستور تضمن مرجعية نوفمبر، ومن لم يعجبه يغادر البلاد
سيد علي خالدي: الدستور تضمن مرجعية نوفمبر، ومن لم يعجبه يغادر البلاد

وذكر الوزير في توضيحه، “لما صرحت بأن الدستور الجديد تضمن لأول مرة المرجعية النوفمبرية ومن لم يعجبه الحال يغير البلد، لم يكن قصدي ما تم فهمه أو تداوله على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي، وإذا كان ضروريا رفع اللبس، فإنني أقدم اعتذاري قبل تقديم التوضيح”.

وأثار تصريح الوزير موجة غضب عارمة لدى الجزائريين، خاصة لدى أولئك الذي يملكون موقفا معارضا للدستور المروج له، سواء بالنسبة إلى دعاة المقاطعة الكلية للاستفتاء أو للذين يدعون إلى التصويت بـ”لا”، واعتبروا أن وزير الشباب والرياضة يمثل واجهة لنظام سياسي لم يتغير، ويحمل في طياته سلوك الاستعلاء وإقصاء من يخالفونه الرأي.

وكان رئيس الوزراء عبدالعزيز جراد، قد تدخل بدوره انتصارا لمعلمة تعرضت لتصرف مشين من قبل والي (محافظ) وهران، الذي كان بصدد تلقي توضيحات من طرفها حول ظروف وأوضاع المؤسسة التعليمية، على هامش العوجة المدرسية، وهو الموقف من جراد امتص إلى حد كبير موجة الاستياء لدى الجزائريين، والتي أخذت أبعادا جدية بعدما دخلت نقابات ناشطة في القطاع على خط ما تعرضت له المعلمة من طرف الوالي.

وذكر رئيس الوزراء في تغريدة له على حسابه الرسمي في تويتر، “أرفض رفضاً قاطعاً إهانة المعلم، وهو يدافع عن مستقبل أبنائنا.. تحية شكر وتقدير للمعلمة السيدة سيديا مرابط من مدرسة بن زرجب بوهران، التي فضحت الممارسات القديمة.. سيتم تحديث أثاث المدارس القديمة على مستوى الوطن”.

وكان الوالي (المحافظ) قد استشاط غضبا من المعلمة، لما ذكرت له بأن “معلمي المدرسة هم من ينظفون ويعقمون المدرسة، وهم من يوفرون الوسائل الضرورية ويدفعون أجرة عاملة نظافة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن الطاولات المستعملة في المدرسة من العهد الاستعماري”.

وبدل أن يتدخل المسؤول الأول في الولاية (المحافظة) لحل المشاكل التي يتخبط فيها الكادر البيداغوجي، تمسك بلفظ “طاولات الاستعمار”، ورغم أنه عاينها بنفسه وكانت في وضع كارثي، فإنه انصرف وترك المعلمة تتكلم، الأمر الذي أثار غضبا واستياء لدى الرأي العام والعاملين في القطاع والنقابات.

وتعتبر حادثة وزير الشباب والرياضة ووالي وهران، عينتين من أزمة تواصل عميقة لدى العديد من المسؤولين الكبار في مؤسسات رسمية، حيث سبق للوزير المذكور أن أهان الحكومة برمتها لما صرح في مدينة تيزي وزو (عاصمة منطقة القبائل) بأنه “الوزير الوحيد الذي زار المنطقة”، في تلميح إلى خشية زملائه في الحكومة من زيارتها بسبب الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تتميز بها.

أزمة تواصل
أزمة تواصل

وبات العديد من أمثال هؤلاء المسؤولين يشكلون عبئا ثقيلا على سلطة الرئيس عبدالمجيد تبون، الباحث عن دعم شعبي لترميم الشعبية المخدوشة في الانتخابات الرئاسية التي أفرزته رئيسا للبلاد في ديسمبر الماضي، كما قدموا ذريعة للمعارضين لانتقاد السلطة والطعن في شرعية تولي المسؤوليات من طرف هؤلاء.

وتجاوز خطاب هؤلاء حدود زلات اللسان المسجلة بين الحين والآخر، خاصة لما يظهر تضارب بين معلومات وتصريحات وزراء ومسؤولين حكوميين، تصل إلى حد التنكر للطرف الآخر بسبب مواقفه السياسية، كما حدث مع الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الحاكم أبوالفضل بعجي، الذي هدد بـ”سيف الحجاج” لمن يعارض الدستور المنتظر.

وأبانت ردود الفعل المسجلة حول التصريحات المنزلقة، عن قطيعة حقيقية بين الرأي العام وهؤلاء المسؤولين، الأمر الذي أعاد الأجواء التي سبقت انتفاضة الشارع في فبراير 2019، احتجاجا على خطاب التحدي والاستفزاز، من خلال رغبة هؤلاء الذين كانوا يودون تمرير الولاية الرئاسية الخامسة للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة بكل الوسائل.

ولا تزال ذاكرة الجزائريين تحتفظ للوزير السابق والأمين العام السابق للحركة الشعبية الجزائرية المسجون عمارة بن يونس، لما شتم “آباء الذين لا يريدون انتخاب بوتفليقة” في ذلك الاستحقاق الذي كان مقررا في أبريل 2019 قبل أن يسقط تحت انتفاضة الشارع.

4